16-03-2022 | 05:00

من "قنديل أم هاشم" إلى "طبيب الكركمين"... كيف تتعامل مصر مع فوضى الطبّ البديل؟

انشغل الرأي العام في مصر أخيراً بالعديد من قضايا الطب الشعبي والاتجار في علاجات غير مرخصة، أبرزها قضايا: "طبيب الكركمين"، و"دجال فيصل"، وغيرها من القضايا التي ينظرها القضاء المصري حالياً
من "قنديل أم هاشم" إلى "طبيب الكركمين"... كيف تتعامل مصر مع فوضى الطبّ البديل؟
Smaller Bigger

انتابت إسماعيل، الطبيب الشاب، حالة غضب عارمة دفعته لتحطيم قنديل المسجد، بعدما ضاق ذرعاً باستخدام الأهالي زيت القنديل في علاج أمراض العيون، إذ يستمد عامة الناس البركة من القنديل، كونه يضيء مسجد السيدة زينب حفيدة النبي محمد وسط القاهرة.

 

جسّد هذا المشهد الخالد في ذاكرة السينما المصرية صراعاً طويلاً يجري في مصر على مدار سنوات بين الطب الحديث من جهة، والمعتقدات والممارسات الشعبية التي يضفي عليها الدين أحياناً مسحة من القداسة في الجهة الأخرى.

 

ورغم السنوات الطويلة التي مرت على قصة فيلم "قنديل أم هاشم" المأخوذة عن رواية الكاتب الراحل يحيى حقي التي ألَّفها عام 1940، ومع كل التقدم التقني والمعرفي، إلا أنه لا يزال للطب التقليدي موطئ قدم في حياة المصريين، حيث صارت منصات التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام التقليدي توفر مساحات رحبة لتسويق منتجات أعشاب طبية مجهولة المصدر، قد تتسبب أحياناً في وفاة المرضى.

 

 

وانشغل الرأي العام في مصر أخيراً بالعديد من قضايا الطب الشعبي والاتجار في علاجات غير مرخصة، أبرزها قضايا: "طبيب الكركمين"، و"دجال فيصل"، وغيرها من القضايا التي ينظرها القضاء المصري حالياً.

 

وتعود قضية "طبيب الكركمين" إلى إلقاء الشرطة المصرية الشهر الماضي القبض على الصيدلاني أحمد أبو النصر بتهمة النصب والاحتيال وبيع أدوية مجهولة المصدر وغير معتمدة، علماً أن لمنتوجاته إعلاناً تلفزيونياً شهيراً تؤديه المغنية الشعبية فاطمة عيد ويقول "الكركمين الكركمين، شكراً لأبو النصر الأمين".
 

في المقابل، لم يمنع الجدل الدائر حول الأضرار التي قد تسببها الأدوية العشبية، الكثيرين من الدفاع عن الطب التقليدي، إذ يلقون باللائمة على من يقومون بممارسات خاطئة في هذا المجال، ويتاجرون في أدوية لم يصرح باستخدامها، بهدف الربح فقط، مستندين في ذلك إلى اعتراف منظمة الصحة العالمية بالطب التقليدي.

 

في وسط هذا النقاش المحتدم، تبرز التساؤلات؛ كيف يتم التعامل مع الطب التقليدي في مصر؟ وهل ثمة اعتراف رسمي يلوح في الأفق؟ وما الفرق بين الضار والمفيد من الأدوية العشبية؟

 

 
 

منظمة الصحة

تُعرِّف منظمة الصحة العالمية الطب التقليدي على إنه "نتاج خبرة طويلة من المعرفة والمهارات والممارسات المبنية على النظريات والمعتقدات والتجارب التقليدية لعدد من الثقافات، للحفاظ على الصحة بالإضافة إلى الوقاية وتشخيص وتحسين ومعالجة الأمراض الجسدية والعقلية".

 

وتشير المنظمة إلى أن 80 في المئة من سكان الأرض يعتمدون على الطب التقليدي لتوفير الرعاية الصحية الأولية، وتشمل منتجات الطب التقليدي والتكميلي: الأعشاب، والمواد العشبية، والمستحضرات العشبية، والمنتجات العشبية المصنعة والمواد والتركيبات النباتية الأخرى الناجمة عنها بوصفها مكونات فاعلة.

 

وفي عام 2010 أصدرت منظمة الصحة العالمية أول دليل عالمي يوفر معلومات ومعايير للطب التقليدي، كما أطلقت المنظمة وثيقة عنونتها بـ"استراتيجية في الطب التقليدي (2014 - 2023)"، وتشجع فيها الحكومات على تيسير إدماج الطب التقليدي والتكميلي في النظم الصحية الوطنية، من طريق مساعدة الدول الأعضاء على تطوير سياساتها الوطنية في هذا القطاع.

 

وحسب الوثيقة فإن 119 دولة حول العالم لديها استراتيجيات للطب التقليدي، و69 دولة لديها تشريعات تنظم شؤون الأدوية العشبية، حتى عام 2012.

 

 
 

تقرير قضائي

على الجهة الأخرى، يواجه الطب التقليدي رفضاً رسمياً في مصر، إذ أصدرت هيئة مفوضي الدولة تقريراً قضائياً عام 2017، ردت فيه على وثيقة منظمة الصحة العالمية، وأوصت فيه الدائرة الأولى بمحكمة القضاء الإداري بعدم قبول دعوى طالبت بإلزام وزارة الصحة بالاعتراف رسمياً وإصدار تراخيص بمزاولة ما يسمى بـ"الطب البديل التكميلي" أو "الطب الشعبي التقليدي" أو غيرها من المسميات، والاعتراف به واعتماده ضمن السياسات العلاجية المعترف بها من قبل الوزارة.

 

وأكد التقرير القضائي المصري، أن هذه الممارسات تقوم على وسائل لا تعتمد على المنهج العلمي الصارم المتبع في كليات ومدارس الطب والصيدلة الحديثة المعترف به، ولفت إلى أنه من غير المقبول إلزام وزارة الصحة بالاعتراف بهذه الممارسات واعتمادها استناداً إلى إحدى دراسات منظمة الصحة العالمية المنشورة خلال عام 2013، إذ إن المنظمة بذاتها أعلنت بشكل صريح في بداية الدراسة أنها لا تعبّر عن رأيها وإنما عن رأي الباحثين.

 

 موقف رسمي

وفي السياق ذاته، تشدد عضو لجنة الصحة في البرلمان المصري الدكتورة هناء سرور على رفض الاعتراف بالطب التقليدي في مصر، إذ تقول "إن هذه الممارسات تعيدنا إلى الوراء"، مؤكدة أن لجنة الصحة "لا تنوي مناقشة أي تشريعات تجيز هذه الممارسات، ولم يردها أي مقترحات في هذا الصدد".

 

وتوضح سرور لـ"النهار العربي" سبب رفضها للاعتراف بالطب التقليدي، فتقول: "لا يوجد كوادر بشرية مؤهلة يمكن أن تكون مصدر ثقة لوصف الأدوية العشبية، أو القيام بممارسات طبية تقليدية، في الوقت الذي يتقدم الطب يوماً بعد آخر، وتتزايد التخصصات الدقيقة، لذلك لا يمكن إقرار ممارسات عفا عليها الزمن".

 

وعن جهود لجنة الصحة في البرلمان المتعلقة بالطب التقليدي، تشير البرلمانية المصرية إلى أن جهدهم يتركز حالياً على مراقبة دور هيئة الدواء المصرية في منع تداول الأدوية غير المرخصة، سواء المنتشرة في إعلانات الفضائيات، أو الموجودة في الصيدليات، أو تلك التي تباع في المراكز الطبية بشكل غير رسمي.

 

من جهته، يقول المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة الدكتور حسام عبدالغفار "إن وزارة الصحة المصرية تتخذ إجراءات صارمة بحق المنشآت الطبية التي تروج لأدوية غير مرخصة، أو تقوم بممارسات من شأنها الإضرار بالمريض".

 

وأضاف عبدالغفار في تصريحات خاصة لـ "النهار العربي" إن "بيع الأدوية داخل العيادات ممنوع من الأساس، حتى إذا كانت مرخصة، كما أن من يثبت تسببه في حدوث أضرار بحق أي مريض، يحال للنيابة العامة، كما يتم إغلاق أي منشأة طبية تقوم بالاتجار في الأدوية".

 

توصيات صيدلانية

على رغم الرفض الرسمي للطب التقليدي، إلا أن هناك استخدامات شائعة في مصر وجميع بلدان العالم للأعشاب ذات الاستخدامات الطبية، لكنّ ثمة فرقاً بين النباتات في صورتها الأولية، والأدوية العشبية التي يتم تصنيعها من مستخلصات نباتية لها تأثير علاجي في بعض الأمراض، وهو ما يوضحه وكيل كلية الصيدلة في جامعة حلوان الأستاذ في العقاقير الطبية الدكتور محمد إبراهيم صالح.

 

ويشرح صالح لـ"النهار العربي" أن "الأدوية المصنعة المعترف بها هي التطور التكنولوجي للأعشاب الطبية، فقديماً لم تتوافر الإمكانات حتى يتم استخلاص المواد الفعالة من النباتات، فكان يتم تناول النبات في صورته الأولية، وفي هذه الممارسات أضرار كبيرة، حيث يحتوي النبات على مئات المركبات الكيماوية، في حين أن فاعليته العلاجية قد تعتمد على مادة أو بضع مواد، لذا فقد تضر بقية المواد بأعضاء الجسم، لذلك يوصى دائماً بالالتزام بالأدوية العشبية التي تقرها منظمة الصحة العالمية، مع تناولها تحت إشراف طبي متخصص، لأنها قد تكون سامة في حالة تناولها بجرعات زائدة".

 

أدوية عشبية

ويضيف: "إن الأدوية التي تقرها منظمات الصحة العالمية تنقسم إلى: أدوية عشبية مثل مستخلصات النعناع أو الزعتر أو الكراوية أو الينسون أو الشمر، وهي أدوية من مصدر طبيعي وتعتمد على فصل مادة أو مادتين من النبات ووضعها في صورة صيدلانية معتمدة وبتركيزات آمنة، تجنباً لأضرار المواد الأخرى التي توجد في النبات في حالته الطبيعية".

 

كما أن هناك أدوية عشبية من مصدر شبه صناعي، بمعنى أنه يتم فصل المادة الفاعلة ذات التأثير العلاجي من النبات، لكن نظراً لوجود بعض الآثار الجانبية من هذه المادة يتم إجراء تغييرات كيماوية ومعملية عليها حتى يتم التخلص من الآثار الجانبية الموجودة في المادة الأولية من النبات.

 

ويلفت صالح إلى أن جميع الأدوية التي تقرها منظمات الصحة العالمية سواء كانت من مصدر طبيعي أو صناعي لا بد من أن تكون مرت بتجارب ومراحل على مدى سنوات عديدة، لتقييم فاعليتها ومدى أمانها معملياً ثم على حيوانات تجارب، ثم على متطوعين مرضى وأصحاء.

 

وفي ختام حديثه لـ "النهار العربي" يشدد صالح على أن "الأدوية الطبية بشكل عام، سواء كانت من مصدر نباتي أو عشبي أو صناعي لا بد من أن يتم تصنيعها وتعبئتها من قبل متخصصين مثل مصانع الأدوية المعتمدة لضبط جوده الأدوية من تحاليل أو جرعات. فأي دواء ذي تأثير علاجي لا بد من أن يتم تناوله بجرعات محددة، حتى لا يتسبب في تسمم المرضى".

 

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/29/2026 12:33:00 AM
شهد الحفل حضور عدد من كبار الشخصيات الإسلامية، وضيوف خادم الحرمين الشريفين، إضافة إلى رؤساء الوفود وممثلي مكاتب شؤون الحجاج.
كتاب النهار 5/30/2026 12:05:00 PM
الدوائر المعنية في الحزب تدرس باهتمام كبير الرسالة الجنبلاطية واحتمالاتها وتعدّ لردّ قريب عليها
لبنان 5/30/2026 1:32:00 PM
أفادت معلومات لـ"النهار" بأنّ "القافلة تابعة للكتيبة الإندونيسية، وتقوم بعملية تبديل روتيني، لكنّها تسلك طريق البقاع الغربي لأسباب أمنية، بسبب التصعيد الإسرائيلي في منطقة النبطية في جنوب لبنان".
سياسة 5/29/2026 8:03:00 PM

تتسارع الوقائع الميدانية في جنوب لبنان بعد أن هدّد الجيش الإسرائيلي كامل المنطقة الواقعة جنوبي نهر الزهراني وأنذر سكانها بالإخلاء الفوري بعد فترة من تحييد مدينتي صور والنبطية