14-09-2022 | 05:50

"ميدوسا" باب الناجيات للبوح... لماذا السخرية من ضحايا التحرّش والاغتصاب؟

لعنة ميدوسا أصبحت وسماً لـ"ترند" في عام 2022، حين نشرت فتاة قصتها ووشماً لميدوسا، وحكت أنها تعرضت للاغتصاب. في غصون يومين كان هناك أكثر من 80 ألف تفاعل على "تيك توك" وحده.
"ميدوسا" باب الناجيات للبوح... لماذا السخرية من ضحايا التحرّش والاغتصاب؟
Smaller Bigger
"ميدوسا"، عنوان "ترند" جديد اجتاح مواقع التواصل الاجتماعي في مصر قبل أيام. ومع أن بدايته لم تكن هنا، لكنه تصدر السجالات. وسواء سمعت عن قصتها أم لا، فإن "ميدوسا"، اسم الأسطورة الإغريقية، تحوّلت رمزاً إضافياً لمعركة الناجيات المفتوحة ضدّ العنف الجنسي. وبدلاً من تعاطف الجميع مع الضحايا، ثمة من سخر من آلام الناجيات ومعاناتهنّ.

 

وبحسب الأساطير فإن ميدوسا هي إلهة إغريقية فائقة الجمال، أُعجب بها بوسيدون إله البحار والمحيطات، وحين حاول النيل منها رغماً عنها قاومته، إلا أنه اغتصبها في النهاية. شكته ميدوسا إلى أثينا، إلهة الآلهة، وبدلاً من أن تساعدها في نيل حقها من بوسيدون، عاقبَتْها بأن جعلت من شعرها ثعابينَ مخيفة، وسحرت عينيها فجعلت كل من ينظر إليها يتحول إلى حجر.

 

لعنة ميدوسا أصبحت وسماً لـ"ترند" في عام 2022، حين نشرت فتاة قصتها ووشماً لميدوسا، وحكت أنها تعرضت للاغتصاب. في غصون يومين كان هناك أكثر من 80 ألف تفاعل على "تيك توك" وحده، يمتلئ بمئات القصص لفتيات إما شاركن قصصهن، أو اكتفين بنشر صورة ميدوسا في إشارة إلى تعرضهن لتحرش أو اغتصاب.

 
تحول اسم ميدوسا إلى وسم للبوح بقصص التحرش والاغتصاب أخيراً

 

"أنا أيضاً"

وعبر "فايسبوك" تفاعلت فتاة تدعى إيما التركي (حصلنا على موافقتها لنشر قصتها)، مع "ترند" ميدوسا، ونشرت صورة الإلهة المشوهة، وكتبت أنها تعرضت لمحاولة اغتصاب حينما كانت طفلة.

 

وتقول الفتاة: "حينما كان عمري 4 سنوات ونصف السنة، تعرضت لمحاولة اغتصاب. كان والدي يريد حارسَي عقارات لديه، فذهب إلى مصنع مهجور للتعرف إلى العمال ليختار منهم، وذهبت معه إلى المصنع الذي كان به أطفال كثيرون في سني وأكبر وأصغر مني".

 

وقتها طلب أحد العمال من والدها أن يدعه يصطحبها لتلعب مع الأطفال في المصنع، وبالفعل ذهبت معه. كان المكان مظلماً، وثمة خيط شمس رفيع لا يكشف بوضوح عن الداخل. دلفت إيما لتجد الأطفال يقفون بالقرب من باب المصنع تلمساً للنور.

 

 

ولا تزال ذاكرتها محتفظة بكل التفاصيل، فهي تذكر أنه كان هناك ممر به "براميل" كبيرة من الحديد، وأن الأطفال يمسكون بقطع من الطوب يطرقون عليها، وبالأعلى شموع مضاءة لتجلب نوراً خافتاً.

 

بعد قليل حينما دخل هذا الشخص ممسكاً بيد الفتاة، ورآه الأطفال، توقفوا عن الطرق، وكانوا ينظرون إليه نظرات وصفتها بأنها غريبة. وحينها صرخ الرجل على الأطفال حتى يكملوا اللعب والطرق على "البراميل".

 

بعد ذلك قادها معه على سلم خشبي يفضي إلى غرفة صغيرة، وهناك نزع بنطاله، وجعلها تدلك عضوه الذكري. وتقول: "كنت أشعر بالقرف، ولدي إحساس أن هناك شيئاً ما خاطئاً يحدث، وحينما اقترب مني لينزع عني فستاني، ركضت وذهبت إلى أبي، ورفضت أن أفتح عيني إلا حينما عدت إلى البيت".

 

 

لم يتركها ذلك الشخص، فركض خلفها، وأمسك يدها، وظل يلح عليها للعودة للعب معه ومع الأطفال، وظل يضحك مع والدها كأن شيئاً لم يحدث.

 

أثر ذلك الحادث كثيراً في إيما حتى أنها حاولت جاهدة أن تنساه، وتصف تأثيره في حياتها قائلة: "هذا الحادث أثر فيّ بأن جعلني أخاف طوال حياتي من الزحام، كما أصبحت أخاف الناس والتجمعات الاجتماعية".

 

وتعلم الفتاة أن ثمة كثيرين سيحاولون تكذيبها أو السخرية من قصتها، وهو ما حدث بالفعل، لذلك كتبت إنه إذا حكت عن هذه القصة، فالفضيحة ستكون للشخص المعتدي، وليس لها، قائلة: "هناك فتيات كثيرات يخشين البوح بما حدث معهن من انتهاكات بسبب احتمالية وصمهن".

 

 

السخرية من الضحايا

ظهر الكثير من التفاعل مع قصص الفتيات عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، حتى أن بعض الشباب والرجال كانوا يسخرون من قصص الفتيات، والبعض الآخر طالبهن أن يخفين ما تعرضن له بحجة "إذا ابليتم فاستتروا"، و"لا ينبغي للفتاة أن تفضح نفسها وتقول إنه تم اغتصابها".

 

وعبر منصة "تيك توك" انتشرت العشرات من فيديوات لشباب ورجال يسخرون من قصص الاعتداءات التي تعرضت لها الفتيات، وكان البعض يزيف قصصاً عن تعرضهم لوقائع اعتداء، ثم يختتم الفيديو أنه كان سعيداً بما حدث.

 

هل السخرية من الاغتصاب والتحرش والاعتداءات الجنسية مضحكة؟ إيما التركي كناجية من حادث اغتصاب أجابت في تصريحات لـ"النهار العربي": "حينما قرأت قصص البنات، والتي شاركها بعض الذكور الساخرين، تذكرت ما حدث معي فوراً، وهو ما لم أنسه أبدا طوال حياتي، وكنت أحاول تناسيه". 

 
 

وأضافت: "قرأت كلمات بها استخفاف وسخرية وتنمر على "الناجيات" أنهن من دون غشاء بكارة، وأنهم - أي الشباب الساخر - عرفوا أننا كذلك، وغيرها من الكلمات، تمنيت وقتها أن أختفي من الدنيا، أو على الأقل أن أمشي من هذه المنطقة".

 

تصف الفتاة هؤلاء الساخرين بأنهم "ليسوا بشراً، وإنما هم أحقر المخلوقات". وتقول إنها جدت بعضهم يسخرون من قصتها، ويهينونها، ويضحكون من محاولة اغتصابها حتى الآن، ولا تعلم ما الذي أوصلهم ليكونوا مشوهين هكذا.

 

تقريباً لا توجد دراسات متخصصة حول تحليل أسباب سخرية البعض من آلام النساء، لكن بعض الدراسات أشار إلى ردود أفعال غير متزنة من معارضين لبوح النساء بذلك.

 

 

نهال زين، اختصاصية الطب النفسي تقول إنه "أحياناً يقوم بعض الشباب بهذا الأمر عن جهل، ولا يعرفون أن هذه السخرية لا تُضحك، وأن هذا يستحق التعاطف والتكاتف لعدم تكرار هذه الوقائع، فمن الممكن أن بعض هؤلاء لم يجد من يخبره أن السخرية من آلام وأوجاع الناس أمر مؤذٍ".

 

وأضافت أن "بعض مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي يسعون للشهرة والمشاهدات والتفاعل، وهناك من لديه استعداد ليفعل أي شيء ليكون "ترند" ويتفاعل معه الناس".

 

ترجح اختصاصية الطب النفسي أنه "أحياناً يكون وراء هذا السلوك، إنكار، لأنه عندما تحدث أحداث مؤسفة جداً، فإن عقلنا يرفض تصديقها، ويرى أنه من الأسهل إنكارها أو أنها تحدث فقط للآخرين، أو يعتبرها نوادر أو أن هؤلاء الفتيات يكذبن. أحياناً عقولهم ترفض استيعاب أن العالم مؤذٍ، أو غير آمن بهذا القدر، فيلجأون لحيلة دفاعية هي الإنكار".

 

وهناك تفسير آخر رجحته زين وهو أن "هناك اضطرابات نفسية تفقد الشخص التعاطف"، وهو "اضطراب الشخص المعادي للمجتمع، إذ يفقد المصاب به التعاطف مع الناس في مشاكلهم، وهذا أحياناً يفسر سلوكيات مثل السخرية والتنمر من الناجيات".

 

ثقافة المجتمع

ليس من السهولة أن تشارك فتاة تفاصيل خاصة عن جسدها أو تعرضها لأي انتهاك، الأمر الذي يجعلها في حاجة إلى الدعم النفسي والعاطفي، لكن ما تقابله هو سخرية البعض منها.

 

يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الأميركية الدكتور سعيد صادق لـ"النهار العربي" تعليقاً على هذا الأمر: "المتحرش يؤيد المتحرش ويدافع عنه، وإذا رويت أمامه قصة اعتداء جنسي، سيسخر من الأمر لأنه لا يريد أن يدين نفسه".

 

ويضيف: "صورة المرأة لدى الثقافة الذكورية الشرقية أنها شيء للتسلية واللعب، فبعض الشباب مثلاً ممن لديه وقت فراغ، يجلس على المقاهي ويتحرش بالفتيات، ويعتبر الأمر تسلية، وإذا اشتكت الفتيات يتعجب كيف يشتكين من تسليته ولعبه؟".

 

الأمر، حسب رأي أستاذ علم الاجتماع هو "أشبه بواقعة المدافعين عن محمد عادل قاتل نيرة أشرف. من دافع عنه هو في الأصل متحرش ومعتدٍ مثله، وهؤلاء حينما يرون "ترند" على السوشيال ميديا، يخرجون بتصريحات ضده للتسلية، وأحياناً تتبنى هذا فتيات متشبعات بوجهة النظر الذكورية، فيهاجمن الضحية أيضاً".

 

ويرى صادق أن "صورة المرأة لدى هؤلاء تعود أيضاً للتربية، إذا كان الشخص تربى في بيت معتاد على انتهاك النساء... وكذلك لأن المدرسة لا تربي النشء على احترام المرأة، بل على ثقافة أن الرجال قوامون على النساء، وأنه يحق لهم ضربهن. وسبب آخر يرجع للمعلومات الدينية المغلوطة التي أساسها الهيمنة على النساء، كذلك الإعلام الذي يصور المتحرش كبطل مثلما حدث مع فتاة التجمع وأجريت معه مقابلات وعرضوا عليه التمثيل في الأفلام. إنها ثقافة المجتمع التي تلوم الضحية، وتتسبب في اتساع الفجوة بين النساء والرجال".

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 5/5/2026 1:21:00 PM
السؤال لم يعد: هل يستطيع الحزب أن يقاتل؟ بل: هل يستطيع أن يحمي الحياة اليومية لمن دفعوا ثمن قتاله؟
لبنان 5/11/2026 5:34:00 AM
يمكن التوصل بين الرئيسين عون وبري إلى أرضيةٍ مشتركة حول البنود المرجعية، بعد إعلان رئيس الجمهورية أن هدفه "إنهاء الحرب مع إسرائيل على غرار اتفاقية الهدنة".
لبنان 5/11/2026 1:32:00 PM
بلغ مجموع طلبات المودعين الذين تقدموا للإستفادة من التعميمين الأساسيين الرقم 158 و 166 حتى تاريخ تقديم هذا البيان 610,624 طلباً...