08-03-2023 | 10:00

تعليم الفتيات في مصر... معاناة ورحلة شاقّة عمرها أكثر من 100 عام

اقتصر التعليم للفتيات في مصر، قبل نحو 100 عام، على الطبقة الراقية في ذلك الحين، وكن يتعلمن على يد أوروبيات.
تعليم الفتيات في مصر... معاناة ورحلة شاقّة عمرها أكثر من 100 عام
Smaller Bigger


كما في كل سنة، يحلّ اليوم العالمي للمرأة والنساء العربيات في دول عربية عدة يعانين في سبيل تحصيل الحد الأدنى من حقوقهنّ. "النهار العربي" يسلّط الضوء على جوانب من هذه المعاناة في سلسلة تقارير.

 

"يخاف الرجال من تعليم النساء وتحصيلهن للمدارك والعلوم، فهم يعتقدون أن في ذلك تهديداً لهم ولرجولتهم وللمكانة التي وصلوا إليها"، هذا ما كتبته الرائدة النسوية في مجال التعليم نبوية موسى، التي أصدرت كتاباً قبل أكثر من 100 عام، وتحديداً عام 1920، تحت عنوان "المرأة والعملتشجع فيه العائلات في مصر على تعليم فتياتها، أسوة بفتيانها.

 

كانت موسى ترى أن تعليم الفتاة من شأنه أن يوسع مداركها، وينمي ذكاءها، ويزيد فرصها في الحصول على وظيفة، وتالياً لا تكون عالة على أحد، ويمكنها أن تساهم في نماء الأسرة.

 

الطريق صعب وطويل

لم يكن الأمر سهلاً، فالذي نعتبره الآن حقاً عادياً مكتسباً للفتيات، كان مستحيلاً قبل نحو قرن من الزمان في مصر. كانت المرأة وقتها تابعة للرجل في كل شيء، ومحرومة من التعليم والعمل والخروج من المنزل، فكان قاسم أمين من أوائل المطالبين بتعليم الفتيات في كتابه المثير للجدل "تحرير المرأة" الصادر عام 1899، وهاجمته الكثير من الشخصيات العامة، مثل مصطفى كامل، وطلعت حرب، ونشروا مقالات وكتباً لمعارضته.

 
نبوية موسى

 

بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغت نسبة الأمية في مصر حوالي 25.8%، حيث بلغ عدد الأفراد الأميين (10 سنوات فأكثر) 18.4 مليون أمّي، وذلك وفقاً لبيانات تعداد السكان لعام 2017، وبلغ معدل الأمية للذكور 21.2%، مقابل 30.8% للإناث، أي أن نسبة المتعلمين بين الذكور تصل إلى ما يقرب 80% بينما تصل إلى 70% بين الإناث.

 

هذه النسبة الأخيرة لم تكن موجودة قبل نحو 100 عام، بل كانت تكاد تقترب من الصفر، فقد اقتصر التعليم للفتيات في مصر على الطبقة الراقية في ذلك الحين، وكن يتعلمن على يد أوروبيات: إنكليزيات، وسويسريات، وألمانيات، وغيرهن، كما كانت هناك مدارس الجاليات الأجنبية في مصر، وكان يقتصر التعليم على أمور التدبير المنزلي مثل التطريز والطبخ.

 

  دفع هذا الأمر تنويريين مصريين إلى المطالبة بحق المرأة في التعليم، وفي طليعتهم نبوية موسى، فمع أنها نشأت في أسرة راقية، إذ كان والدها ضابطاً في الجيش المصري، لكن تم التضييق عليها في التعليم، فلجأت لشقيقها يعلمها في السر - بحسب مذكراتها "تاريخي بقلمي- ثم التحقت بمدرسة السنية للبنات عندما بلغت الـ13 بحيلة، حيث سرقت ختم والدتها لتزور موافقتها على الالتحاق بالمدرسة، ونالت الشهادة الابتدائية بتفوق في عام 1903، ثم أصبحت أول سيدة مصرية تحصل على البكالوريا عام 1907.

 

ما شهدته نبوية من طريق طويل في التعليم، جعلها تنادي بتعليم الفتيات المصريات، فألفت العديد من الكتب، واتفقت مع قاسم أمين في بعض آرائه.

 
قاسم أمين

 

الباحثة في النوع الاجتماعي داليا وصفي قالت إن "المرأة المصرية في بدايات القرن العشرين استطاعت نتيجة لجهودها المستمرة، هي والداعمون لها فكرياً من الرجال، أن تنال حق التعليم، فتساوت الشهادة الابتدائية للبنات بمثيلتها للبنين عام 1900، ثم استطاعت دراسة المرحلة الثانوية المؤهلة لدخول الجامعة عام 1925، وحصلن على شهادة البكالوريا عام 1928".

 

وأكدت وصفي أن "تعليم الفتيات لم يكن مشكلة في مصر القديمة، فالمرأة في عهد قدماء المصريين كان لها حقوق الرجال نفسها من التعليم، والعمل، والإرث، وتولي الحكم، لكن تراجعت حقوقها على مر العصور، مع دخول قوى محتلة إلى مصر، لها ثقافة معادية للمرأة، حيث كانوا يتناقشون وقتها هل المرأة إنسان أم لا".

 

المعارضون لتعليم الفتيات

اصطدمت دعوة تعليم الفتيات بمعارضة من بعض الرموز المصرية، مثل مصطفى كامل، وطلعت حرب، وثمة من ادعى أن الدين الإسلامي يمنع الاختلاط وخروج الفتيات من المنزل، وتم تبني هذه الفكرة لسنوات عدة، لذلك اقتصر الأمر على تعليم الذكور دون الفتيات، وفقاً لكتاب هشام نصر "نساء ضد التيار: رائدات العمل النسائي في مصر".

 

وبحسب وصفي: "ساق المعارضون وقتها أسباباً عديدة للرفض، منها أن المرأة لا تملك القدرة العقلية، ولن تستطيع تحصيل العلوم مثل الرجل، على أساس أنها ناقصة عقل، وقالوا أيضاً إنها فكرة غربية غرضها انحلال المرأة وسفورها".

 
من كتاب طلعت باشا حرب "تربية المرأة والحجاب"

 

وفي مقالة لمصطفى كامل في جريدة اللواء عام 1901، رداً على دعوات قاسم أمين لتحرير المرأة، قال: "الحرية المطلقة التي مُنحت للمرأة الغربية أفسدت علومها وآدابها، ومحت كثيراً من الأخلاق الفاضلة".

 

وقال: "إن بلاد أميركا التي أخذها قاسم بك أمين قاعدة لحكمه وقياسه، تخالف بلادنا مخالفة تامة في الأخلاق والعوائد. ذلك فضلاً عن أن بعض أنصار رفع الحجاب يقولون إن حرية النساء بما فيها من المضار - حتى الزنا - خير من الحجاب المصحوب بالفضيلة القهرية. وهو ما لا أراه أبداً. فإنه خير لرجل يشعر أن يموت ويدفن من أن يرى من أهله أو من بيته امرأة تزني ولو كانت بهجة العلم وحليته".

 

"تعليم المرأة هو شكل من أشكال التمكين لها، وهو أمر استوعبه الرجال لذلك عارضوه عند الدعوة إليه"، بحسب لمياء لطفي عضو مؤسسة "المرأة الجديدة" التي سُميت كذلك على اسم أحد كتب قاسم أمين التي دعت إلى تحرير المرأة.

 

تقول لطفي لـ"النهار العربي" إن "المجتمع وقتها عارض الأمر لأنه رأى أنه عندما تخرج الفتاة من المنزل، ستحتك بالمجتمع، وسيعطلها ذلك عن واجبها الأسري الأساسي، وهو الزواج كطفلة، أقل من 14 عاماً، وتربية الأطفال".

 
مصطفى باشا كامل

 

مات قاسم أمين في عمر الـ42 بالسكتة القلبية، ويشاع أنه مات متأثراً بالهجوم الذي شُن عليه، ولم ير ثمرة جهوده، كما اضطرت نبوية موسى لأن ترتدي زي الرجال لتظهر للناس أنها قادرة مثلهم. أثمان متعددة دفعها المنادون بتعليم الفتيات، ولتغيير واقع اجتماعي كان شديد القتامة بحسب لطفي، التي قالت إن "هذه المعركة يمكن اعتبارها معركة نسوية رغم أن هذه الكلمة لم تكن متداولة وقتها".

 

وأضافت - تعليقاً على معارضة رموز وطنية لتعليم الفتيات - أنه "ليس بالضرورة أن كل من لديهم رؤية تقدمية اقتصادية، أو رفعوا شعارات التحرير الوطني، هم بالضرورة مؤمنون بتغيير واقع النساء".

 

الاعتراف الرّسمي بتعليم الفتيات

ظل نضال موسى ورفيقاتها، مثل ملك حفني ناصف، وفيكتوريا عوض، يدفع باتجاه تعليم الفتيات حتى تم إقراره رسمياً والاعتراف به في نص دستور 1923 في مادته الرقم 19 التي تقول "التعليم الأولي إلزامي للمصريين من بنين وبنات، وهو مجاني في المكاتب العامةثم تلاه دساتير أخرى تؤكد الحق نفسه، مثل دستور ما بعد ثورة حزيران (يوليو) 1952 الذي أضاف مجانية التعليم الجامعي للجنسين، وسمح بإنشاء 10 جامعات إضافية.

 

وبحسب داليا وصفي، ففي عام 1929 كانت أول دفعة من الفتيات بالجامعة المصرية (جامعة القاهرة)، وكن خمساً فقط، وهن: سهير القلماوي، وكانت أول سيدة تحصل على الدكتوراه في كلية الآداب، ونعيمة الأيوبي، وفاطمة سالم، وفاطمة فهمي، وزهيرة عبد العزيز، وقد دعم هذه الخطوة طه حسين.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/3/2026 6:20:00 AM
"النهار" تلقي الضوء على تفاصيل المشروعات السورية الخمسة لربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا، وأهميتها والتكلفة الاستثمارية لها، والتحديات التي تواجه هذه المشروعات، والعائد الاقتصادي لهذه المشروعات سواء على الاقتصاد السوري أو على اقتصادات الخليج
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية
اسرائيليات 4/3/2026 9:21:00 AM
الجيش الإسرائيلي: مخطط لإطلاق صاروخ مضاد للدروع نحو أراضي دولة إسرائيل
لبنان 4/3/2026 12:18:00 PM
الجيش الإسرائيلي: مسلحو "قوة الرضوان" المعتقلون أكدوا أن لا "قوة" للمضي بالقتال