08-03-2022 | 03:50

الرّحلة الحافلة لنهاد أبو القمصان... حقوقيّة حملت قضايا المصريّات إلى أرفع المحافل الدوليّة

أصرت الفتاة الصغيرة على حق الإناث في المشاركة، وتمسكت برأيها، وكان لها ما طالبت به، فتكونت أول مجموعة من الطالبات والطلاب بـ"الشرطة المدرسية" في مدرستها.
الرّحلة الحافلة لنهاد أبو القمصان... حقوقيّة حملت قضايا المصريّات إلى أرفع المحافل الدوليّة
Smaller Bigger

تشعر فتاة في الصف السادس الابتدائي بحالة من الغضب الشديد، حين يأتي الدور على فصلها الدراسي لاختيار عناصر "الشرطة المدرسية" من بين طلابه، ويقرر المسؤولون في المدرسة أن من لهم الحق في المشاركة، هم الذكور فحسب.

 

تتساءل الفتاة الصغيرة: ولماذا لا تشارك الإناث أيضاً؟

 

الرد الذي تلقته لم يكن مقنعاً بالنسبة لها، لأنها ترى أن الصبيان المشاركين في "الشرطة المدرسية" لا يفعلون شيئاً يصعب على الفتيات فعله، فهم يتباهون بسلطتهم على زملائهم، ويتسكعون طول اليوم في أروقة المدرسة، ويقرعون الجرس فحسب.

 

أصرت الفتاة الصغيرة على حق الإناث في المشاركة، وتمسكت برأيها، وكان لها ما طالبت به، فتكوّنت أول مجموعة من الطالبات والطلاب بـ"الشرطة المدرسية" في مدرستها.

 

هذه الواقعة التي تعود لثمانينات القرن الماضي، كانت أحد إرهاصات ميلاد واحدة من أبرز نشطاء حقوق المرأة في مصر والمنطقة العربية، وهي نهاد أبو القمصان، التي استطاعت خلال رحلتها الحقوقية أن تساهم جذرياً في تغيير المشهد الحقوقي النسائي في بلدها ومنطقتها.

 

نهاد أبو القمصان خلال تكريمها وحصولها على الوسام المدني من الملك فيليب ملك إسبانيا 
 
 

بداية الرحلة

تقول رئيسة "المركز المصري لحقوق المرأة" نهاد أبو القمصان لـ"النهار العربي": "اهتمامي بحقوق المرأة بدأ في مرحلة مبكرة من عمري، وربما كان والدي هو السبب في ذلك، فقد كان رجلاً مثقفاً للغاية، ومتديناً مستنيراً، وكان يؤكد لنا أن الدين يحضنا على المساواة. والدي كان كذلك حريصاً على المساواة بين أولاده وبناته حتى في القبل، فإذا قبّل أحدنا، يقبّل الآخر".

 

ظلت أبو القمصان مهتمة بحقوق المرأة، وتقرأ عنها خلال دراستها، حتى تخرجت في كلية الحقوق عام 1992 ثم انضمت إلى المنظمة المصرية لحقوق الإنسان عام 1994، أي بعد نحو عامين من تخرجها، وكان مجال عملها بالمنظمة متسقاً مع اهتمامها الأول، وهو تقديم الدعم القانوني للنساء.

 

في العام ذاته، حدثت فضيحة ختان الإناث بعدما أذاعت شبكة CNN تقريراً عن تلك العلميات التي لم تكن مجرّمة بمصر في ذلك الحين، وهنا بدأت الحقوقية المصرية تطرح على نفسها تساؤلات عدة، قادتها إلى قناعة حاربت من أجلها لسنوات عدة.

 

تساءلت نهاد أبو القمصان: "نحن في مصر نعتبر أن الختان أمرٌ مهمّ، لماذا اعتبرنا الحديث عنه فضيحة؟ إذا كنا نراه فضيحة فلا بد أنه خطأ، وإذا كان خطأ فلا بد من تجريمه".

 

اهتمت الناشطة بموضوع ختان الإناث، وبدأت تقرأ عنه، وأبحرت بالبحث فيه محاولة فهم المشكلة وجذورها، ما رشحها للانضمام إلى "قوة عربية" لمكافحة الختان، وأعطاها فرصة أكبر للاحتكاك بمنظمات حقوق المرأة في المنطقة العربية، وساهمت في تأسيس عدد منها. ومن هنا جاءتها فكرة "المركز المصري لحقوق المرأة"، الذي أسّسَته سنة 1996.

 

محطات مهمة

في رحلة الحقوقية نهاد أبو القمصان محطات مهمة عدة، وإنجازات كثيرة بطول طريقها، لكنّ بعضاً منها تعتز به خاصة، حسبما أخبرتنا في حوارنا معها.

 

ومن ذلك اختيارها عضواً بمجموعة المصادر البشرية في البنك الدولي سنة 1997، وكان عمرها 26 عاماً. وشاركت الشابة المتحمسة في ورشة عمل حضرتها شخصيات كبيرة من المنطقة العربية، وألقت كلمة باعتبارها ممثلة عن المجتمع المدني المصري.

 

وتتذكر أبو القمصان تلك اللحظات باعتزاز وتقول: "بعدما ألقيت كلمتي أمام الحضور، في القاعة الكبيرة في البنك الدولي، حظيت الكلمة بترحيب واسع، وقيلت لي جملة عظيمة لا أستطيع أن أنساها إلى الآن، قالها لي نائب رئيس البنك الدولي، في ذلك الحين: لقد أشعرتِنا بأننا نشم رائحة تراب مصر".

 

 

وتضيف الحقوقية: "حصلنا على العديد من الجوائز، ولكن أعزها على قلبي جائزة سوق التنمية في العالم في سنة 2000، ومنحها لنا البنك الدولي، وتقدم لها 3000 مشروع، وتم تصفيتها إلى 300، وفزنا عن منطقة الشرق الأوسط".

 

وفي سنة 2012 تم اختيار أبو القمصان ضمن المجموعة الاستشارية الداعمة للمرأة بالأمم المتحدة عن المنطقة العربية، وفي 2014 تم التجديد لها ضمن المجموعة، و"في العام ذاته أنشأ البنك الدولي لجنة وزارية رفيعة المستوى في واشنطن، تهتم بقضايا النوع، واختاروا فيها وزراء المالية لمجموعة الثمانية، و3 من أكبر الشركات العالمية، و3 جمعيات أهلية، واحدة من البرازيل، والثانية من الهند، ونحن من مصر".

 

وتفخر الحقوقية المصرية بهذا الاختيار وتقول "أنا المرأة الوحيدة التي جمعت بين أرفع لجنتين في العالم، لجنة تنمية النوع بالبنك الدولي، واللجنة الاستشارية للمجتمع المدني بالأمم المتحدة".


الصدامات الأولى

رحلة نهاد أبو القمصان اصطدمت بالعديد من المعوقات والعقبات، فحينما بدأت في أوائل التسعينات، كان الحديث عن معظم قضايا حقوق المرأة يقابل بالرفض القاطع، وكانت عبارات الرفض الصارخة تتفاوت بين: "عيب"، و"حرام"، و"تهديد للأمن القومي".

 

حين طرحت قضية ختان الإناث، في تسعينات القرن الماضي، حدث صخب كبير، وتعامل معها غالبية رجال الدين والدعاة الإسلاميين على أنها "من ثوابت الدين"، والدعوة لوقفها اعتبروها "قتالاً من أعداء الدين ليردوا المسلمين عن دينهم". وصدرت فتاوى من الأزهر، وطُبعت كتب، ونُشرت مقالات نارية تحذر المصريين من التوقف عن الختان، وكانت الموجة عالية للغاية في مواجهة الحقوقيين والمطالبين بوقف هذه الممارسة التي حذر العلم من مخاطرها البدنية والنفسية.

 

وسط الأمواج العاتية والأصوات العالية لرجال الدين والدعاة الإسلاميين، خاصة المنتمين للتيار السلفي المتشدد، وعبارات "حرام" و"عيب" أن تتحدثي بهذا الأمر، واصلت الحقوقية الشابة تأكيدها أن ختان الإناث جريمة، ويجب أن تتم توعية الناس بمخاطره، وأن تسن تشريعات لمعاقبة مرتكبيه.

 

شاركت رئيسة "المركز المصري لحقوق المرأة" في إصدار أكثر من 30 تشريعاً قانونياً لحماية حقوق النساء وتحسين أوضاعهن، وعقدت العديد من ورش العمل والدورات التدريبية للصحافيين والإعلاميين، بهدف نشر الوعي بقضايا حقوق المرأة عبر وسائل الإعلام، بجانب مقالاتها وحضورها التلفزيوني وصفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وأبرزها صفحة "حكايات نهاد" التي يتابعها نحو 850 ألف شخص، وتقدم من خلالها الأفكار والمعلومات، وتشتبك مع القضايا الجدلية التي تشوش الرأي العام، محاولة توضيحها من زوايا عدة، لا سيما القانونية والحقوقية والمجتمعية.

 
ومن الجدير ذكره أن نهاد أبو القمصان هي شريكة حياة الحقوقي المصري البارز حافظ أبو سعده الذي وافته المنية بعد إصابته بفيروس كورونا في تشرين الثاني (نوفمبر) 2020، تاركاً أثراً بارزاً في مجال النضال الحقوقي في مصر والعالم العربي.
 

 

بين الماضي والحاضر

تقارن أبو القمصان بين الماضي والحاضر، وتقول: "لا شك في أن هناك تقدماً واضحاً بقضايا حقوق المرأة قد تحقق، فحين بدأت رحلتي كان في البرلمان المصري قرابة 4 نائبات فحسب، وكانت المشاركة السياسية للنساء محدودة للغاية، لكن اليوم في البرلمان بغرفتيه (النواب والشيوخ) أكثر من 170 نائبة، وهناك العديد من الوزيرات في الحكومة، كما أن الختان بات مجرّماً، وكذلك التحرش، والعنف الأسري ضد المرأة".

 

ومع ذلك التقدم الملموس، إلا أن الحقوقية ترى أنه لا تزال آليات تطبيق القانون ضعيفة، بما يجعل المرأة تخشى من المطالبة بحقوقها، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بأحد أفراد أسرتها، فهي لا تعلم إلى أين ستذهب إذا لجأت إلى القانون للمطالبة بحقها.

 

وترى أبو القمصان أن النظام التعليمي، والخطاب الديني، والتربية داخل الأسرة المصرية، من المعوقات التي لا تزال تقف في طريق حصول المرأة على حقوقها.

 

وبينما ترى أن تلك العناصر الثلاثة (التعليم، والخطاب الديني، والأسرة) أمور يمكن تعديلها على المدى الطويل، تعتقد أن الحل الناجع هو تحسين منظومة العدالة، بحيث يمكنها الإجابة عن أسئلة بسيطة، مثل: ماذا بعد لجوء المرأة للقانون للحصول على حقها؟ إلى أين ستذهب إذا خافت على نفسها من العنف الأسري؟ ومن يوفر لها الحماية؟

 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.