القاهرة ... المدينة الساحرة التي أثرَت البشرية هي أكثر المدن تنوعاً ثقافياً وحضارياً، تشهد في السنوات الأخيرة عمليات تطوير ملحوظة، رصدت لها الدولة مليارات الجنيهات.
وتُعد القاهرة أكبر عاصمة عربية، وواحدة من أكبر مدن العالم، وتحتل المركز الثاني أفريقياً، والسابع عشر عالمياً من حيث التعداد السكاني. يبلغ عدد سكانها 20.132.750 نسمة حسب إحصاءات سنة 2021، يمثلون 20 في المئة من إجمالي تعداد سكان مصر الذي يبلغ قرابة 100 مليون نسمة.
شهدت القاهرة على مر السنوات تغيّرات سياسية عدة ساهمت في تغيير سلوكيات المصريين تأثراً بالأنظمة التي توالت على حكم مصر.
فثقافة القاهرة تأثرت بكونها العاصمة، وتشكل مركزية الدولة، في الفكر والفن والثقافة، وهو الأمر الذي شجع النزوح إليها من الوجه البحري والصعيد، وأدى إلى انصهار ثقافات المجتمع المختلفة.
لقد تغيّرت القاهرة كثيراً اليوم ... يقود هذا التغيير رأس المال، وحركته وسياساته، فالمال غيّر الناس، أفقرهم وأغناهم، وأعاد توزيع الثروة، ورسم الحدود الجغرافية والخطوط الهندسية للمدينة وشوارعها وأبنيتها ومسارات حركتها.
نرى ذلك جلياً من خلال الحركة العمرانية الطبقية، وانتقال الناس من طبقة إلى أخرى، صعوداً ونزولاً مع الانفتاح الاقتصادي.
ومع استمرار توسّع القاهرة وتمددها من دون توقف، تتعرض هذه الثقافة المتنوعة التي خلقها السكان بانتماءاتهم وطبقاتهم المختلفة، للتحوّر، ومع اكتظاظ العاصمة واختناقها، أصبح كل شيء مختلفاً، ما بين العشوائية، ومنتجعات الترف.
خلخلة العاصمة!
الكثافة السكانية تزداد في العاصمة المصرية في شكل متواصل، والامتدادات تمت بصورة لا إرادية، هكذا علّق محمد إبراهيم جبر، وهو أستاذ التخطيط العمراني بجامعة عين شمس بشأن ما تشهده القاهرة.
وقال جبر في حديث لـ"النهار العربي" إن "الحكومة تسعى لخلخلة العاصمة، وليس التوسعة. تعداد العاصمة تجاوز 20 مليون نسمة، وكان من الطبيعي أن تقوم الدولة بإعادة توزيع السكان أو ما نسميه "الخلخلة".
وأضاف أن "العشوائيات، والتعديات، وتخوم منطقة المرج وعزبة النخل على سبيل المثال، كانت امتدادات لأراضٍ زراعية طبيعية تحولت إلى عشوائيات. الصورة الحضارية الوحيدة للتوسع العمراني في القاهرة تمت تحت إشراف الدولة في القاهرة الجديدة، والعاصمة الإدارية الجديدة، التي أسسها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي."
الحراك المجتمعي
ويرى أستاذ التخطيط العمراني أن "التمايز بين الطبقات الاجتماعية في القاهرة مرتبط بالحراك المجتمعي، والجموح، فالجميع يطمحون للصعود إلى الطبقات الأعلى".
ويقول جبر: "هناك حراك غير منظور يتم بين كل الطبقات، كل طبقة أو فئة اجتماعية تستشعر بأن هناك طبقة أخرى اقتربت منها، فتحاول أن تبتعد، لذلك نشأت المجتمعات خلف الأسوار ... الطبقة الراقية تجنح عادة لنوع من أنواع الخصوصية."
وبحسب آخر إحصاء للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يبلغ عدد المناطق العشوائية أو غير المخططة في مصر نحو 221 مدينة من إجمالي 249 مدينة، ويبلغ إجمالي مساحتها 161 ألف فدان وتمثل نحو 40 في المئة من المساحة العمرانية في مصر.
أما عدد سكان المناطق العشوائية، فيقدر بنحو 22 مليون مواطن، بينهم نحو 850 ألفاً يسكنون العشوائيات الأكثر خطراً. وتبلغ الموازنة المرصودة للتطوير والقضاء على العشوائيات غير الآمنة وتطوير ما يمكن تطويره في العشوائيات الأخرى نحو 17 مليار جنيه مصري (ما يناهز مليار دولار أميركي).
حياة كريمة
في مستهل عام 2019 دعا الرئيس عبدالفتاح السيسي مؤسسات وأجهزة الدولة بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني لتوحيد الجهود في ما بينهم، والتنسيق المُشترك لإطلاق مبادرة وطنية على مستوى الدولة لتوفير حياة كريمة للفئات المجتمعية الأكثر احتياجاً، وخصصت الحكومة 103 مليارات جنيه لمبادرة "حياة كريمة" لغير القادرين، وتطوير القرى الأكثر حاجة، وتوفير كل المرافق والخدمات الصحية والتعليمية والأنشطة الرياضية والثقافية.
وبحسب جبر، فإنه "خلال حقب زمنية مختلفة تم إهمال الريف وإهدار موارده والتقصير وعدم الاهتمام بالتنمية، وبالتالي عانى الكثير من مدن المحافظات والمراكز التابعة لها والمناطق الزراعية، وساعد في هذا الموضوع عملية النزوح إلى مدينة القاهرة".
وأوضح أستاذ التخطيط العمراني، "رغم أن هذا لم يكن مقصوداً، لكنه خلق التغيّرات الديموغرافية، فاليوم تجمع القاهرة كل فئات الشعب المصري من المدن والقرى كافة ... نحن أمام ظاهرة اجتماعية غير مسبوقة، ونحتاج إلى مزيد من الدراسات والتحليل، ومزيد من السعي لتطوير القرى، وهو ما يفعله السيسي حالياً".
رأس المال
وبينما يرى جبر أن الحل يكمن في إعادة توزيع السكان وبناء وتشييد المدن الجديدة، تنادي أستاذة علم النفس الاجتماعي، سوسن الفايد، ببرنامج ثقافي لمعالجة الفجوات بين الناس في التجمعات داخل العاصمة، وتقول: "هناك محكّات تجمع بين ناس مختلفين، الصوت الأعلى فيها لرأس المال..."
وتشير الفايد إلى أن "هناك وعياً وإدراكاً كبيرين من رأس الدولة، وقد وضع الرئيس في أجندته رفع مستوى الثقافة في الريف والعاصمة".
وتقول أستاذة علم النفس الاجتماعي لـ"النهار العربي": "إن الدولة تجتهد الآن في رفع المستوى العمراني، وهذا يترتب عليه ارتقاء للفكر والسلوك".
تطوير العشوائيات
أشارت الفايد إلى أنه "عندما تم نقل بعض سكان العشوائيات إلى حي الأسمرات، اعترضوا وعجزوا عن الارتقاء بثقافتهم، فبدأوا بتدمير مقدرات الدولة التي منحتها لهم. كان يجب أن تكون هناك برامج ثقافية مع النقلة العمرانية الجديدة، وهذه مسؤولية الثقافة".
لم تخف الفايد قلقها، وقالت: "هناك نوع من الانسلاخ والنزوح من بعض طبقات المجتمع ذات المستويات الأعلى نحو (الكومباوندات) أو المدن المسوّرة. لقد هربوا من التدني الثقافي والسلوك السيّئ، والفكر العشوائي، خرجوا من القاهرة التي أخذت في التدهور والتي قد تتحول مع مرور الوقت إلى منطقة عشوائية، ومن يتمسك بالبقاء فيها سيصبح غير مؤهل للترقي الثقافي والتحضر".
"العاصمة الجديدة"
وأضافت استاذة علم النفس الاجتماعي أن "النظام يؤسس للعاصمة الإدارية الجديدة، وينتقي جهازاً إدارياً أفضل، وشخصيات مميزة. من يسكن هناك هم الصفوة فكرياً وسلوكياً وعلمياً وثقافياً."
وحذرت الفايد من "التخلف الثقافي المستمر" ورأت أن "من المفترض أن يسود مناخ ثقافي يرتقي بالجميع. الدولة تقوم بمعجزات في الطرق والتشييد والبناء، لكن الإنسان نفسه لا يتطور".
ولفتت إلى أن "تركيبة المجتمع التي اختلفت عن السابق مع اختفاء الطبقة الوسطى، التي تفتتت، وأصبحت كل طبقة اجتماعية تضم بداخلها تناقضات وصراعات للالتحاق بطبقات أعلى منها، وداخل "الكومباودات" السطوة للمال وليس للثقافة".
وحول سكان "الكومباودات" ترى الفايد أنهم "ليسوا جميعاً من الطبقة العليا المثقفة، وهذا حدث مع سياسات الانفتاح. الجميع يريد اللحاق بالطبقة العليا، ساعدهم المال في الانتقال إلى المجتمعات الراقية ومعايشتهم، لكنهم للأسف ما زالوا بثقافاتهم المتدنية نفسها".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
نص المرسوم رقم (98) لعام 2026 على تعيين عبد الرحمن بدر الدين الأعمى أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية... جاء تعيينه خلفاً لماهر الشرع، وذلك في إطار توجهات لتعزيز مبدأ فصل العلاقات العائلية عن المسؤولية العامة.
نبض