منذ سنوات عدة، قررت مجموعة من اللاجئات في مصر، البحث عن حلول لتوفير مصدر دخل مناسب لهن، فافتتحن شركة باسم "الأنامل الذهبية"، متخصصة في توريد الغذاء والأكلات المنزلية التراثية. خلف كل أكلة قصة لجوء وهجرة ودعم وحب كبيرين من مجتمع اللاجئين هنا.
على هامش احتفالية الستة عشر يوماً لمناهضة العنف ضد المرأة، أقامت مبادرة "سلام مربع" احتفالية في مركز الجيزويت بالقاهرة، وهناك التقى "النهار العربي" عدداً من اللاجئات اللاتي قدمن نبذة عن مشاريعهن.

وفي ركن خاص كانت نهلة الإمام، وهي سيدة سورية جاءت إلى مصر عام 2012، عقب اندلاع الحرب، وكانت تظن في البداية أنها مجرد أيام بعدها إلى الشام مجدداً.
نهلة هي مؤسسة وصاحبة مشروع "الأنامل الذهبية"، قالت لـ"النهار العربي" إن "الشركة تقوم بطهو الطعام وتوريده، وتجهيز الحفلات والمناسبات بأكلات بيتية صحية، من 5 جنسيات، هي: المصرية، والسورية، واليمنية، والإريترية، والسودانية، وتُطهى هذه الأطعمة في بيوت السيدات، أو في مقر الشركة بميدان لبنان (في محافظة الجيزة)".
كان هدف المشروع هو المساعدة في التمكين الاقتصادي لتلك النساء، وبعد سنوات كبرت الشركة وصارت تستقطب طاهيات أكثر من جنسيات مختلفة.

اندماج وتعايش
بحسب تقرير المنظمة الدولية للهجرة، فإن مصر فيها أكثر من 9 ملايين مهاجر ولاجئ، من 133 دولة، بينهم المجموعات الكبرى، مثل المهاجرين السودانيين (4 ملايين)، والسوريين (1.5 مليون)، واليمنيين (مليون)، والليبيين (مليون).
وتشكل هذه الجنسيات الأربع 80% من المهاجرين المقيمين حالياً في البلاد، و60% من هؤلاء المهاجرين مندمجون بصورة جيدة فى المجتمع لأكثر من 10 سنوات (5.5 ملايين شخص)، مع 6% يعيشون باندماج داخل المجتمع المصري لمدة 15 عاماً أو أكثر (بما في ذلك الجيل الثاني).
تقول الإمام: "كنت أريد مساعدة النساء السوريات، ووجدت أن الأكل هو الذي يجمعهن أياً كان مستواهن الثقافي أو الاجتماعي، فأسسنا مطبخاً صغيراً في البداية، كان مقره بيتي، وفي ما بعد تم توسيعه".
وتضيف: "وجدنا أن هناك مصريات بحاجة للمساعدة، وساعدناهن، ثم السودانيات ودربناهن ليعرفن كيف يقدمن الوجبة والكميات المطلوبة بجودة وتصميم جيدين".
بعض تلك السيدات هن إما من ذوي الاحتياجات الخاصة، أو أمهات لأيتام، وليس لديهن عائل، أو لديهن أطفال صغار، فتم تأمين المواد اللازمة لهن ليعملن داخل منازلهن، وتقوم نهلة وفريقها بالاستلام والتوزيع في المعارض والفعاليات.

كل ما تصنعه الأيدي
هكذا الحال في شركة "الأنامل الذهبية" التي أصبحت مسجلة رسمياً في عام 2018، إنهم يقدمون كل ما تصنعه الأيدي. ليس الطعام فحسب، لكن أيضاً منتجات تراثية بالكروشيه، والإيتامين، والكانافا، والتطريز، ويمكنك أن تجد الشال السوري، والعباءة اليمنية، والعطور والبخور السوداني، والتوابل الإريترية... لكن الطعام هو مصدر الدخل الأساسي للمشروع.
يمكنك أن تجد أكلات تراثية سورية، منها: الشيش برك، وباشا وعساكره، وزيجني سوداني، والمقلوبة الفلسطينية، والمسخن، وغيرها في المطبخ الذي يغير قائمته يومياً.
شاركت سيدات "الأنامل الذهبية" في دورات تنظمها جمعية الطهاة المصريين لتدريبهن على مهنة "الشيف" ليصبحن محترفات.
وتقول مؤسِّسة "الأنامل الذهبية" إنهم قرروا إدخال المشغولات اليدوية، لتناسب السيدات المقيمات في بيوتهن ولا يستطعن الخروج والعمل في مطبخهن، وفي إحدى المرات بعنَ آلاف القطع من الكروشيه على شكل الكريسماس عبر موقع "أمازون".
ومن المشغولات اليدوية أيضاً ألعاب تراثية مثل "البرسيس"، وهي لعبة سورية تشبه "السيجة" المصرية، تُشتغل على قماش من القطيفة، ولها نرد وودع للتحريك.
تقيم الشركة في مناسبات بعينها احتفالات يتخللها ملابس تراثية من كل بلد، ورقصات شعبية، وكذلك الأكل الذي يكون حاضراً بقوة ليعبر أيضاً عن ثقافة كل بلد، كان آخرها بنادي الكهرباء في منطقة الزمالك.
كذلك يحضرون معارض وفعاليات مع مؤسسات رسمية، ومنها المجلس القومي للمرأة، وأخرى دولية مثل الأمم المتحدة.

محنة ومنحة
في عام 2015، جاءت هدى من اليمن إلى مصر للعلاج، ثم قامت الحرب في بلدها، واضطرت للبقاء هنا مع عائلتها. استنفدت هدى مادياً لدرجة كبيرة، واضطرت لأن تبحث عن عمل، وكانت لديها خلفية عن حرفة الكروشيه التي تعلمتها عبر الإنترنت. وفي العام الماضي، تعرفت على "الأنامل الذهبية"، وبدعم من المجلس القومي للمرأة، أصبحت ضمن مجموعة المحترفات، وبدأت عملها بالكروشيه.
كذلك تقوم السيدة اليمنية وشقيقتها بصنع البخور اليمني، والمخمريات، والعطور، وأغطية رأس بالتطريز اليمني المميز، ونقابات سادة ومطرزة، والملابس اليمنية الفولكلورية الشهيرة للنساء، والقبعات للرجال.
هدى هي واحدة من مليون يمني تحتضنهم مصر في الأعوام الأخيرة بعد الحرب، وتشارك أيضاً في مشروع المطبخ بأكلات يمنية من بلدها، ومنها الحلويات، والفطائر، والكبسة، والزربيان.
لكن تعاني هدى ضعف الإقبال، وعدم الترويج الملائم لمنتجاتها وأكلاتها، فهي في بداية الطريق، وتتمنى أن تصل إلى قاعدة جماهيرية واسعة من المشترين، كما أن الناس يتجهون إلى المطاعم اليمنية بكثرة، ما يصعّب الأمر عليها.

بلدي الثاني
هدى وسام، تبلغ من العمر 18 عاماً، وهي بذلك أصغر مشاركة من دمشق في معرض "سلام مربع". عاشت في مصر أكثر مما عاشت في سوريا، حيث خرجت من بلدها وهي بعمر الثامنة، ولا تزال تتذكر الجثث التي كانت منتشرة في الشوارع وقت خروجها، وزجاج النوافذ الذي تكسر بفعل القنابل وتناثر على وجهها.
هدى حالياً في السنة الأولى الجامعية من دراستها للسياسة والاقتصاد، وتقول: "أنا أعتبر نفسي مصرية، وتنقصني الجنسية فقط... أتمنى الحصول عليها قريباً".
تعرفت هدى على مؤسسة "الأنامل الذهبية" قبل نحو 5 سنوات، عن طريق تطوعها في أعمال للاجئين. طلبت الإمام أن يساعدها أحد في فعالية تشارك بها، فاستجابت هدى.
وتقول إنها حين التقت بالإمام "كأنني دخلت بيتي، وأحسست أنها أمي، ارتحت نفسياً". ساعدتهم هدى في الطبخ، والمشغولات اليدوية، وأصبحت مشاركة في عدد من الفعاليات التي تمثل التراث الثقافي السوري مثل احتفالية "سلام مربع".
نبض