"تمر على 7 فاطمات"... مسلسل "بالطو" يفتح ملف عمل الأطبّاء في الأرياف
منذ بداية عرضه قبل أسابيع، أثار المسلسل المصري "بالطو" الجدل في مصر، بسبب تناوله مأساة طبيب في قالب كوميدي، أضاء النور على مواقف قد تبدو شبيهة لما تعرض لها بطل المسلسل الطبيب "عاطف"، اسم البطل، وهو أيضاً المؤلف الطبيب أحمد عاطف الذي كان ينقل مواقف بعضها حدث معه شخصياً، خلال عمله كطبيب في حوادث المسلسل.
مواقف مشابهة وغيرها تناولتها الأعمال الأدبية سابقاً، مثل "يوميات نائب في الأرياف" لتوفيق الحكيم، و"يوميات طبيب في الأرياف" لمحمد الأبحر، ورواية "طبيب أرياف" لمحمد المنسي قنديل، و"مذكرات طبيب في صعيد مصر الجواني" للدكتور نبيل فاروق وغيرها.
يوميّات طبيب في الأرياف
تحدثنا مع عدد من الأطباء عن مواقف تعرضوا لها خلال عملهم في مناطق غير حضرية، وبعيدة من المدن، ومنهم الطبيب "خ.م" الذي أشار إلى أن ما يعرضه المسلسل من حوادث حول يوميات الطبيب عاطف، "هي جزء من الحقيقة".
يقول الطبيب الذي قضى امتيازه في إحدى قرى محافظة الدقهلية لـ"النهار العربي" إنه تعرض هو أيضاً للتحقيق في أول يوم استلامه للعمل، بسبب خطأ أحد الموظفين، وحينما اعترض على الأمر قيل له إنه المسؤول ولا بد من أن يتحمل مسؤوليته، كما أنه يقضي إحدى النوبات في وحدة صحية، والنوبة التالية يقضيها في وحدة أخرى تبتعد منها حوالي ساعة بالسيارة، هذا إن وجد سيارة، في مشهد يشبه ما حدث مع "عاطف"، حيث كان يتنقل بين سيارات عدة ليصل إلى وجهته.
أما عن المواقف التي تعرض لها، فيقول: "جاء إليّ رجل مسن، يعاني عدوى مزمنة في قدمه، فقمت بتوجيهه لطبيب جراحة، لأنها تتطلب البتر، لكنه أخبرني أنه بالفعل ذهب إلى عيادة متخصصة في الجامعة، وقرروا بتر قدمه، لكنه لم يقتنع، وجاء إليّ لأعالجها بمرهم مضاد حيوي".
ويروي قصة كذلك عن اختلاف المصطلحات، ففي أحد الأيام جاءته مريضة تطلب "جهازاً"، فتصور أنها تعني جهاز استنشاق، فقالت له "لا"، وحينما استفسر عن الأمر، عرف أن هذا الجهاز تقصد به محلول ملح في الوريد، وعندما أخبرها أنها ليست بحاجة إلى ذلك، تدخل زوجها متسائلاً بتعجب: "هل أنت طبيب؟!"، وحينما عرف أنه طبيب، رفض العلاج وغادر هو وزوجته.
ويحكي الطبيب موقفاً آخر عندما كان أحد المرضى يشتكي من صداع، فوصف له عقار "باراسيتامول"، فهاج وماج لأنه يعتقد أن "البروفين" هو الذي سيعالجه، وبعد فترة من الجدال كتبه "خ.م"، لكن لم يجده المريض في الصيدلية، وعندئذ ثار الثورة ذاتها مرة أخرى، وفي النهاية رضخ للأمر وأخذ "الباراسيتامول".
وعن سكن الأطباء الذي فوجئ مشاهدو المسلسل بأنه لا يحتوى على شيء سوى "مرتبة" تفترش الأرض، فيقول الطيب "خ.م": "ما وجده عاطف (بطل المسلسل)، هو أرحم مما حدث معي، لم أجد سكناً للأطباء من الأساس، وبعد 6 أشهر، فوجئت بأن المكان المخصص لسكن الأطباء، تحول إلى غرفة إدارية".
العلاج من أجل الدّجاج
أما الطبيبة دعاء حسيني التي قضت فترة عمل في إحدى القرى، فتحكي لـ"النهار العربي" أنها في إحدى المرات كان يزورها مريض باستمرار، ويشترى تذاكر كشف لأطفاله الخمسة، وهم غير موجودين، ويدّعي إصابتهم بنزلة معوية حادة، وهم راقدون في السرير، مع ابتزاز عاطفي لها باعتبارهم أطفالاً ولا يستطيعون المجيء، كما أنه كان يطلب أدوية بعينها مثل "فلاجيل" أو "سالفوزنك" محاليل معالجة جفاف، وغيرها.
ظل المريض يقوم بهذا الأمر لمرات متتالية عدة، على مدار أسابيع، وذات مرة أصرت الطبيبة على أن ترى الأطفال، ولن تكتب أدوية لهم دون رؤيتهم، وفي مرة جلب أحد أطفاله معه، وكان سليماً، ولم يكن يشكو من شيء، وفي النهاية اكتشفت أنه يربي بطاً ودجاجاً فوق سطح منزله، ويستخدم هذا العلاج بطحنه وإذابته في الماء لتشربه الدواجن من أجل تسمينها وزيادة وزنها وحجمها.
ومن اختلافات الثقافات التي تعرضت لها دعاء أنها في إحدى المرات زارتها مريضة تشكو من أن ابنتها تقوم بحك "سُفرتها"، ولم تفهم الطبيبة الأمر، لكنها حينما قالت إنها تعاني من "ديدان" في البطن، فهمت أن المقصود بهذه الكلمة هي "المؤخرة". ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل أبلغتها والدة المريضة أنها كانت تعالج ابنتها بالثوم، فتضع لها أحد فصوصه حيث كانت تعتقد أنه المكان الأنسب لتشفى.
وترى الدكتورة دعاء أن المسلسل التلفزيوني جيد، وينقل صورة مشابهة لما يحدث مع الأطباء، لكن أحياناً ما يقابله الأطباء يكون "أسوأ" من ذلك، خاصة من يعمل في المحافظات الحدودية التي تكون مواصلاتها شبه مستحيلة، وسكن الأطباء مليء بالأبراص والثعابين، كما أن ما يجري بالمسلسل لا يحدث كل يوم، ولا مع كل الأطباء.
وضع مختلف للطّبيبات
للطبيبات وضع مختلف حينما يعملن في قرية، فمثلاً ميريهان فؤاد كانت تعمل صيدلانية قبل أن تقرر اعتزال المهنة نهائياً، كان ذلك بعد فترة عمل قضتها في قرية "بسيون"، إحدى قرى محافظة الغربية، وهناك كان من الغريب أن لا يتم مناداتها بدكتورة، بل بـ"ولية"، وهو لفظ شعبي دارج يقال للنساء دون صفة لهن، وأحياناً يُستخدم للإهانة.
أما الدكتورة هالة سمير التي قضت فترة الامتياز في قرية "أبو بلح" بمحافظة الإسماعيلية، فحينما تسلمت العمل كان اليوم الأول لها غريباً، حيث وجدت أنها كان من الضروري أن تعبر 3 "صال"، و"الصال" هو جسر يربط جانبي القرية، مصنوع بأيدي الأهالي من الطين والخشب ممزوجاً بمخلفات البهائم، وفي خلال عبورها لـ"الصال" في إحدى المرات، وجدت أطفالاً يعومون في الترعة عرايا، وكانوا يهزون الصال بقوة، حتى كادت تسقط.
"تمر على 7 فَاطمات"
أغرب ما حدث مع الدكتورة هالة، وفق روايتها، كان حينما جاءتها أمّ بطفلتها المريضة التي تشكو مرضاً جلدياً، بعدما يئست من أن تُشفى، عقب استخدامها وصفة قيلت لها، وهي "تمر على 7 فاطمات". وتعتمد هذه الوصفة الشعبية على أن ترى 7 نساء باسم فاطمة التمر قبل أن تتناوله الفتاة، وحينما لم تفلح تلك الطريقة لجأت للوحدة الصحية التي عالجت الفتاة.
ومن المآسي التي تعرضت لها الطبيبة، أنها اتفقت مع إحدى الفلاحات على طبخ طعام مخصص لها، لكنها أصيبت بعدوى التيفود بسبب هذا الطعام.
أما الدكتورة منى - اسم مستعار - فكانت تُلقب بـ"الدكتورة أم بنطلون"، كناية عن أنها كانت دوماً ترتدي البنطال، وفي أحد الأيام انتُدبت لتكون ضمن حملة تطعيمات في منطقة بعيدة جداً، لم يكن فيها أي مواصلات، وفي مشهد يكاد يشبه ما حدث مع بطل "بالطو"، ظلت تتنقل مستقلة الموتوسيكل من مكان لآخر، وفي هذا اليوم أمطرت السماء، وأصبح الطين طبقات فوق بعضها البعض، ولم تجد حلاً سوى أن تركب عربة يجرها حمار يكافح من أجل السير وسط الطين، وأخيراً وصلت إلى منطقة فيها شارع مرصوف.
أما الدكتورة نورهان ماهر التي عملت في قرية بمحافظة الدقهلية، فقد تسبب اختلاف اللهجات معها في حدوث موقف طريف، حيث اشتكت إليها إحدى الفتيات أن والدها "يتمشّى"، فقالت لها "هذا أمر طبيعي كلنا نمشي، ونحب المشي، وهو شيء صحي"، فأخبرتها الفتاة أن "تمشية" العجائز مختلفة، وتساءلت: هل تعلم الطبيبة من الأساس معنى التمشية؟ وضحكت الفتاة، ولم تفهم نورهان إلا حينما أخبرتها الممرضة أن "التمشية" تعني الإصابة بالإسهال.
نبض