15-03-2023 | 05:55

"حُفرت قبل 2000 عام"... باحث مصري يتقصّى تاريخاً جديداً ومثيراً لقناة السويس

نشر باحث مصري، أخيراً، دراسته التي توثق أن القناة شقت للمرة الأولى قبل أكثر من 2000 عام، في دورية المجلة الدولية لعلم الآثار المصرية، والتي تصدر عن الأكاديمية النمساوية للعلوم، إذ أجرى مسوحاً أثرية لتحديد مسار هذه القنوات، وهو ما يضع أمام علماء المصريات تصوراً مثيراً حيال التاريخ القديم لقناة السويس.
"حُفرت قبل 2000 عام"... باحث مصري يتقصّى تاريخاً جديداً ومثيراً لقناة السويس
Smaller Bigger

ربما لم يكن يدور في خلد الفرنسي فرديناند دليسبس، وهو يخوض معركته الشخصية من أجل حفر قناة السويس، أنّ ثمة شخصاً آخر سبقه بحوالي 2100 عام، ونجح في وصل البحرين الأحمر والأبيض المتوسط للمرة الأولى.

 

هذه الفرضية يتبنّاها الباحث المصري مصطفى نور الدين، في دراسة جديدة أجراها في سياق إعداده أطروحة الدكتوراه، إذ حاول تأكيد نجاح بطليموس الثاني (285 – 246 قبل الميلاد) في وصل البحرين للمرة الأولى عام 269 قبل الميلاد، من طريق حفر قناة، أو عدة قنوات، عرفت باسم "القناة الشرقية الكبرى"، وهو ما أشار إليه علماء مصريات سابقاً، من دون أدلة قوية.

 

نشر الباحث المصري أخيراً دراسته التي توثق هذا الرأي، في دورية المجلة الدولية لعلم الآثار المصرية، والتي تصدر عن الأكاديمية النمسوية للعلوم، إذ أجرى مسوحاً أثرية لتحديد مسار هذه القنوات، وهو ما يضع أمام علماء المصريات تصوراً مثيراً حيال التاريخ القديم لقناة السويس.

 

تاريخ قديم

عبر تاريخ مصر الممتد، ثمة روايات مختلفة تتحدث عن حفر قناة تربط البحر الأحمر بنهر النيل، ربما أقدمها ما ذهب إليه عالم المصريات الفرنسي بيير مونتيه من أن أصول القناة تعود إلى عهد رمسيس الثاني، وربما إلى زمن الدولة القديمة.

 

لكن تبقى أشهر الروايات، تلك التي تتحدث عن أن الملك المصري سنوسرت الثالث من الأسرة الثانية عشرة، هو أول من ربط البحرين بطريق غير مباشر عام 1850 قبل الميلاد، من طريق فروع نهر النيل، حيث كانت السفن الآتية من البحر الأبيض المتوسط تسير في النيل حتى الزقازيق، ومنها إلى البحر الأحمر عبر البحيرات المرة التي كانت متصلة به وقتذاك.

 

ثمَّة رواية أخرى تلقى رواجاً أكبر في الأوساط الأكاديمية، تؤكد أنّ الملك الفارسي داريوس الأول (بين عامي 522 و486 قبل الميلاد) حفر قناة تربط بين الأحمر ونهر النيل إبّان احتلال الفرس لمصر، حيث حفر قنوات عدة بدأت من جنوب تل بسطا (مدينة الزقازيق حالياً) حتى قرية عامر شمال خليج السويس بإجمالي أطوال لتلك القنوات حوالي 95 كيلومتراً.

 

مجرى قناة النيل - البحر الأحمر في العصر الفارسي

 

ويقول نور الدين لـ"النهار العربي" إنّ قناة داريوس من العصر الفارسي تحظى بتوثيق جيد، لوجود أدلة أثرية تعرف بلوحات القناة، وهي: لوحة المسخوطة، ولوحة سرابيوم، ولوحة كبريت، ولوحة الشلوفة.

 

فضلاً عن قناة داريوس، التي ربطت النيل بالبحر الأحمر، يقدم نور الدين في دراسته قناة بطليموس التي تربط بين البحرين الأحمر والمتوسط مباشرة للمرة الأولى، واشتهرت بنظام تحكم في منسوب المياه فيها من خلال "الهويس"، الذي يسمح بالملاحة فيها على مدار العام، وهو ما تدعمه الدراسة الجديدة بدلائل نصية وأثرية ومسوح ميدانية.

 

السياق التاريخي

ثمَّة شواهد عديدة على البزوغ المبكر لفكرة حفر قناة في الجانب الشرقي، لمنع الآسيويين من التسلل إلى ضواحي الدلتا إلى الفترة الانتقالية الأولى، حسب ما يقول نور الدين.

 

ويضيف الباحث المصري أنّ الملك خيتي الرابع من الأسرة العاشرة، في نصائحه الشهيرة إلى ابنه "مري كا رع"، حثه على حفر قناة تصل إلى البحيرات المرة وملء نصفها بالمياه لتكون بمثابة حاجز يمنع التسلل الآسيوي إلى الدلتا، كما نصحه بإنشاء مدن محصنة على أطراف الصحراء.

 

ويتابع: "هذه النصائح لا تمثل في حد ذاتها دليلاً مادياً، لا سيَّما أنه لا تتوافر لدينا أي دلائل أثرية على أن هذه القناة كانت تعمل أساساً". 

 

في هذا السياق، يتضح أنّ حفر قناة في الجانب الشرقي لمصر كان مدفوعاً دائماً بهاجس دفاعي في الأساس، يهدف إلى صدّ هجمات الآسيويين، فضلاً عن تيسير حركة التجارة والمواصلات.

 

ويقول نور الدين في الدراسة: "كانت القناة الشرقية بلا شك قناة دفاعية في مواجهة قبائل الأنباط وحلفائهم من القبائل العربية. ومع ذلك، كانت أيضاً قناة ملاحية تستخدم لتأمين طرق التجارة عبر البحر الأحمر".

 

مسار القناة

في سياق الإعداد للدراسة، أجرى نور الدين بحثاً ومسحاً أثرياً لتتبع بقايا القنوات والممرات المائية القديمة في المنطقة، فضلاً عن الاستعانة بدراسات جيولوجية أجريت في المنطقة، ما يدعم فرضية ربط القناة للمرة الأولى بين البحرين مباشرة.

 

وفي الواقع، يتطلب شق قناة شرقية على طول محور قناة السويس، حفر أربع قنوات، لربط البحيرات التي تقع على هذا المحور بداية من خليج السويس حتى البحر المتوسط، حيث تمتد بحيرة البلاح من القنطرة شمال الإسماعيلية، تليها بحيرة التمساح جنوباً، ثم البحيرات المرة.

 

تشير النقاط الزرقاء إلى القناة الشرقية الواقعة بين الهواشمة وجبل مريم

 

ووفقاً لرصد الدراسة، فقد امتدت القناة الأولى من شمال خليج السويس، عند قرية عامر، حتى جنوب البحيرات المرة بطول 15 كيلومتراً، ومن شمال البحيرات المرة عند الهواشمة، حفرت القناة الثانية بطول 10 كيلومترات حتى جبل مريم جنوب بحيرة التمساح.

 

القناة الثالثة امتدت بطول 11 كيلومتراً من شمال بحيرة التمساح حتى الكيلو 11 حيث بحيرة البلاح، أما القناة الرابعة فقد تم شقها بطول 35 كيلومتراً من شمال بحيرة البلاح عند موقع أبو صيفي حتى مدينة بلوزيوم المعروفة حالياً بتل الفرما على البحر المتوسط، ليصل في النهاية إجمالي طول قناة بطليموس الثاني حوالي بالبحيرات حوالي 170 كيلومتراً.

 

دلائل جديدة

استعانت الدراسة بأدلة أثرية ونصية عديدة، بعضها معروف بالفعل، والبعض الآخر يسلط الضوء على شواهد جديدة. ومن الأدلة الأثرية المعروفة سلفاً، لوحة بيتوم التي أظهرت اهتمام بطليموس الثاني بوادي الطميلات.

 

وتشير لوحة بيتوم إلى أنّ بطليموس الثاني زار مقاطعة الخطاف الشرقي مرتين، وقام ببناء عدد من المشاريع الضخمة، منها قناة أو قنوات، وبناء معبد لآتوم، ودار للضرائب على البضائع التي تمر بالقناة.

 

لوحة بيتوم المحفوظة في متحف السويس

 

فضلاً عن الأدلة القديمة، ومنها لوحة كبريت التي تبرهن على حفر قناة الفرس، ثمة أدلة جديدة حاول الباحث المصري عبرها توثيق حفر أول قناة تربط بين البحرين بصورة مباشرة.

 

أجرى نور الدين بحثاً ميدانياً بمدينة الإسماعيلية مسترشداً بإشارات علماء مصريات كلاسيكيين مثل: لينان دو بلفون، وعلى مدار أيام قام بمسح المناطق شمال بحيرة التمساح، واستطاع تحديد إحداثيات ترصد مجرى القناة، مستنتجاً أنّ القناة شقت في طيّة أرضية.

 

إلى جانب البحث الميداني، استندت الدراسة إلى مسح جيولوجي أجراه باحثون من إسرائيل، إذ رصدوا مجرى قناة شمال بحيرة البلاح طوله 15 كيلومتراً، وهو جزء من القناة الرابعة التي تصل بين بحيرة البلاح والفرع البيلوزي لنهر النيل، على بعد 1.55 كيلومتر من شاطئ البحر المتوسط عن تل الفرما.

 

في منتصف التسعينات أكّد فريق أميركي هذه النتيجة، عندما تحققوا من وجود مجرى للقناة عبر صور القمر الاصطناعي كورونا.

 

رغم هذه التأكيدات، يقول نور الدين إنَّ القناة الرابعة التي تصل بحيرة البلاح بالبحر المتوسط لا تزال محل جدل، مشيراً إلى أنّ دراسته تفتح الباب واسعاً لدراسات جديدة أكثر عمقاً، تتضافر فيها علوم الجيولوجيا والآثار والتاريخ.

 

منخفض عميق بأحد شوارع الإسماعيلية ضمن المسح الميداني

 

رخاء اقتصادي

تسلط الدراسة الضوء على المنافع التي تحققت بفضل قناة بطليموس الثاني، إذ استغل البطالمة موقع مصر وإمكاناتها الاقتصادية لإقامة علاقات تجارية مع الصين في الشرق، وإسبانيا في الغرب، والجزر البريطانية في الشمال، ووسط أفريقيا في الجنوب.

 

ولم تكن القناة الشرقية مجرد حائط صد فقط ضد الآسيويين، لكنها كانت طريقاً للنقل البحري بين مصر وأراضيه جنوب سوريا، وعلى ساحل آسيا الصغرى، إذ تشير جميع الوثائق والنصوص التاريخية إلى ازدهار التجارة الخارجية لمصر في العصر البطلمي بشكل لم يسبق له مثيل.

 

مواقع معالم القناة الشرقية

 

ومن أمارات الازدهار الذي أحدثته القناة، أنّ المنطقة المتاخمة للقناة من الشرق والشمال الشرقي أخصب الأراضي المصرية، في العصر اليوناني الروماني، اشتهرت بزراعة العنب وصنع النبيذ، كما أنها تنتج كميات وفيرة من العدس.

 

كما كانت الملاحة في قناة النيل - البحر الأحمر نشاطاً موسمياً، بسبب الفيضانات الموسمية لنهر النيل، وكذلك صعوبة الإبحار عكس التيار. فكان لحفر القناة الجديدة بين البحيرات المرة وبحيرة التمساح تأثير اقتصادي كبير، بعدما سمحت بالملاحة على مدار العام.

 

علاوة على ذلك، تم توسيع بحيرة التمساح إلى الغرب، ما سمح للسفن والتجارة بالوصول إلى تل المسخوطة (قرب أبو صوير بالإسماعيلية حالياً)، شرق الدلتا، وهي المدينة التي استفادت بشكل كبير من معدلات الضرائب والجمارك التي خصصها بطليموس الثاني لمعبد أتوم، كما وصلت إليها أنواع مختلفة من البضائع في طريقها إلى ممفيس.

 

رأي داعم للدراسة

من جهته، يعلق على نتائج الدراسة الدكتور جوزيف هوديك، وهو عالم مصريات في معهد الدراسات الشرقية التابع للأكاديمية السلوفاكية للعلوم، إذ يقول إنّه تجول في شوارع مدينة الإسماعيلية وفي وادي الطميلات وبرزخ السويس، ومن مشاهداته العينية للمواقع التي كان من المفترض أن تكون جرت فيها القنوات، وبالاطلاع على الدراسة، أصبح لديه تصور مقنع عن النتائج.

 

ويضيف لـ"النهار العربي" أنّ الباحث جمع البيانات من مصادر متعددة ومن الخرائط القديمة، وتحقق من المواقع الأثرية، إذ لا يوجد أي تفسير للمنخفضات العميقة والمتميزة والمرافئ والاكتشافات الأثرية الأخرى، سوى أنها - حتى الآن - متعلقة بالقنوات القديمة.

 

ويتابع هوديك: "تتمثل مساهمة الدراسة الرئيسية في دعم الفرضية القائلة بعدم وجود اتصال قناة بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر قبل القناة البطلمية.  هذا يعني أنه كان هناك العديد من القنوات القديمة التي تم شقها سابقاً، لكنها لم تربط مياه البحار. كما تؤكد الدراسة الأهمية الإستراتيجية والعسكرية للقناة، فضلاً عن تسهيل نقل البضائع والمواد الخام والتجارة في المنطقة التي بدأ منذ زمن طويل قبل حفر قناة السويس الحديثة".

 

 

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/29/2026 12:33:00 AM
شهد الحفل حضور عدد من كبار الشخصيات الإسلامية، وضيوف خادم الحرمين الشريفين، إضافة إلى رؤساء الوفود وممثلي مكاتب شؤون الحجاج.
كتاب النهار 5/30/2026 12:05:00 PM
الدوائر المعنية في الحزب تدرس باهتمام كبير الرسالة الجنبلاطية واحتمالاتها وتعدّ لردّ قريب عليها
لبنان 5/30/2026 1:32:00 PM
أفادت معلومات لـ"النهار" بأنّ "القافلة تابعة للكتيبة الإندونيسية، وتقوم بعملية تبديل روتيني، لكنّها تسلك طريق البقاع الغربي لأسباب أمنية، بسبب التصعيد الإسرائيلي في منطقة النبطية في جنوب لبنان".
سياسة 5/29/2026 8:03:00 PM

تتسارع الوقائع الميدانية في جنوب لبنان بعد أن هدّد الجيش الإسرائيلي كامل المنطقة الواقعة جنوبي نهر الزهراني وأنذر سكانها بالإخلاء الفوري بعد فترة من تحييد مدينتي صور والنبطية