بعد عقود طويلة من الجدل، بات أقباط مصر على موعد مع قانون جديد سينظم أحوالهم الشخصية، ويمثل هذا التحرك الذي أوصى به الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي نقلة نوعية في تاريخ الأسر المسيحية، لا سيما بعد الخلاف على لائحة (38) التي أُجريت عليها تعديلات في 1982 المحددة لشكل الزواج الكنسي، وأسباب الطلاق، والمطالبات الدائمة بالنظر فيها لأنها لا تواكب الزمن.
"مثل الصداع في الرأس" هكذا وصف الإعلام المصري قضايا الطلاق والزواج لدى الأقباط، والتي عانت منها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، إلا أن القانون وبعد أن عبر مراحل كثيرة، ينتظر الآن التصديق من مكتب وزير العدل.
وخلال السنوات الأخيرة ومنذ جلوس البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية على كرسي الكنيسة الأرثوذكسية في نهاية 2012، وعد بأنه سينهي أزمة متضرري الأحوال الشخصية.
فما هي بنود هذا القانون؟ وهل يحل مشاكل زواج المسيحيين وطلاقهم في مصر؟
نقلة حضارية
منصف سليمان، المستشار القانوني للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وعضو مجلس النواب وصف القانون بأنه نقلة حضارية للمرة الأولى للمسيحيين في تاريخ مصر، إذ يحكم أحوالهم الشخصية بنصوص واضحة تنظم كل ما يتعلق بالحياة الزوجية، وسيمتد القانون الجديد للميراث الى جانب عقود الزواج.
وأكد النائب جميل حليم الذي يشغل منصب المستشار القانوني للكنيسة الكاثوليكية، أن "ممثلي الكنائس المصرية المختلفة، انتهوا بالفعل من مناقشة بنود القانون الجديد، وهو الآن في المكتب الفني لوزير العدل وتتم مراجعته، وسيتم إرساله بعد ذلك الى مجلسي النواب والشيوخ".
ورفض حليم الحديث التسريبات المنداولة وقال لـ "النهار العربي": "لدينا أكثر من مسودة وجميعها تم استبعادها"، مشيراً إلى أن النسخة المعروضة في مكتب وزير العدل "ستتعرض للتعديل"، ومحذراً من النسخ المتداولة لأنه "لن يعتد بها، وبين لحظة وأخرى سيخرج القانون إلى النور".
تعتيم
وفيما أعلن ممثلو الكنائس قرب موعد الإفراج عن القانون، أبدى المفكر القبطي ومؤسس التيار العلماني في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية كمال زاخر، قلقه من المسودات المُعلن عنها، إذ يرى أنها "مجرد تسريبات غير مضمونة".
وأوضح زاخر في حديث الى "النهار العربي" أنه "قبل سن القانون أو مناقشته في مجلس النواب لا بد من طرحه في جلسات استماع، وهذا نسق تشريعي مُتفق عليه في كل برلمانات العالم، بخاصة أن القانون يمس قاعدة عريضة من الناس، ويتعلق بمستقبلهم، وظل لسنوات محل جدل، وآخر تعديل تم نشره على القانون في عام 2008".
وقال إنه "تم التعتيم على القانون والتعامل بسرية تامة أثناء مناقشته داخل الكنائس المختلفة الثلاث الكاثوليكية والبروتستانتية والأرثوذكسية. والآن في ظل ثورة المعلومات والثورة الرقمية، لم تعد النظم القديمة في طرح القوانين تساير متطلبات اللحظة".
ويعتبر زاخر أن "الاستقرارهو الأساس في الزواج، والأمر ليس متعلقاً فقط بالطلاق، لأن الزواج في كل الأديان والشرائع خُلق ليبقى، ولا يصح أن يتزوج الشخص وتكون نيته الطلاق، فهذا يعني أنه لن يكون هناك استقرار في الأسرة، ولا في المجتمع، وستكون النتائج السلبية للطلاق كارثية وسيتضرر لأطفال".
واختتم: "القضية تستحق الدراسة من وجهة نظر أصحاب المشاكل، لكن هذا البعد غائب جداً عن كل من يناقشون القانون، ولا بد من أن نعود مرة أخرى الى هدف المجتمع الأساسي من قوانين الأسرة، لا بد من الانتباه للبعد الاجتماعي."
حقيقة التسريبات
وتتفق وفاء وصفي نائب مدير تحرير مجلة "روز اليوسف" والمتخصصة في الشأن القبطي، مع ما قاله زاخر حول مسودة القانون التي "لم يُسمح لأحد بالاطلاع عليها حتى الآن، فوزارة العدل لم تفصح عن القانون ولا حتى المسؤولين في الكنيسة".
وقالت وصفي لـ"النهار العربي": "كل ما وصل إلينا مجرد تسريبات، لا نعرف مدى صحتها". وبحسب وصفي، "حتى الآن، وبناء على تلك التسريبات، ليس هناك جديد سوى منح الأرثوذكس صلاحية الطلاق المدني، وهذا لن يكون ُملزماً للكنيسة بمنح تصريح للزواج الثاني".
وفي تقدير الكاتبة المتخصصة في الشأن القبطي: "هذا يعني أننا نقف أمام المشكلة نفسها، والقانون الجديد سيخصص لكل ملّة مسيحية الطريقة التي تتناسب مع شرائعها، مع الأخذ في الاعتبار أن الكنيسة الكاثوليكية لا تمنح الطلاق حتى مع علّة الزنا". ولذا تتساءل وصفي: "هل ما وصل إلينا عن القانون صحيح؟ لا أحد يعلم أي شيء. إن ممثلي الكنائس الثلاث اجتمعوا مع ممثلي وزارة العدل، لكن لم يتم طرح القانون للنقاش المجتمعي".
وأشارت إلى "مرونة" البابا تواضروس منذ تولى منصبه، "إذ قام بتشكيل المجالس الإكليريكية الخمسة للأحوال الشخصية، بدلاً من مجلس إكليريكي واحد كان مختصاً بكل الكنائس على مستوى الكرازة لتحديد مشاكل الأسرة". وأضافت: "مع ذلك، هناك مرونة في منح تصريح الطلاق لهجر أحد الزوجين، لم يكن هذا موجوداً في السابق. وغير ذلك لم يكن هناك حل سوى تغيير الملّة لمن يرغب في الطلاق".
وتتساءل وصفي: "ما هو القانون الجديد؟ حتى الآن لم نرَ منه شيئاً! كيف سيصدر قانون مُوحدّ للأحوال الشخصية للأقباط في حين لا أحد يريد أن يتنازل عن عقيدته، ولكل طائفة هناك من يقف ويحاسبها وسيظل الملف شائكاً؟".
أما بالنسبة الى قانون الميراث، فأوضحت وصفي أنه "سبق أن صدر حكم من محكمة أسرة حلوان بتطبيق لائحة الأقباط الأرثوذكس بشأن توزيع الميراث، وقد يتم تعميم هذا الحكم على كل الدوائر القضائية".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
نص المرسوم رقم (98) لعام 2026 على تعيين عبد الرحمن بدر الدين الأعمى أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية... جاء تعيينه خلفاً لماهر الشرع، وذلك في إطار توجهات لتعزيز مبدأ فصل العلاقات العائلية عن المسؤولية العامة.
نبض