يُهددها المرض والموت... كلاب المناطق الباردة تعاني في مصر
في ملجأ للحيوانات الأليفة على مقربة من أهرامات الجيزة، وعلى مدار يوم حار من أيّام شهر آب (أغسطس)، انشغلت حنان زكي بإسعاف كلب من سلالة هاسكي، بعد إصابته بـ"الاحتباس الحراري" من جراء ارتفاع درجات الحرارة. لم تنجح الإسعافات، مات الكلب، ولحق به ثلاثة كلاب أخرى، خلال أشهر الصيف فقط.
وفي مصر، تُستأنس سلالات من كلاب جُلبت من المناطق الباردة، مثل: الهاسكي، المعروف بجرّ عربات التزلج في المناطق القطبية، وسلالة تشاو تشو، التي تعيش في مناطق شمال الصين، فضلاً عن سلالة الكوكيجن التي يتم استئناسها في جبال القوقاز القاسية.
تشترك هذه السلالات في أن أجسادها محملة بطبقات كثيفة من الشعر، تحميها من برودة الطقس في مواطنها الأصلية، لكن هذه الميزة التطورية، باتت نقمة في أجواء الطقس الحار، كالذي تشهده مصر في فصل الصيف، فتتسبب في مخاطر صحية كبيرة.

الموت وأمراض جلديّة
تقول حنان زكي، وهي ناشطة في مجال الرفق بالحيوان لـ"النهار العربي": "كلاب المناطق الباردة تعاني أشد ما تكون المعاناة في مصر، حيث يُهددها الموت، والإصابة بأمراض جلدية عديدة، فكثير من المصريين يفضلون اقتناء هذه السلالات، من دون امتلاك خبرة في تربيتها، لمجرد أن لها مظهراً جميلاً وجذاباً فقط، فيما يجهلون الأخطار التي تهدد هذه الأرواح بعد ذلك".
وفي الملجأ الذي تمتلكه زكي، تعمل على إنقاذ الحيوانات الأليفة، ومن بينها حماية الكلاب الآتية من مواطن باردة، فتقول: "مات لدي 4 كلاب من هذه السلالات في فصل الصيف، بعدما تجاوزت درجة حرارة أجسادها 42 درجة مئوية، ولم تفلح محاولات الإنقاذ باستخدام المحاليل وخافض الحرارة".
وتضيف: "بعد هذه الحوادث اضطررنا إلى وضع الكلاب التي لا تتحمل درجات الحرارة المرتفعة، في غرف مكيفة في خلال وقت النهار، كما أننا نقوم بقص الشعر باستمرار، حتى لا يتسبب بالأمراض الجلدية".

مخاطر وتوصيات طبيّة
من جانبه، يرصد أستاذ الجراحة والتخدير والأشعة بكلية الطب البيطري في جامعة القاهرة الدكتور هيثم فرغلي، الأخطار الصحية التي تهدد هذه السلالات من الكلاب، إذ يقول: "أكثر مرض يصيب هذه الأنواع من جراء تعرضها لدرجات الحرارة المرتفعة هو "الاحتباس الحراري"، الذي يقابله ما يعرف بـ"ضربة الشمس" لدى البشر".
ويتابع فرغلي في حديثه لـ"النهار العربي" أن "الاحتباس الحراري" يحدث "عندما تتجاوز درجة حرارة جسم الكلب 40 درجة مئوية، وفي هذه الحالة يحدث التهاب في المخ، وقد يصاب بالسكتة الدماغية، ويموت الكلب إذا لم يُسعف".
وعن أعراض "الاحتباس الحراري" يقول: "تظهر على الكلاب أعراض خمول، ونهجان (ضيق تنفس)، ثم تدخل في حالة إغماء، وعند قياس درجة الحرارة، تكون قد تجاوزت الأربعين، وربما يظهر نزيف من الفم أو الأنف، أو الاثنين معاً".
وعند ظهور هذه الأعراض، يوصي الأستاذ بكلية الطب البيطري بضرورة إجراء إسعافات أولية لخفض الحرارة، التي تبدأ بغمر الكلب بماء بارد، وقد يوضع في حوض استحمام فيه ثلج، ثم التوجه فوراً إلى أقرب طبيب، بعد التأكد من انخفاض درجة الحرارة إلى ما دون الأربعين درجة مئوية، مع مراعاة أن يكون النقل في سيارة مفتوحة، فنقل الحيوان في الصندوق الخلفي للسيارة يعرضه للخطر، إذ يفضل وجود نسبة تهوية، كما يجب الحفاظ على وجود الكمادات الباردة أثناء النقل.

ويشدد فرغلي على ضرورة تجنب المربي إعطاء أي أدوية للحيوان، إلا بمعرفة الطبيب البيطري، كونه صاحب الخبرة والمعرفة بالدواء الواجب تقديمه والجرعات المحددة، مشيراً إلى أن كثيراً من الأدوية البشرية لا تكون فعالة مع الكلاب، مثل خافض الحرارة أو الأسبرين.
ومن الأمراض الأخرى التي تصيب كلاب المناطق الباردة في مصر، الأمراض الجلدية، مثل الفطريات والإكزيما (التهابات الجلد)، ومرض الجرب الأحمر، وتصاب الكلاب بهذه الأمراض، لأنها لا تتعرق، إذ تفرغ الحرارة عن طريق اللهاث، وفي ظل وجود طبقات كثيفة من الشعر، وغياب العرق، تنشط الفطريات في الطقس الحار، ثم تظهر الأمراض الجلدية، تبعاً لما يقوله فرغلي.
وفي ختام حديثه يوصي الأستاذ بكلية الطب البيطري بضرورة أن يكون لدى مربي هذه السلالات الوعي الكافي باحتياجاتها، وطبيعة عيشها، فيجب ألا توضع في أماكن مغلقة عند نقلها أو في معيشتها.
كما يجب ألا تعرض للشمس لأوقات طويلة، كأن يتم تربيتها فوق أسطح المنازل، فالأماكن المناسبة لها، لا بد أن تكون ظليلة وجيدة التهوية، ويُحبذ ألّا تقل درجة الحرارة عن 23 مئوية، وقد يتطلب تلبية هذا الأمر وضعها في غرف مكيفة أثناء الصيف. وأخيراً، يراعى تقديم المياه لهذه السلالات باستمرار، كون معدل العطش لديها أكثر من غيرها.

مساع تشريعيّة
خلال السنوات الماضية، تزايدت مطالبات النشطاء في مجال الرفق بالحيوان، بإصدار تشريع يحمي الحيوانات من الإتجار غير الشرعي، فضلاً عن التعذيب والقتل، وغيرها من الجرائم التي تتعرض لها، وترافقت استجابة برلمانية أخيراً مع هذه الدعوات، بعدما طرح عضو مجلس النواب المصري عبد المنعم إمام مشروع قانون جديد على طاولة مناقشات البرلمان، يتصدى لهذه القضية.
يقول النائب البرلماني لـ"النهار العربي" إنّه تقدم في الآونة الأخيرة لمجلس النواب بمشروع قانون لتنظيم تربية الحيوان ورعايته، ومن المتوقع مناقشته خلال دور الانعقاد المقبل، الذي يبدأ في تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، مؤكداً أنّ القانون يعالج كثيراً من مواطن الخلل الموجودة في الوضع الراهن، بعد التشاور مع وزارتي الزراعة والبيئة.
وتتسم أوضاع الحيوانات الأليفة في مصر بفوضى عارمة، إذ تنتشر محال لبيع تلك الحيوانات بطريقة غير شرعية، فضلاً عن وجود أسواق مثل: سوق الجمعة الشهير الكائن بمنطقة السيدة عائشة، القريبة من وسط المدينة، وتُباع فيه كل أنواع الحيوانات والطيور، بطريقة غير قانونية، وبدون رخص حيازة، وكثير منها قد يكون مسروقاً!
ويوضح إمام أن فلسفة مشروع القانون الذي جاء في 10 أبواب تتضمن 76 مادة، "بُنيت بالأساس على حماية الحيوانات الأليفة والمفترسة، وكذلك بقية الكائنات الحية، والحيوانات التي تدخل التجارب المعملية، والحيوانات المعرضة للانقراض".
ويلفت إمام إلى أنّه "في إطار سعي القانون لحماية الحيوانات في البيئة المصرية، فإنه يضع ضوابط أيضاً على عملية اقتناء الحيوانات من بيئات أخرى، لغرض التباهي والاستعراض (مثل كلاب المناطق الباردة)، فهذا السلوك يعدّ درباً من دروب التعذيب. إن بيئتنا يتوافر فيها أنواع من الكلاب، كالكلاب البلدي التي يُحتفى بها في دول غربية".
وينص المقترح القانوني الجديد على أن "جميع الحيوانات متساوية، ولها الحق في الماء والعلاج، والعيش في أمان في بيئة مناسبة، لممارسة سلوكها الطبيعي بدون أذى جسدي أو معنوي (..) كما لا يجوز لأحد تعريض الحيوانات تعريضاً غير مبرر للألم أو المعاناة أو الإصابة الجسدية أو الخوف، ويحظر القانون أيضاً الإتجار بالحيوانات، أو حيازتها بغير الطرق القانونية والإجرائية السليمة".
ويأتي الباب العاشر والأخير من القانون، لينص على عقوبات تراوح بين الغرامة المالية والحبس، في حالة مخالفة مواده، ومن هذا المنطلق يعول النشطاء والمهتمون بالرفق بالحيوان على هذا التشريع، الذي قد يساعد في تخفيف آلام أرواح لا تستطيع البوح بأوجاعها.
نبض