06-12-2022 | 05:55

"300 ألف عام من الخوف"... "التاريخ الكبير" يحكي قصّة البشر

لا يستعرض الكتاب تاريخ البشر عبر العصور فقط، لكن ثمة إسقاطات دائماً حيال طريقة عيشنا اليوم، التي لها جذور بعيدة بشكل مدهش وغير متصور.
"300 ألف عام من الخوف"... "التاريخ الكبير" يحكي قصّة البشر
Smaller Bigger

لو أنّ كائناً فضائياً زار كوكب الأرض مرتين، الأولى قبل آلاف السنين، والثانية في أيّامنا هذه، حتماً سيصعقه التغير المخيف. الإنسان الكائن الضعيف الذي صارع الطبيعة -طويلاً- صياداً وجامع ثمار، صار سيداً يتحكم في مصير جميع الكائنات. فما القصّة وراء هذا التحول الكبير؟!

 

الكاتب والدبلوماسي المصري جمال أبو الحسن، تصدى للإجابة عن هذا السؤال الوجودي وغيره من الأسئلة الكبرى، في كتابه الجديد "300 ألف عام من الخوف"، إذ حاول سبر أغوار قصّة البشر، ومضى يروي الحكاية لابنته ليلى، فتارة يتناول الفيزياء والكيمياء والأحياء، وتارة أخرى يعرج إلى التاريخ والأنثروبولوجي والفلسفة. ببساطة يوثق قصّتنا بلسان العلم الحديث، أو بالأحرى وفقاً لرواية "التاريخ الكبير".

 

التاريخ الكبير

"لا يستعرض الكتاب تاريخ البشر عبر العصور فقط، لكن ثمة إسقاطات دائماً حيال طريقة عيشنا اليوم، التي لها جذور بعيدة بشكل مدهش وغير متصور"، هكذا حاول الكاتب المصري تبسيط أحد الأوجه التي يحملها كتابه، في حديث خاص لــ"النهار العربي".

 
أبو الحسن (إلى اليسار) خلال حديثه إلى مراسل "النهار العربي". 
 

يقول أبو الحسن: "في الكتاب، أحاول النظر إلى طريقة عيشنا الحالية بنظرة غير اعتيادية، مثل كائن فضائي، لا يأخذ الأشياء البسيطة والاعتيادية كمسلّمات، كون الأسئلة البسيطة هي دائماً الأخطر، مثل سؤال: لماذا تسقط الأشياء للأسفل؟ هذا شيء يبدو عادياً، وأي إنسان سيجيب أن هذه هي طبيعة الأمور، لكن لولا أن بعض البشر - مثل نيوتن - لم يكن لديهم هذه النظرة الاعتيادية للأشياء، لما حللنا أسرار الجاذبية على سبيل المثال".

 

ويتابع: "الجوهر الأساسي للكتاب يحاول الإجابة عن تساؤل: لماذا نعيش بهذه الطريقة التي نحيا بها الآن؟ فضلاً عن البحث عن ماهية الإنسان، وهذه تساؤلات موجودة في كل العلوم، في الفلسفة والأنثروبولوجي، وغيرهما، لكنني اخترت الإجابة عن التساؤلات من زاوية "التاريخ الكبير"، وهي زاوية تخلق روابط بين العلوم المختلفة".

 

وبالنظر إلى مفهوم "هرمية العلوم" نجد في القاعدة العلوم البحتة (الفيزياء، والكيمياء، والأحياء، والرياضيات)، وتتوسط الإنسانيات (الاجتماع، والتاريخ، واللغة، والجغرافيا) الترتيب الهرمي، وفي القمة تسكن الفلسفة. هذا البناء الهرمي هو البناء ذاته الذي اعتمده أبو الحسن في كتابه، على ما يقول.

 

ومن هنا يمكن القول، إننا إزاء كتاب ينتمي إلى حقل أكاديمي ناشئ يعرف بـ"التاريخ الكبير"، يركّز على قصّة الكون بدءاً من الانفجار العظيم، وتشكيل النجوم، والكواكب، والحياة على الأرض، والحضارة الحديثة، وما قد يوجد في المستقبل، وفي سبيل ذلك يدرس الأطر الزمنية الطويلة باستخدام نهج قائم على الجمع بين عديد من التخصصات، من العلوم الطبيعية، والإنسانيات، ومن ثم استكشاف الوجود البشري في سياق هذه الصورة الأكبر.

 

وبزغ هذا النهج الأكاديمي أول الأمر في مطلع التسعينات، ويرجع الفضل في صياغة مصطلح "التاريخ الكبير" إلى المؤرخ ديفيد كريستيان، أثناء تدريسه إحدى أولى الدورات من هذا النوع في جامعة ماكواري الأسترالية.

 

ويلفت الكاتب المصري إلى أنّ فكرة الكتاب لمعت في ذهنه قبل نحو تسع سنوات، عندما تعرف إلى مشروع ديفيد كريستيان، الذي تم تدشينه بالشراكة مع رائد الأعمال الأميركي بيل غيتس، وهو مشروع يقدم دورة تعليمية عن التاريخ الكبير لطلاب المدارس الثانوية في الولايات المتحدة وأستراليا.

 

 

هناك كتب عديدة في هذا المضمار، أهمها كتاب كريستيان الرائد "قصة الأصل"، وكتاب آخر أشرف عليه، هو "التاريخ الكبير: بين لاشيء وكل شيء"، فضلاً عن كتاب "العاقل"، للمؤرخ يوفال نوح هراري، لكن يبقى كتاب أبو الحسن مميزاً عمّا سواه في عالمنا العربي، لكونه الأول من نوعه تقريباً في المكتبة العربية، فضلاً عن شخصيته المستقلة، المستقاة من واقعنا الثقافي والاجتماعي في الشرق الأوسط.

 

منبع القلق

في الكتاب، نجد أن المؤلف ابتكر حيلة أدبية جعلت النص أكثر حميمية، عبر سلسة من رسائل البريد الإلكتروني بينه وبين ابنته ليلى، إذ شكّل الحوار مع ليلي العمود الفقري للعمل.

ليلى التي أصيبت بكورونا لتوّها تراسل أبيها المصاب هو الآخر بعدوى الجائحة، ويعيش بعيداً عنها بحكم طبيعة عمله. وعبر رسائل عديدة، حاول الأب دفع القلق بعيداً منها، لكنه في الواقع، ألقى بها إلى أتون عالم صاخب من الخوف والقلق، ومزيج من الشفرات التي يكسرها البشر عبر رحلتهم الطويلة، في سبيل العيش المشترك.

 

في رسالته الأولى إلى ليلى، أمسك الأب بطرف الخيط، وروى الحكاية من بدايتها، فيقول إنّ "القلق وُلد منذ 8.13 مليار سنة، مع الانفجار الكبير الذي بدأ معه الزمن وكل شيء".  ومضى يحكي ما حدث في أعقاب الانفجار الكبير، وبداية تشكّل الكون، والكرة الأرضية، عبر مزيج من علوم الفيزياء الكيمياء والأحياء.

 
يحكي الكتاب قصة الكون والبشر بداية من الانفجار العظيم

بسَّط نظرية التطور بتجرد، وقدم شروحات متقنة يفهمها بجلاء القارئ غير المتخصص، وانطلق من تتبع رحلة الإنسان العاقل قبل 300 ألف عام تقريباً، ثم شرح نظرية الوراثة لمندل، ولاحقاً أوضح الطريقة التي تطورت بها الحيوانات والنباتات، التي نجح الإنسان في تدجينها.

 

ومن اللافت أن "الطاقة" كانت "البطل المادي" في قصة البشر منذ البداية، هي المحرك لكل شيء على كوكبنا، منذ ظهور الكائن وحيد الخلية، قبل نحو ثلاث مليارات سنة، حيث استعان بضوء الشمس، لإتمام عملية التمثيل الضوئي، وفي ما بعد أصبحت الطاقة دافع جميع الكائنات للحصول على الغذاء، ووقود البشر لبناء المدن، والدول، والتوسع في الإمبراطوريات في ما بعد، وغيرها من الحاجات المادية في عالمنا الحديث.

 

ثلاث شفرات

ثمة عدد من الشفرات كان رابطاً مهماً بين فصول الكتاب، يمكن اعتبارها "البطل الخفي" في هذا العمل، بحسب وصف أبو الحسن، باعتبار أنّ الشفرة هي تعبير عن المعلومات بصورة رمزية، وبالتالي فهي تشمل أشياء غير مادية لا نراها أو نستطيع الإمساك بها، مثل شفرة اللغة أو الأعداد، وبفضل كسر الشفرات، وابتكار شفرات جديدة، استطاع البشر المضي في طريق الحضارة.

 

ومن بين جميع الشفرات التي احتشدت في الكتاب، يضع المؤلف ثلاث شفرات في مكانة خاصة، الأولى "الشفرة البيولوجية"، التي تكمن في الـ"دي إن إي"، وهي بمثابة "شفرة الحياة"، فبفضل هذه الشفرة البسيطة، انتقلت المعلومات الحاملة لصفات الكائنات الحية المختلفة من خلال الجينات وعبر الأجيال.

 
 تنتقل الصفات الوراثية عبر الأجيال من خلال الـ "دي إن إي"

الشفرة الثانية هي اللغة، والتي تأسست عليها كل الشفرات الأخرى، إذ تطورت من لغة الإشارة باليد إلى الإشارات الصوتية، وبخلاف الحيوانات أصبحت لغة البشر شفرة كاملة، تستطيع توصيل المعلومات والأفكار المعقدة بسلاسة مذهلة.

 

ويقول أبو الحسن إنّ "الدماغ هو جهاز اتصال، فضلاً عن كونه آلة لتوقع المستقبل، وربما ظهر التفكير والوعي في الأصل من أجل تعزيز  القدرة على الكلام".

 

قد تدهشنا عبقرية شفرة اللغة، لكنها كانت طريقاً لظهور شفرة أخرى فائقة العبقرية، وهي تشكيلنا الاجتماعي، وهو الشكل الأكثر تعقيداً وغرابة، إذ إنّ معظم البشر قادرون على التعايش في جماعات كبيرة، قد تصل إلى أكثر من مليار إنسان (كما هو الحال في الصين والهند)، ويحكمها نظام دقيق، وهذه المزية لا تتوافر لغير البشر  بين جميع الثدييات والرئيسيات.

 

"التشكيل الاجتماعي" هو الشفرة الثالثة التي أشار إليها أبو الحسن، وكانت مبعث تساؤل كبير، أجاب عنه، إذ وصفها بأحد أهم الشفرات التي ابتكرها البشر، باعتبار أنّ المجتمع البشري، بتعقيده وقدراته، هو أعظم منجز إنساني، وقد صارت هذه الشفرة ممكنة فقط من خلال أدوات وتكنولوجيات اجتماعية اخترعناها، مثل: السلام باليد، والنقود، وغيرهما، وبفضل هذه الشفرة يتشكل عالمنا اليوم من روابط عديدة، مثل: الدين، والثقافة، واللغة، والدول الوطنية الحديثة.

 

الحضارة وأسرار الإمبراطورية

تحظى الشفرة الاجتماعية بمكانة كبيرة في قصّتنا، وفي هذا المنحى أسهب الكاتب في شرح تكوّن المجتمعات البدائية ارتباطاً بنشأة الزراعة، والحاجة الملحة للتعاون بين البشر، فبزغت القرى، ومن بعدها المدن الأكثر تعقيداً، ثم لم تلبث أن ظهرت الدول اعتماداً على الأنهار، فنشأت الحضارات الأولى في بلاد الرافدين، حول نهري دجلة والفرات، وفي مصر على ضفاف نهر النيل، فضلاً عن حضارتي نهري السند والغانج بشبه القارة الهندية.

 

وبعد تشكل الإمبراطوريات الضخمة، يستعرض الكاتب شفرات تشغيل تلك الإمبراطوريات، فيرى في القوة والتسامح مسوغ بقاء أي إمبراطورية، وأن العنف يجب أن يكون بمقدار يردع ولا يقتل الرعايا الذين يمدون الإمبراطورية بالطاقة.

 

يعرج المؤلف إلى شفرة الزلطتين، التي لخصت ديمقراطية أثينا، بعدما منح سكان المدينة -باستثناء العبيد والنساء- حق التصويت بزلطة سوداء وأخرى بيضاء، كما دشنت أثينا نظاماً قضائياً، وبفضل هذه الحضارة هزم الفرس، لكن نموذج الديموقراطية الملهم انتهى على يد الإسكندر الذي غزا الشرق في مغامرة كبرى، وقت ذاك تفتت الإمبراطورية الضخمة على مذبح التوسع غير المحسوب.

 
يستعرض الكتاب شفرات تشغيل الإمبراطوريات الضخمة


نماذج أخرى متباينة من "نظم تشغيل" الإمبراطوريات استعرضها الكتاب كامبراطورية "ماوريا" الهندية التي بدأت بالعنف والمكيدة، وانتهت إلى حالة من السلام في عصر "أشوكا" الذي اتسم عهده بالعطف الإمبراطوري، وعلى النقيض انتهج الصينيون عنفاً وصل إلى حدّه الأقصى، لكن تبقى البيروقراطية هي الملمح الأهم في "الشفرة الاجتماعية" الصينية، إذ بقيت طبقة الموظفين محرك الحكم لآلاف السنين.

 

الإمبراطورية الرومانية أيضاً وصلت لأوجّ القوة والتقدم، بعدما سيطرت على البحر المتوسط في سابقة أولى، جعلتها تحكم قبضتها على حركة التجارة ثم أفل نجمها، لكنّ ثمة سبباً يجمع وصول الإمبراطوريات إلى النهايات المحتومة، بحسب ما يرى الكاتب، يتمثل في الإجبار واستعباد البشر، الأمر الذي يحدّ من روح التعاون الطوعي بين الجماعة البشرية. وهذه الروح تكمن داخلها ينابيع الإبداع والخيال.

 

قمّة الهرم

عند الفصل الأخير من الكتاب "انفجار الأفكار"، نكون قد وصلنا إلى قمة الهرم، بعدما انتهينا من اللغة والتاريخ والاجتماع، بحسب بناء الكتاب المستند إلى هرمية العلوم، إذ يركّز المؤلف في هذا الفصل على العقائد الفلسفية اليونانية والرومانية، وكذلك الديانات الآسيوية كالبوذية، والبراهمانية، والكونفوشية، وصولاً إلى الديانات التوحيدية (اليهودية، والمسيحية، والإسلام).

 
 الديانات التوحيدية هي أقرب نقطة فكرية وروحية في العالم

ويعتبر أبو الحسن أنّ "الديانات التوحيدية هي أقرب نقطة فكرية وروحية في العالم القديم إلى عالمنا كما نفهمه ونعيشه اليوم"، ويقول: "لقد تابعنا قصتنا وهي تتحرك من انعدام اليقين، شيئاً فشيئاً إلى يقين أكبر. الأديان التوحيدية قفزة مهمة في هذا الاتجاه الكبير نفسه".

 

في النهاية، يتساءل الكاتب عن مستقبل البشر، هل ثمة مزيد من الأفكار والتعقيدات؟ وعن أي شفرة جديدة يُماط اللثام؟ هل سنصبح أمام "وعي إلكتروني"، وتنتهي الهيمنة البشرية على الكوكب مستقبلاً؟

 

أخيراً، ماذا لو قرأ  كتاب أبو الحسن هذا الكائن الفضائي الذي أدهشته التحولات على سطح كوكبنا؟ هل سيتبدد الاندهاش، ويتحول إلى معرفة أوسع بقصتنا التي بدأت بسيطةً للغاية، في صورة الكائن وحيد الخلية، ثم صارت أكثر تعقيداً وتركيباً، إلى أن وصلنا إلى عالم تحتشد فيه الأسئلة الكبرى؟

 

قد تكون ثمة إجابات جديدة عن هذه الأسئلة الكبرى، عندما يصدر الجزء الثاني من الكتاب، الذي يتناول قصّتنا بداية من العصور الوسطى وصولاً إلى العصر الحديث، تبعاً لما قاله أبو الحسن لـ"النهار العربي".

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/11/2026 12:45:00 PM
قوة الدولار وارتفاع الذهب معاً "دليل على قلق عالمي".
ايران 4/12/2026 6:50:00 AM
وزير الخارجية الباكستاني يدعو الولايات المتحدة وإيران إلى مواصلة الالتزام بوقف إطلاق النار
تحقيقات 4/12/2026 9:22:00 AM
تتعامل وزارة الصحة مع هذا الملف بتكتم شديد وعدم الإفصاح عن أرقام الجثث المجهولة الهوية. فالقضية معقّدة، تتداخل فيها صلاحيات جهات عدة.