تناقضات البرهان وحميدتي حيال الاتفاق الإطاري... المكوّن العسكري السوداني منقسم؟
يطلق عدد من قيادات المكون العسكري في السودان تصريحات متضاربة وآراء تحمل مدلولات متباينة حيال الاتفاق الإطاري الموقع بينهم وبين مجموعة المدنيين الذين تمثلهم "قوى الحرية والتغيير" (المجلس المركزي) والذي يفضي إلى تسليم السلطة للمدنيين.
يطلق عدد من قيادات المكون العسكري في السودان تصريحات متضاربة وآراء تحمل مدلولات متباينة، حيال الاتفاق الإطاري الموقع بينهم وبين مجموعة المدنيين الذين تمثلهم "قوى الحرية والتغيير" (المجلس المركزي) والذي يفضي إلى تسليم السلطة للمدنيين.
تضارب التصريحات سبّب إرباكاً وجدلاً بشأن نية العسكريين المضي في طريق الانسحاب من المشهد، وكذلك المخاوف من نشوب صراع بين قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان ونائبه قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ربما يؤدي الى مواجهة لا يحتملها الوضع الهشّ للسودان.
ففي خلال جولته في ولاية نهر النيل نهاية الأسبوع الماضي نفى البرهان أن يكون الجيش يخطط للانقلاب على الاتفاق الإطاري، لكنه عاد وقال في محطة ثانية من الزيارة نفسها إن "الجيش لا يريد أن يمضي في الاتفاق الإطاري مع جهة واحدة، بل يريد مشاركة الجميع في تنفيذه". وهو ما عدّه مراقبون عودة إلى ما ظل ينادي به البرهان من توسيع قاعدة المشاركة لتشمل عدداً من الأحزاب والكيانات تراها "قوى الحرية والتغيير" واجهات أخرى لـ"حزب المؤتمر الوطني" المحلول.

البرهان وحميدتي. (أرشيف)
وفي ولاية جنوب كردفان قلل عضو مجلس السيادة شمس الدين الكباشي من شأن الموقعين على الاتفاق الإطاري، وأوضح أن القوى الموقعة عليه ليست كافية للتوقيع النهائي معها، وقال: "لن نوقع على دستور كتبه 10 أشخاص". وألمح إلى خيار نكوص القوات المسلحة عن المضي في الاتفاق السياسي حين أضاف: "هناك ظروف دعت القوات المسلحة لتكون جزءاً من الحوار، لكنها لن تمضي فيه إذا لم تأتِ قوى أخرى معقولة ومقبولة"، وهذا الحديث يصفه مراقبون بأنه يمثل انحرافاً كبيراً عن موقف المكون العسكري من الاتفاق الإطاري.
"لا رجعة للخلف"
لكن جاء الرد سريعاً من دقلو، نائب رئيس مجلس السيادة وقائد قوات الدعم السريع، في خطاب شعبي في منطقة بحري شمال الخرطوم الثلثاء، حين أكد التمسك بالاتفاق الإطاري ووصفه بأنه "المخرج الوحيد لحل مشكلات البلاد". وقطع بأنه "لا رجعة للخلف عن الاتفاق الإطاري وعلينا الاستمرار وتنفيذه لأنه سيوفر الدعم المالي الدولي للبلاد".
وغمز دقلو من قناة حديث الكباشي بقوله: "من وقّعنا معهم معروفون وجئنا كمكوّن عسكري ووقّعنا، ونحن لسنا منافقين ولا ننقض العهود"، وقال: "لا نعرف سوى الاتفاق الإطاري مبادرة لحل الأزمة"، ما وصفه البعض بأنه إشارة إلى ورشة القاهرة قبل أيام والتي ضمت قوى سياسية مناوئة للاتفاق الإطاري، ويرى مراقبون أنها تحظى بدعم البرهان لخلق منصة موازية للاتفاق.
انتقادات حزبية
وهاجم حزب "المؤتمر الشعبي"، إحدى القوى الموقعة على الاتفاق الإطاري، تصريحات البرهان وكباشي ووصفها بـ"غير المسؤولة ولا تمثل رجال دولة".
وقالت الأمينة العامة المكلفة للحزب نوال الخضر لصحف محلية إن "تصريحات البرهان وكباشي تعتبر مضيعة للوقت، ولا تمثل حديث رجال دولة" وتابعت: "لا داعي لمثل هذه التصريحات، لأنهما أصحاب قرار في هذه البلاد". ولفتت إلى أن "أطراف العملية السياسية والاتفاق الإطاري لا يتعاملون مع التصريحات بل مع الاتفاق، لأنه ملزم شرعاً، لذلك حديث البرهان عن النكوص عنه يوصف بغير المسؤول".
ووجه القيادي في "قوى الحرية والتغيير" ابراهيم الشيخ انتقادات عنيفة للبرهان وكباشي رداً على تصريحاتهما الأخيرة، ودعا الشيخ في تدوينة له على "فايسبوك" كلاً من البرهان وكباشي إلى تكملة الاتفاق الإطاري حتى الانتخابات.
وقال الشيخ إنه ليست ثمة عودة بالبلاد إلى ما وصفه "أيام حكم العسكر والإخوان والاستبداد والفساد". وأضاف أن سكرة الجماهير والحشود انتهت "بالكيزان هائمين على وجوههم"، مختتماً تدوينته بـ"العاقل من اتعظ بمصيرهم".
"ليس جديداً"
ويرى الكاتب والمحلل السياسي معتز نور الدين أن الخلاف بين رئيس مجلس السيادة ونائبه ليس جديداً، لكنه ظهر الآن بوضوح في موقفيهما حيال الاتفاق الإطاري، حيث ظهر بوضوح وقوف دقلو بقوة مع الالتزام به وتنفيذه، عكس البرهان الذي بدا متذبذباً في موقفه منه، والكباشي يعد امتداداً للبرهان.
وقال نور الدين لـ"النهار العربي" إن "البرهان وكباشي تنظر إليهما قوى الثورة كامتداد للنظام السابق لكونهما كانا ضمن لجنة البشير الأمنية التي كونها الرئيس المعزول قبل فترة وجيزة من سقوطه، لذا فكل ما يصرحان به يتم تصنيفه كتراجع عن خط الثورة في محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، بخاصة بعد انقلاب الخامس والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر) 2021 والذي تلاه الانقضاض على مكتسبات الثورة، وإعادة منسوبي النظام السابق الى الخدمة المدنية وإعادة الأموال التي جمدتها لجنة إزالة تمكين نظام البشير".

الاحتجاجات لا تهدأ في السودان. (أ ف ب)
وأضاف نور الدين: "رغم أن الفريق دقلو كان ضمن منفذي الانقلاب بوصفه نائباً لرئيس مجلس السيادة، إلا أن عودته الى الواجهة جاءت متأخرة بعد أسابيع من الانقلاب عندما ظهر في كلمة مقتضبة عما وصفت حينها بأنها إجراءات تصحيحية وليست انقلاباً، وهو أول من عاد ووصفه بالانقلاب وأكد فشله لأنه لم يحقق ما تم الاتفاق عليه من توسيع لقاعدة المشاركة، وعاد في تصريحاته الأخيرة ليجدد وصف ما حصل بالفاشل متهماً جهات لم يسمها بأنها انحرفت عما تم الاتفاق عليه وفتحت الباب لعودة الفلول".
وذكر نور الدين بأنه "من قبل انتقد دقلو ما يتعرض له المتظاهرون المنادون بالدولة المدنية من قمع وقتل، في حين تفتح السلطات الطرق، بل تحمي تظاهرات الفلول التي تنادي بدعم المجلس العسكري، وحملت دوماً تصريحاته التحذير من عودة فلول النظام السابق بالتساهل معهم، وأيضاً له تصريحات تتهم جهات لم يسمها لكن كانت واضحة لمن يتابعون المشهد السياسي، بأن هذه الجهات قامت بقتل المعتصمين وحاولت إلصاق التهمة بقوات الدعم السريع التي يقودها".
خلافات "خارجية"
واعتبر أن "الخلاف لم يكن عبر هذه التصريحات وحدها، ففي الشهر الماضي تصاعد الخلاف بين الرئيس ونائبه حينما صرح دقلو بأن هناك قوة يقودها نافذون سودانيون حاولت القيام بانقلاب في دولة أفريقيا الوسطى بزيّ قوات الدعم السريع، وكذلك ما تم حين زار الفريق البرهان الشهر الماضي دولة تشاد، تبعها نائبه الأول في اليوم التالي للبلد نفسه، ما طرح تساؤلاً بشأن هذا الانقسام، حتى في ما يتعلق بعلاقات السودان الخارجية، وقد صرح دقلو أيضاً الأسبوع الماضي أن لا علم له بزيارة وزير الخارجية الإسرائيلي للخرطوم، ما يوضح تباعد مواقف الرجلين وربما اختلاف رؤيتيهما".
ويرى مراقبون أن هذا التباين الواضح في اتجاهات الرجلين في القضايا الداخلية، بل حتى الخارجية، له تبعات لا تحمد عقباها على استقرار البلاد، ويخشون من تطور هذا الصراع المكتوم الى مواجهة مسلحة، لا سيما أن الرجلين يتوليان قيادة قوتين تملكان إمكانات عسكرية كبيرة. ورغم أن الرجلين أكدا في مناسبات مختلفة أن "الدعم السريع" يتبع للجيش، بدا أخيراً أن القوتين منفصلتان ولكل منهما رؤيتها حتى إشعار آخر.
وبحسب مراقبين، فإن تمسك دقلو بالاتفاق الإطاري يعد خطوة مهمة له في إطار تقديم نفسه كسياسي ربما سيملك حظوظاً مستقبلاً في المشاركة بالانتخابات المحددة عقب نهاية الفترة الانتقالية، خلافاً لما سيحدث إذا تم التملص من الاتفاق الإطاري، ما يعجل بإعلان الجيش قيام انتخابات مبكرة يكون المستفيد منها فلول النظام السابق بواجهات جديدة عبر انتخابات سريعة، ربما تشكل بداية المواجهة المباشرة بين من سيأتون للحكم من منسوبي النظام السابق، وقائد الدعم السريع، الذي يلومونه على انحيازه الى الثورة في نيسان (أبريل) 2019 وزجه بالبشير في السجن.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
10/18/2026 8:15:00 AM
بحسب الصيغة المتداولة، يُقترح رفع المبلغ الشهري للمستفيدين من التعميم 158 من 1,000 إلى 1,200 دولار، وللمستفيدين من التعميم 166 من 500 إلى 600 دولار.
لبنان
10/18/2026 11:37:00 AM
مصدر عسكري إسرائيلي لـ"معاريف": إيران تقف وراء دوامة التصعيد وخلق التوتر الإقليمي، ونحن مضطرون إلى رفع حالة التأهّب
لبنان
10/18/2026 7:00:00 AM
توقيف غامض ونقل إلى سوريا وروايات متناقضة تضع الدولة أمام مسؤولية كشف ما جرى، وسط مخاوف أمنية وديبلوماسية.
سياسة
10/18/2026 7:30:00 AM
تؤكد المعطيات أن ملكية مستودع الأدوية في غاليري سمعان تعود إلى شخصَين أحدهما من الطائفة الشيعية والآخر من الطائفة المسيحية
نبض