أعراس باهظة في مصر... هل يجلب البذخ السعادة حقاً؟
ثمة مشاريع أصبحت رائجة في مصر في خلال العقود الأخيرة. هي ليست مصانع عملاقة، أو حتى ورش صناعات يدوية صغيرة، في الحقيقة إنها قاعات الأفراح، التي تُدر دخلاً كبيراً على أصحابها، بعدما صار البذخ طقساً يقترن بعادات الزواج في مصر. وهو الأمر الذي يطرح تساؤلاً كبيراً، متى وصل المجتمع إلى هذه الحال؟
في واقع الأمر، تتولد من هذا السؤال الكبير أسئلة ذات صلة بقضية الزواج ذاتها، وبالأحوال الاقتصادية عامة، وما يرتبط بها من سياسات حكومية، وجنوح المجتمع نحو ثقافة الاستهلاك بلا منطق، ثم بمدى ارتباط البذخ بالسعادة!
تتباين عادات الزواج في مصر اليوم من مجتمع محلي إلى آخر، ففي المدينة تختلف التفاصيل قليلاً عمّا تكون عليه في القرية، لكن السمة العامة المشتركة هي الإسراف والبذخ اللذان يرافقان الأعراس، التي تقام عادة في قاعات فخمة، أضحت منتشرة أيضاً في الريف.
وحتى سنوات قريبة كان كثيراً من هذه الأعراس يقام في الشوارع العامة، وقليل منها يقام في الأندية أو الفنادق، قبل أن يتبدل الحال، وتصبح طقوس الزواج مرتبطة بالمشاهير وتقاليعهم التي تنتشر عبر المنصات الاجتماعية بشكل غير مسبوق.
ليلة العمر
تتجاوز تكلفة بعض الأعراس مئات الآلاف وحتى عشرات الملايين من الجنيهات بحسب القدرة المالية للأسر، لكن في المعتاد تراوح تكلفة حفلات الزفاف في مصر بين 20 ألف جنيه (حوالي 700 دولار) إلى 100 ألف جنيه (نحو 3600 دولار)، وهو ما يثقل كاهل الأسر بأعباء مالية تضاف إلى تكلفة الزواج.
وفي أحاديث لـ "النهار العربي" مع شباب في مطلع العشرينات من أعمارهم، ينتمون لمناطق جغرافية مختلفة بمصر، تباينت الآراء، إذ يرى البعض في الأمر ضرورة تستحق الإنفاق إذا توافرت القدرة المادية، باعتبار أن حفلة الزواج هي "ليلة العمر" بحسب التعبير الشائع، فيما لم يعتد آخرون بأهمية حفل الزفاف.

ترى كثيرات من الفتيات أن ليلة العمر تستحق البذخ أحياناً
تقول دنيا عبد الله لـ"النهار العربي" إن حفل الزفاف المميّز مهم بالنسبة إليها، لأنه يشعرها بأنها ملكة هذا اليوم، لذا فلا بد أن تكون كل الأشياء مثالية، وعلى مستوى عالٍ حتى تشعر بقيمة اليوم، ويظل ذكرى لها قيمة غالية لديها من كل الجوانب.
من جانبها، تعتقد نادين الحسيني أن حفل الزفاف مهم لها للغاية، كونه حدثاً يوثق أهم لحظة في حياتها، وتبرهن على هذه الأهمية بندم صديقاتها اللاتي لم يقمن حفل زفاف.
وتتابع الحسيني لـ "النهار العربي": "تكمن أهمية حفل الزفاف بالنسبة إلي في رؤية السعادة في عيون أهلي وأصدقائي". لكنها في الوقت نفسه لا ترى ضرورة لحفل زفاف أسطوري، بخاصة أنه لا يتعدى ثلاث ساعات، وليس من الحكمة إرضاء الضيوف بإنفاق مبلغ كبير.
وبحسب ما تعتقد، يمكن توفير إنفاق مبلغ كبير يصل إلى 300 ألف جنيه (حوالي 10 آلاف دولار) على سبيل المثال، والاستفادة منه في السفر مثلاً، لكن إذا كانت قدرة الزوج المالية تساعد على ذلك، فإنها لا تمانع في هذه الحالة.
في المقابل يرى آخرون أن السعادة في حفل الزفاف لا ترتبط بالضرورة بالتكاليف الباهظة، وهي مسألة تتعلق بالأساس في وجود المقربين ودفء مشاعرهم. وتقول فاطمة أحمد لـ"النهار العربي" إنها تستعد الآن لزفافها، وأن خطيبها لا يفضل إقامة حفل زفاف وهي تتفهم ذلك، لكنها رغم ذلك ستقيم احتفالاً صغيراً في أثناء عقد القران، بحضور الأصدقاء والأهل، كون هذا التجمع هو الذي سيجعلها سعيدة في "ليلة العمر".
النزعة المادية
تهدد المادية العلاقات بين البشر عموماً، وأحد الأوجه الجلية لهذا التهديد يتجسد في العلاقات العاطفية في مجتمعاتنا الحديثة بما تتطلبه من التزامات مادية كبيرة، خصوصاً عند الاستعداد للزواج، وعلى رأسها حفل الزفاف الباذخ الذي يفضله البعض.
في هذا المضمار، ثمة بحث تجريبي مهمّ أعدّه العالم النفسي والكاتب الأميركي تيم كاسر عام 2022، قدّم شرحاً علمياً لكيفية تأثير الثقافة المعاصرة للاستهلاك والمادية على سعادتنا اليومية وصحتنا النفسية بشكل عام.

العالم النفسي والكاتب الأميركي تيم كاسر
في هذا البحث الذي استغرق العمل عليه 10 سنوات، اختبر كاسر القيم المادية للمشاركين لمعرفة مدى ارتباط العلاقات العاطفية بمادية الشركاء، وخلص في النهاية إلى نتيجة مفادها أنّ القيم المادية مرتبطة بعلاقات أقصر وأقل إيجابية وأكثر سلبية.
وجد البحث أيضاً أن الأشخاص الذين لديهم قيم مادية يميلون إلى تجربة المزيد من الصراع والعدوانية في علاقاتهم، ويشعرون بأنهم أقل ارتباطاً بالآخرين.
ويذهب العالم النفسي إلى البحث في كيفية ارتباط الرغبات المادية للناس برفاهيتهم. وبشكل عام توصل إلى أنّ الأشخاص الذين تركّز قيمهم على تراكم الثروة أو الممتلكات المادية، يواجهون خطراً أكبر من التعاسة، يكمن في الإصابة بالقلق والاكتئاب وتدني احترام الذات ومشاكل العلاقة الحميمة - بغض النظر عن العمر أو الدخل أو الثقافة.

القيم المادية تهدد استمرار العلاقات
اغتراب عقلي
من جانبه يرى الدكتور جمال حماد، أستاذ علم الاجتماع بجامعة المنوفية، أنّ جميع المظاهر الخاصة بالشكليات بداية من الاستعداد للزواج حتى يوم الزفاف، أصبح لها تأثير كبير على المجتمع المصري.
ويضيف حمّاد لـ"النهار العربي" أنّ أحد أهم أسباب الطلاق في مصر يعود إلى الاختلافات الثقافية، فيمكن أنّ ترى زوجين أقاما حفل زفاف كبيراً، ولديهما سكن مناسب، لكن بعد شهرين نجدهما في محكمة الأسرة! يرجع السبب ببساطة إلى التركيز على الجوانب الشكلية، وإغفال الجوانب الحقيقية المتعلقة ببناء الأسرة.
إلى جانب عمله الأكاديمي، يعمل حمّاد مدرباً في برنامج "مودّة" التابع لرئاسة الجمهورية المصرية، وهو برنامج مسؤول عن تأهيل الشباب للزواج، ما سمح له بتواصل واسع النطاق حول قضية الزواج مع فئات مختلفة من المجتمع.
يقول الأكاديمي المصري أن من بين الظواهر السلبية التي تنتشر في المجتمع المصري، وحتى داخل الريف، إحياء ما يسمى بـ"ليلة الحناء"، وفي بعض الأحيان تتسم هذه الليلة ببذخ يفوق الحدّ، إضافة إلى تجاوزات، إذ توجد في بعض الأحيان مخدرات وخمور وغيرها من المظاهر السلبية.

يرى الدكتور جمال حمّاد أن المجتمع المصري يشهد انحداراً
ويري حمّاد أن المجتمع المصري خلال ربع قرن شهد تدهوراً اجتماعياً كبيراً على مستويات مختلفة، فضلاً عن أن النوازع المتعلقة بالاستهلاك أوجدت ما يعرف بالاغتراب العقلي لدى أفراد المجتمع، وانفصال كثير من أفراده عن واقع المجتمع المصري، وعن أزماته الاقتصادية.
ويستكمل: "ظهرت فئات كثيرة في المجتمع لديها قدرات مالية كبيرة، من دون أن تمتلك ثقافة تُرَشد إنفاقها".
في الأخير، يرى أستاذ علم الاجتماع أهمية الاحتفال بالمناسبات الاجتماعية، لكن من دون تبذير، كما يمكن أن تكون هذه المناسبات فرصة للتكافل الاجتماعي أيضاً، بإطعام الفقراء على سبيل المثال، بدلاً من الاهتمام بالشكليات.
نبض