مصريات ينشرن صورهنّ بالحجاب وبدونه "رفضاً للوصاية الذّكورية"
في الآونة الأخيرة، نشرت فتيات وسيدات مصريات صورهن بالحجاب وبدونه، على نحو يبدو منه أنهن يعقدن مقارنة بين مظهرهن قبل خلع الحجاب وبعده، وتم بث معظم تلك الصور في "غروبات" نسوية مغلقة بموقع "فايسبوك"، تجنباً للصدام مع المجتمع المحيط بهن، لكنّ عدداً قليلاً للغاية منهن تجرأ ونشر تلك الصورة المقارنة على صفحته الخاصة.
معظم المشاركات في النشر لا يتطرقن إلى الحديث عما إذا كان الحجاب فرضاً دينياً أم لا، لكنهن يعترضن بوضوح على "الإهانات" و"الاعتداءات" و"التهديدات" التي بتن يتعرضن لها بتزايد، في الآونة الأخيرة، بسبب خلع الحجاب أو عدم ارتدائه من الأساس.
وفي الأيام الأخيرة، كان الحجاب جزءاً من سجالات محمومة في وقائع عدة. وبينما تؤكد المؤسسات الإسلامية الرسمية في كل مناسبة أن الحجاب فريضة دينية ثابتة بنص القرآن، بات الشغل الشاغل لكثير من المهتمين بحقوق المرأة، هو أثر هذا التأكيد المتكرر على سلوكيات نسبة غير قليلة من أفراد المجتمع تجاه غير المحجبات، أو النساء اللواتي قررن خلع الحجاب.
وتصف إحدى السيدات هذه الحالة العامة بأن "كل فرد بالمجتمع، تقريباً، أصبح يعتبر نفسه عضواً في جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وهو سلوك "يثير الرعب في نفوس النساء غير المحجبات" على حد تأكيد أكثر من سيدة وناشطة تحدث إليها "النهار العربي".
قال تعالى :{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا}.الأحزاب (36)#فضائل_الحجاب pic.twitter.com/cgDmcplNju
— الأزهر الشريف (@AlAzhar) June 29, 2022
وتقول الكاتبة المهتمة بحقوق المرأة داليا وصفي لـ"النهار العربي": "إن الجدل حول الحجاب أصبح يثار بكثافة، لأنه كان بداية الحجب والسيطرة الكاملة على النساء خلال العقود الأربعة الماضية. لقد كان الحجاب هو الحلقة الأولى في مسلسل الوصاية الكاملة على المرأة، وهو في الوقت ذاته، سيكون المسمار الأخير في نعش التحكم الذكوري في النساء".
وخلال العقود الأربعة أو الخمسة الماضية، ارتفعت نسبة النساء المحجبات في مصر إلى أكثر من 80%، وجاء هذا مع صعود كبير لتيارات الإسلام السياسي، لا سيما التيار السلفي المتشدد الذي سيطر على معظم المساجد، واخترق المؤسسات الدينية الرسمية في مصر، وفق ما يؤكد متخصصون بتيارات الإسلام السياسي.
ويؤكد معاصرون، كما توضح صورة قديمة، أن غالبية المصريات لم يكنّ يرتدين الحجاب قبل سبعينات القرن الماضي، بمن في ذلك زوجات وبنات شخصيات وقيادات دينية بارزة، وكذلك فإن طالبات الدفعات الأولى في كلية الدراسات الإسلامية في جامعة الأزهر، لم يكنّ يرتدين الحجاب.
حوادث وسجالات
كان آخر الوقائع التي قفز فيها الحجاب إلى واجهة الجدال في مصر، هو فوز بطلة ألعاب القوى المصرية بسنت حميدة بميداليتين ذهبيتين في مسابقات البحر الأبيض المتوسط، وتفجر الجدال بسبب ملابسها الرياضية "القصيرة".
كما ترك البعض جريمة القتل البشعة التي تعرضت لها نيرة أشرف الطالبة في جامعة المنصورة، وبدأ يتحدث عن مصيرها في الآخرة لعدم ارتدائها الحجاب، وثمة من قام بتعديل صورها ببرامج تحرير الصور وألبسوها الحجاب، في سلوك وصفته بعض الحقوقيات بأنه "وصاية على المرأة حيّة وميّتة".
وفي تصريح أثار غضباً عارماً وسجالات واسعة، طالب الدكتور مبروك عطية، الأستاذ في جامعة الأزهر، النساء بارتداء الحجاب والخروج مثل "القفة" إذا كنّ لا يردن أن يتم ذبحهن.
كما شهدت مصر، خلال السنوات القليلة الماضية، الكثير من وقائع الاعتداء على النساء بسبب التخلي عن الحجاب، سواء من قبل أسرهن، أو بأيدي غرباء عنهن، ومن بين تلك الوقائع الاعتداء على الشابة رانيا رشوان التي هاجمها بعض أهالي قريتها بعدما قررت خلع الحجاب، وكذلك الإهانات اللفظية التي تعرضت لها حبيبة طارق الطالبة في جامعة طنطا بسبب ارتدائها فستاناً، وعرفت الواقعة إعلامياً باسم "فتاة الفستان".
هذا بجانب اعتداءات لفظية وجسدية تعرضت لها فتيات وسيدات غير محجبات خلال ركوبهنّ المواصلات العامة، أو أثناء سيرهن في الطرق، فضلاً عن الهجوم المستمر الذي يتعرضن له على مواقع التواصل الاجتماعي.
حريّة زائفة
إيمان شعراوي واحدة من النساء القليلات اللاتي تجرأن على نشر صورهن بحجاب وبدونه على صفحتها الشخصية بموقع "فايسبوك". وقد نشرت صورة لها بالحجاب في عام 2015 وأخرى بدونه في 2022، وبدت "أجمل وأصغر سناً" في صورتها الجديدة، حسبما أكد لها عدد من أصدقائها، وكما ترى هي ذلك بنفسها.
وتقول شعراوي التي باتت من المهتمين بحقوق المرأة بعد تجربتها مع الحجاب لـ"النهار العربي": "ارتديت الحجاب منذ كان عمري 15 عاماً، وبقيت على هذا النحو سنوات طوالاً، إلى أن شعرت أنني أرغب في خلعه، وكان الجميع يؤكد لي أن الحجاب حرية شخصية".
وتضيف السيدة: "عندما خلعت الحجاب، ونشرت صورتي بدونه على "فايسبوك"، فوجئت بهجوم كاسح من المجتمع المحيط بي: أفراد من أسرتي، وجيراني، وزملاء بالعمل، وأشخاص لا أعرفهم على موقع التواصل الاجتماعي، هاجموني بقسوة، وبعضهم استخدم ألفاظاً يصعب على امرأة أن تسمعها، لقد اكتشفت أن الحجاب ليس حرية شخصية، الحرية تكون حين ترتديه فحسب".
وحول سبب نشرها صورها بالحجاب وبدونه على صفحتها الشخصية، تقول شعراوي: "لقد كانت هناك كذبة يتم ترديدها، وكنا نصدقها، كانوا يقولون "أنت أجمل بحجابك"، وحين نشرت الصور للمقارنة، حطمت لهم هذه كذبتهم، الفرق واضح، ولا يحتاج لتعليق".
وتقول السيدة المهتمة بحقوق المرأة: "أردت أن أقيس ردود أفعالهم، وأحللها، وأحاول أن أفهم كيف يفكر الناس من حولي. أردت أيضاً أن أبعث برسالة للنساء: أنتن حرّات، من تريد أن ترتدي الحجاب أو النقاب فهي حرة، ومن تريد أن تخلعه فهي حرة أيضاً".

تكبيل النّساء
ترى داليا وصفي أن "هناك وصاية مجتمعية على حياة النساء كاملة، وليس على ملابسهن فقط، ولكن أول ما يظهر للإنسان هو المظهر الخارجي، فإذا كان يدل على ثقافة أو اتجاه أو فكر محدد، فهذا يدل إلى التزام هذا الشخص وانتمائه لهذه الفئة أو الثقافة، وهذا بالضبط هو ما تحاول جماعات (سياسية دينية) محددة إثبات وجودها من طريقه. تلك الجماعات المتطرفة تحاول ترسيخ مظهر محدد للنساء، وللرجال أيضاً، لمجرد إثبات وجودها وسيطرتها على المجتمع".
الموقف الذي بدأت بعض النساء باتخاذه ضد وصاية المجتمع عليهن، تفسره الكاتبة بأنه "نتاج زيادة الانفتاح على العالم الخارجي، فالمرأة بعدما كانت يتم تلقينها أنها "جوهرة مصونة"، أو "قطعة حلوى" ويجب أن تكون مرتدية للحجاب حماية لها من "الحشرات والذئاب"، رأت أن فتيات ونساء العالم المتحضر يسرنَ بحرية بدون حجاب، ولا يجرؤ "الذباب" على الاقتراب منهن، لذا اقتنعت بأن الفتاة ليست مجبرة على أن تغطي نفسها، بل يجب رش "الذباب"، كما علمت أنها إنسان كامل ومسؤول، وليست قطعة حلوى أو شيئاً يجب تغليفه".

"شعار سياسي"
تقول الشابة المصرية هدير سامي لـ"النهار العربي": "ارتديت الحجاب وكان عمري 13 عاماً، واتخذت الخطوة بمحض إرادتي. كنت طفلة وأستمع إلى عمرو خالد، وكانت معظم الفتيات من جيلي يرتدين الحجاب، واعتقدت أنني بذلك أتقرب إلى الله، لكن بمرور الوقت، تغيرت قناعتي كثيراً، ورأيت صوراً لأمي وهي في عمري نفسه، فوجدتها غير محجبة، وكانت ترتدي فساتين وملابس جميلة".
وتضيف سامي: "اكتشفت أن الغرض من الحجاب كان رفع شعار سياسي على رؤوس النساء، لإظهار جماعات دينية معينة أكثر حضوراً وقوة في الشارع المصري. لقد تعرضت وجيلي إلى غسيل مخ. لذا خلعت الحجاب بعدما سافرت إلى الخارج، وأبقيت الأمر سراً، لم أنشر صوري بدون حجاب على مواقع التواصل الاجتماعي خلال تلك الفترة، لأنني كنت أخاف من رد فعل المجتمع، لكن بعد نحو عام من خلعه، نشرت صورتي بدونه، وحدث ما كنت أخشاه".
صدمت الشابة من ردة الفعل، وتقول: "لامني أفراد من أسرتي، لأنهم يخشون من انتقادات المجتمع المحيط بهم، وتعرضهم للإحراج، كما هاجمني أشخاص لا علاقة لي بهم، ولا أعرف كيف أتتهم الجرأة للتدخل في أمر يخصني بهذه الصورة".
وترى هدير سامي أن "ردة الفعل العنيفة هذه تحدث فقط عندما تتخلى النساء عن أحد المظاهر الدينية المتمثلة في الحجاب، لكن حين يتخلى الرجل المتدين عن لحيته، أو يخلع جلبابه، لا أحد ينتقده، هذا أمر يستفزني كامرأة تحترم نفسها".
نبض