في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وجدت أسماء نفسها وهي تقود سيارتها مطاردة من شاب يقود سيارة بجوارها على طريق سريع داخل القاهرة بغية الحصول على رقم هاتفها، الأمر الذي كاد يسبب حادثاً لها.
احتمالات مثل هذه وأكثر تعرضت لها أسماء مرات عدة، فقيادتها للسيارة في شوارع العاصمة المصرية أمر محفوف بمخاطر التحرش والمضايقات من الذكور، والتي قد تودي بحياتها في لحظة ما.
تظن الفتيات أن النجاة من شبح التحرش في المواصلات والأماكن العامة، قد ينتهي عند قيادة سيارة خاصة، لذلك قد تلجأ الكثيرات منهن إلى شراء سيارات خفيفة وأقل سعراً أو مستعملة، وقد تكون كثيرة العيوب، من أجل الفرار من التحرش والمضايقات بالشارع، لكن سرعان ما يلاحقهن التحرش حتى وهن في سياراتهن.
"النهار العربي" حصل على قصص من فتيات تعرضن لتحرشات ومضايقات ومطاردات. قصص تكشف ما تتعرض له بعض الفتيات والنساء في الشارع الذي يرون أنه "بات مكاناً غير آمن لهن".
قيادة خطرة
تقول أسماء لـ"النهار العربي" إنها كانت تسكن في منطقة بعيدة جداً من مقر عملها، بحيث تضطر إلى سلوك طرق خطرة وسريعة مثل "المحور"، و"الدائري"، و"طريق الواحات" وهي طرق تصعب القيادة بها، محفوفة بالمخاطر، لكنها كانت مضطرة في ذلك الوقت لاجتيازها.
وتحكي أسماء أنها تعرضت لموقف في غاية الخطورة حينما أصر 4 شباب لم يبلغ كلّ منهم العشرين من العمر، على ملاحقتها بسيارتهم في بداية تعلمها القيادة، وكانت متوترة، وبدا ذلك عليها. حاولت تفاديهم سواء بإبطاء السرعة، أو زيادتها، أو الاتجاه يميناً أو يساراً، وهم مصرون على ملاحقتها والتحرش بها لفظياً، وكادوا يتسببون في حادث لها.
وتضيف أسماء: "اجتزت طريق المحور بأكمله وأنا مرعوبة، وتمكنت من الهرب منهم".
بعد ذلك حينما بدأت تتجرأ في قيادة السيارة، كان بجوارها سائق سيارة نصف نقل يحاول ملاحقتها والتحرش بها لفظياً.
الأمر مع أسماء أنها تتعرض لهذه المواقف بكثرة، ما جعلها تشعر ليس فقط بالغضب مما يحدث، وإنما بالحزن أيضاً، وتقول: "المسألة ليست في المعاكسة أو التحرش، لكن هؤلاء الأشخاص قد يعرضون حياتي وحياتهم وحياة آخرين في الطريق إلى الخطر. كثيراً ما أرى سائقي سيارات يحاولون فرض رجولتهم على الطريق، بخاصة حينما يرون امرأة تستطيع القيادة. يبدو أن الأمر يأتي على كرامتهم فيضايقونها".
الذكورية المتضخمة
يعتبر بعض الذكور أنفسهم أنهم المتفوقون في كل شيء، لذلك قد لا يتعاملون بحكمة مع وجود امرأة تستطيع القيادة في الطريق، أو امرأة تسببت في موقف بسيط.
سهيلة سامي قالت إنها كانت تقود سيارتها في أحد أوقات الذروة في شارع معروف بازدحامه الشديد في القاهرة وهو "عباس العقاد" في حي مدينة نصر، وبالخطأ أغلقت مرآة سيارة كانت بجوارها، وكان بها شابان صغيران في السن، لم يبلغا العشرين عاماً.
وتقول سهيلة "ظلا يسيران خلفي، ويجنحان بسيارتهما على كل السيارات، ويلاحقانني بطريقة جنونية، وقد حاولت الهرب منهما، وفي الأخير دخلت محطة وقود، فدخلا خلفي ونزلا من سيارتهما، شعرت بالقلق، فانطلقت بسيارتي، لاحقاني مع توجيه السباب إليّ".
وأضافت: "واصلت محاولة الهروب منهما، فزدت سرعتي بشكل كبير، وتخطيت سيارة كانت موجودة وتتحرك لتسد عليهما الطريق، كان من الممكن أن يتسبب هذا الموقف في حادثة لي، بالطبع كنت أشعر بالخوف للغاية، بسبب موقف يكاد يكون تافهاً، لمست فيه الإيغو الذكوري لديهما".
إعجاب ومخاطر
يمنى بدر الدين كانت تقود سيارتها في طريق سريع وهي بحسب وصفها تقود جيداً، وتحب قيادة السيارات، ولديها جرأة، وتقول: "في أحد الأيام حاول أحدهم توقيفي على كوبري أكتوبر من أجل معرفة رقم هاتفي".
وتضيف أنه "ضيّق الطريق بسيارته حتى توقفت، وكانت الساعة 12:30 منتصف الليل، وظل يطرق على سيارتي ويقفل المرآة ويفتحها. شعرت بالفزع لنحو ثانيتين، وبعدها فتحت زجاج سيارتي وشتمته، ثم خرج شخص من سيارة خلفنا، وصاح به لأنه عطل حركة المرور فوق الكوبري، فخاف ومشى".
هذا كله لم يكن هيناً على يمنى: "كنت أشعر بالخوف، وجسدي يرتجف من الرعب، وبعد هذا الموقف ظللت زجاج سيارتي، لأنني أتعرض لمواقف مشابهة ومطاردات بصورة متكررة".
وتشرح يمنى عن مشاهدتها لحوادث كثيرة "كان السبب فيها أن رجلاً جاء بمقدم سيارته أمام سيارة امرأة، وتسبب في حادث لكونها سيدة تقود، أو يشتت انتباهها بالكلاكس (الزمامير)، أو لأنه معجب بها ويريد توقيفها".
ذكورية مضادة
رغم ندرة التقارير التي تشير إلى التحرش بالفتيات والنساء سائقات السيارات أو على الطرق السريعة، ربما لقلة الإبلاغ عن هذه الحوادث خصوصاً وحوادث التحرش عموماً، لكن آية منير مؤسسة مبادرة "سوبر وومن"، وهي مبادرة نسوية أطلقت قبل قرابة الـ6 أعوام، تعتبر أن مثل هذه الحوادث "موجة ذكورية مضادة لحركة النساء في مصر التي تهدف للتصدي للتحرش ومحاربته".
وتعتبر مؤسسة "سوبر وومن" أن هذا النوع من التحرشات هو "اقتحام للمساحة الخاصة للنساء من بعض الرجال الذين يرون أن ما تفعله النساء بقيادتهن للسيارة هو فعل رجالي وجريء يستوجب المضايقة".
"هناك أمل في معالجة هذه الظواهر وتوفير فضاءات ومساحات آمنة للنساء في الشوارع" بحسب منير، ويتمثل ذلك في "تمكين المعماريين أن يوفروا تصميماً آمناً للمدن والشوارع لتكون مضاءة بشكل جيد، ولتوفير تغطية أمنية وكاميرات مراقبة، ووسائل حماية ونجدة على الطرق السريعة، وأخيراً أن يكون هناك تكاتف من أفراد المجتمع والجهات الأمنية لحماية النساء".
نبض