11-08-2022 | 05:40

"نحر البحر" يتزايد... أطماع المستثمرين تعبث بسواحل مصر الشمالية

التوسع العمراني الكبير، وما يصحبه من تهيئة لشواطئ البحر، وإقامة إنشاءات عليها، أزاح الستار أخيراً عن أزمة بيئية خطيرة، عُرفت إعلامياً باسم "نحر البحر"
"نحر البحر" يتزايد... أطماع المستثمرين تعبث بسواحل مصر الشمالية
Smaller Bigger

 

يزخر ساحل مصر الشمالي، بمنتجعات وقرى سياحية بديعة، تُعدّ مقصد الموسرين، ومادة لتندر أبناء الطبقة الوسطى على المنصّات الاجتماعية، بسبب ارتفاع أسعار الوحدات السكنية هناك، التي جاوز قيمة بعضها 100 مليون جنيه مصري (قرابة 5 ملايين دولار أميركي) للواحدة منها، وهو ما جعل هذه المنطقة وجهة المستثمرين الأثيرة، بغية تحقيق عوائد ضخمة من التوسع العمراني.

 

هذا التوسع العمراني الكبير، وما يصحبه من تجهيز لشواطئ البحر، وإقامة إنشاءات عليها، أزاح الستار أخيراً عن أزمة بيئية خطيرة، عُرفت إعلامياً باسم "نحر البحر"، وهو المصطلح الذي يشير إلى ظاهرة "تآكل السواحل" أو "التعرية البحرية".

 

وفي الآونة الأخيرة، ظهرت آثار "نحر البحر" جليةً، في شواطئ منطقة سيدي عبد الرحمن بالساحل الشمالي، بعدما ظهرت الصخور على الشواطئ، ما دفع سكانها إلى بث شكواهم عبر المنصّات الاجتماعية ووسائل إعلام محلية، متهمين إحدى الشركات بالتسبب في تآكل الشواطئ، ما دعا وزارة البيئة المصرية إلى وقف المشروع الذي تقوم الشركة ببنائه.

 

 

وتحدث ظاهرة "التعرية البحرية" في الأصل، بشكل طبيعي، تأثراً بالمد والجزر والأمواج القوية وارتفاع مستوى سطح البحر، ما يؤدي إلى تآكل أو نقل الصخور أو التربة أو الرمال على طول الساحل، وحدوث الظاهرة في حد ذاتها لا يشكل خطراً، لكن الخطورة الحقيقية تكمن في التدخل البشري، الذي يضرب عملية التوازن البيئي، ومن هنا تظهر المشكلات.

 

ماذا يحدث؟

في بداية حديثه، استفاض مستشار الأزمات البيئية بجهاز شؤون البيئة في وزارة البيئة المصرية المهندس أحمد شتا، في شرح تفصيلي لظاهرة "تعرية السواحل"، إذ يقول لـ"النهار العربي": "إنها ظاهرة طبيعية، تحدث بسبب التيارات الساحلية، التي تسبب تآكل الشواطئ في بعض المناطق، ويقابل التآكل، الترسيب في مناطق الأخرى، وتعتمد نتائج هذه الظاهرة على طبيعة المناطق المتأثرة، وقوة التيارات الساحلية واتجاهاتها".

 

 ولتبسيط ارتباط ظاهرة "نحر البحر" بالتدخل البشري، يشير شتا إلى الآثار السلبية التي شهدتها سواحل منطقة الدلتا بعد بناء السد العالي، فيقول: "شواطئ الدلتا كانت معرضة دوماً لعملية النحر، وفي المقابل كانت تحدث عملية ترسيب من طمي النيل، الذي يأتي من مصبي فرعي النهر، دمياط ورشيد، قبل بناء السد العالي".

 

 ويتابع: "بسبب اختفاء طمي نهر النيل بعد بناء السد العالي، انحسرت عملية الترسيب، وفي المقابل ازدادت عملية "النحر" في سواحل الدلتا"، مشيراً إلى مدينة رأس البر، التي تآكلت شواطئها، فيقول: "من يعرف هذه المدينة قديماً، يستطيع ملاحظة التغيّر الذي طرأ عليها، فثمة مناطق من اليابسة، التهمها البحر، الذي يزحف الآن نحو العشش القديمة، التي بُنيت على الشاطئ منذ عشرات السنين".

 
تتميز سواحل مصر الشمالية بسحر خاص

 

من الجاني؟

ما حدث في شواطئ الدلتا من زيادة وتيرة "نحر البحر"، يحدث الآن في الإسكندرية، وامتد إلى قرى الساحل الشمالي في الطريق إلى مدينة مرسى مطروح، التي تضررت بشكل واسع، في وقت تشير أصابع الاتهام إلى المستثمرين، فكيف توحشت هذه الظاهرة الطبيعية إلى هذا الحد؟

 

يجيب مستشار الأزمات البيئية بجهاز شؤون البيئة، فيقول: "ما يحدث ببساطة أن ثمة أيادي تمددت إلى السواحل لتغير طبيعتها، وهو ما يؤدي إلى تفاقم آثار الظاهرة، فعلى سبيل المثال، نجد أن من يبني قرية سياحية، يقوم بتغيير طبيعة الشواطئ الصخرية، بإضافة أحد أنواع الرمال الناعمة، لتصير شواطئ صالحة للسباحة، هذه الرمال تتأثر بالتيارات الساحلية، وتتآكل، لتترسب في مناطق أخرى".

 

ويضيف شتا: "في حالة بناء حواجز أمواج للحماية من عملية نحر البحر في هذه القرى، قد يتسبب الأمر في كارثة أكبر، لأن الحواجز تُغير اتجاه التيارات الساحلية، ليحدث النحر في النهاية بمنطقة أخرى، وعندما يقوم المستثمرون ببناء حواجز أو أي إنشاءات من دون دراسة علمية، أو مراعاة للمصلحة العامة، نصبح مع الأسف أمام فوضى تتسبب في مشكلات عدة".

 

الأثر البيئي

يقول الخبير البيئي: "ثمة جهة رسمية تدير هذا الملف برمته، وهي الهيئة المصرية لحماية الشواطئ، التي من المفترض أن تمنح التصاريح لأي مشروع يقام على سواحل البلاد، بالمشاركة مع لجنة عليا، تضم عدداً من الجهات الحكومية، من بينها وزارة البيئة".

 

ويردف: "من بين متطلبات استيفاء أوراق المشروع، إعداد دراسة تقييم الأثر البيئي، التي تحدد تأثيرات المشروع سلباً أو إيجاباً على البيئة المحيطة. هذه الدراسات يتم إعدادها بالفعل، لكن قد يحدث بعض الانحراف عن المسار أثناء تنفيذ المشاريع".

 

بينما يتم "نحر الساحل" في منطقة تحدث ترسبات في أخرى ما يكلف الدولة مبالغة باهظة
 

يشير الخبير المصري إلى أنّ "الأضرار لا تتوقف فقط عند نحر الشواطئ، فقد يمتد الضرر إلى حدوث الترسيب في مواقع مهمة، مثل مداخل الموانئ، أو عند مداخل بواغيز البحيرات (جسم مائي ضيّق)، ما يؤدي لانسدادها، ومن ثم تتحمل الدولة أعباء مالية ضخمة، نتيجة عمليات التكريك والتطهير".

 

وعن الحلول المطروحة، يقول شتا: "هناك أهمية لرفع الوعي لدى المواطنين والمستثمرين، بالأضرار التي يمكن أن تسببها الإنشاءات وتغيير طبيعة السواحل، فعلى سبيل المثال، ثمة شواطئ تكون مناسبة للغطس، يجب ألا تتغير أبداً لتصبح مناسبة للسباحة".

 

ويلفت إلى "ضرورة التشديد على مستوى الرقابة، وتطبيق القانون على المخالفين، وضرورة دراسة موقف الإزالات، كون أنّ إزالة بعض المخالفات، قد يكون أكثر ضرراً من إبقائها".

 

قانون جديد

خلال العام الأخير، صار في مصر وضع قانوني جديد يلقي بظلاله على أزمة السواحل، بعد صدور تشريع الموارد البيئية والري، رقم 147 لسنة 2021، الذي حظر إجراء أي عمل يؤثر على طبيعة الشاطئ، أو يعدل من مساره، دخولاً في مياه البحر أو انحساراً عنه، إلا بعد موافقة وزارة الري والموارد المائية، وبناءً على توصية من اللجنة العليا المختصة.

 

كما حظر التشريع، إقامة أي منشآت على الشواطئ البحرية، لمسافة لا تقل عن 200 متر من الشاطئ إلا بعد موافقة الوزارة، وغلظ عقوبة المخالفة إلى الحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر، وبغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه، ولا تزيد على 500 ألف جنيه.

 

لا تزال الشواطئ الساحرة بانتظار تفعيل القانون الجديد لحمايتها
 

تواصل "النهار العربي" مع مسؤول رفيع في الهيئة المصرية لحماية الشواطئ، للتعليق على المخالفات الحالية المرتبطة بـ"نحر البحر"، ومدى وجود دراسات تتعلق بها، وكيف يتم تفعيل القانون، لكنه أفاد بأنه لا يدلي بتصريحات لوسائل الإعلام.

 

وفي مقابل هذه الحالة من الصمت الرسمي لا يزال الجميع ينتظرون تفعيل مواد القانون الجديد، والكشف عن طبيعة المخالفات، حماية لمقدرات البلاد الطبيعية من عبث العابثين.

 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/11/2026 12:45:00 PM
قوة الدولار وارتفاع الذهب معاً "دليل على قلق عالمي".
ايران 4/12/2026 6:50:00 AM
وزير الخارجية الباكستاني يدعو الولايات المتحدة وإيران إلى مواصلة الالتزام بوقف إطلاق النار
تحقيقات 4/12/2026 9:22:00 AM
تتعامل وزارة الصحة مع هذا الملف بتكتم شديد وعدم الإفصاح عن أرقام الجثث المجهولة الهوية. فالقضية معقّدة، تتداخل فيها صلاحيات جهات عدة.