"نهاية حزينة"... إزالة العائمات تكتم آخر الثرثرات فوق نيل القاهرة
الساعة التاسعة صباحاً، السبت الفائت: سيارة ضخمة تنتظر قبالة العائمة الرقم 39، في شارع كورنيش النيل بمنطقة الكيت كات... تتحرك مجموعة من العمال بين السيارة والعائمة، ينقلون الأثاث، وما تبقى من أغراض السكان بهمم خائرة، تلائم الأجواء الكئيبة التي تغمر المكان.
يكتب هذا المشهد البائس، نهاية حزينة لثرثرة لم تنقطع فوق نيل القاهرة منذ أكثر من مئة عام، كان أبطالها نجوم المجتمع، فيما كان مسرح الحكايات، تلك العائمات الرابضة على صفحة النهر، التي قررت السلطات المصرية أخيراً إزالتها من أماكنها.
والعائمات النيلية شاهدة على تاريخ مصر الحديث، إذ جرت على متنها وقائع تاريخية، لعل أشهرها "قضية الجاسوسية لصالح الألمان"، التي اتهم فيها الرئيس المصري الراحل أنور السادات، وكانت عائمة الراقصة حكمت فهمي مسرح أحداثها، وكذلك كانت عائمة منيرة المهدية المكان المفضل لاجتماعات الوزارء في مطلع القرن العشرين.
كما خلَّد منتوج الروائي العالمي نجيب محفوظ، العائمات النيلية في الوجدان الشعبي، كما كتب في رواية "ثرثرة فوق النيل" التي تحولت لفيلم سينمائي خالد، وكذلك الإشارات المتكررة للعائمات في "قصر الشوق"، إحدى روايات ثلاثيته الشهيرة.
وفي المقابل تركت العائمات بصمتها أيضاً على محفوظ، إذ عاش في إحداها لبعض الوقت، وأنجب فيها ابنته الكبرى، لكنه غادرها بعد حادثة غرق وقعت لطفلة، بحسب ما أورد الكاتب الراحل عصام نبيل في دراسة أعدّها عن العائمات النيلية، نشرها في مدونته.

لماذا الآن؟
تقول الرواية الرسمية، التي تسوّغ قرار الإزالة، إن جميع العائمات الثلاث والثلاثين، المتبقية في منطقة العجوزة والكيت كات، ترسو بالمخالفة للقانون، إذ لا تمتلك أية منها التصاريح اللازمة، فضلاً عن أن السلطات المعنية أمهلت السكان نحو عامين لتوفيق أوضاعهم.
في المقابل يستنكر السكان هذه الرواية، مؤكدين أن أوضاعهم كانت قانونية، حتى قررت الحكومة إيقاف التراخيص.
هذه الإزالة التي تتعرض لها العائمات، لم تكن الأولى، إذ قرر وزير الداخلية الأسبق زكريا محيي الدين عام 1966 نقل كل العائمات من منطقتي العجوزة والزمالك، إلى منطقة إمبابة، وأغضب القرار حينها الأثرياء، ورفضوا الانتقال إلى حي شعبي، وقرر بعضهم بيع عائماتهم بثمن بخس، وكان هذا هو الصدع الأول في مجتمع العائمات في القاهرة.
على مدار السنوات، انحسر عدد العائمات السكنية، ليتقلص عددها من حوالى 500 عائمة إلى نحو 33، أخيراً. ورغم هجران بعضها، إلا أن بعض الأسر بقيت تسكن عدداً من العائمات الراسية في منطقتي الكيت كات والعجوزة، حتى قامت السلطات بسحبها من مكانها، إذ بدأت أعمال الإزالات بداية من يوم 18 حزيران (يونيو) الفائت، ولا تزال مستمرة، وفقاً لبيان رسمي من وزارة الري.
ويقول رئيس قطاع تطوير وحماية نهر النيل المهندس علاء خالد لـ"النهار العربي" "إن الإزالات مستمرة"، مستحسناً قيام بعض الملاك بسحب عائماتهم من تلقاء أنفسهم، لكنه أكَّد "أنّ لا تهاون في سحب جميع العائمات، وإزالة المراسي".
وفي الاتجاه ذاته، قال رئيس الإدارة المركزية لحماية النيل المهندس أيمن نور "إنّ العائمات التي تتم إزالتها، تقع تحت بند "الرسو المخالف"، موضحاً أن ثمة تصريحين يتم إصدارهما حتى يكون وضع العائمات قانونياً، الأول يصدر للمرسى الذي تقف عنده العائمة، بينما الآخر يصدر للعائمة ذاتها".
وأضاف نور، في تصريحات متلفزة أنّ أقدم عائمة نيلية حصلت على ترخيص للمرسى عام 2011، وفي عام 2016 تمت مخاطبة ملاك العائمات، لقوننة أوضاعهم، ولم يأتِ أحد، وفي 2020 صدرت توجيهات رئاسية بالتعامل مع وضع العائمات النيلية، ومُنح الملاك مهلة عامين للتحرك بالعائمات من أماكنها.
وتتبع العائمات النيلية ثماني جهات مختلفة: إدارة الملاحة، الوحدة المحلية في الجيزة، إدارة حماية النيل، شرطة المسطحات المائية، وزارة الري، أملاك الدولة، الصرف الصحي، وزارة السياحة.
وبحسب تصريحات رئيس الإدارة المركزية لحماية النيل، فقد شُكلت لجنة من جميع الجهات، برئاسة وزير العدل، وأن السلطات ستتحفظ على العائمات بعد سحبها، لحين تسديد مديونيات مُلاكها.
ماذا يقول السكان؟
انتقلنا إلى داخل العائمة الرقم 39 السبت الفائت، قبل سحبها يوم الاثنين، والتقينا بمالكتها، منار الهجرسي، التي قالت إن ما يردده المسؤولون عن موقفهم القانوني عبارة عن "مغالطات"، إذ إنها قامت بتجديد آخر تصريح للعائمة عام 2020، فيما "رفضت محافظة الجيزة تجديد التراخيص بعد هذا التاريخ".

صورة تصريح عائمة منار الهجرسي
وأضافت الهجرسي لـ"النهار العربي" أنّ السلطات عرضت عليهم تحويل العائمات من سكنية إلى سياحية، وعندما حاولت السير في إجراءات التحويل، اكتشفت أن "ثمة عوائق تعطل هذه الإجراءات"، موضحة أن جميع الحلول التي تقترحها السلطات "وهمية، بما فيها سحب العائمات، كون هذه العملية تتطلب فتح الكباري، للمرور من تحتها، وهو إجراء آخر معقد للغاية".
وتقول مالكة العائمة بأسى: "بعدما كنت أعيش مع والديّ بأمان في بيتي الذي اعتنيت بكل تفاصيله، وأقوم بتجديده باستمرار، الآن فقدنا الآمان تماماً"، مشيرة إلى أن عائمتها شهدت تصوير فيلم "أيام وليالي"، عندما كانت مسرح تصوير أغنية عبد الحليم حافظ الشهيرة "أنا لك على طول".
وعن الإجراءات التي يعتزم ملاك العائمات اتخاذها، تشير الهجرسي إلى أن "جميع السكان تجمعهم روح التعاون للعبور من هذه الأزمة، كما أنهم يستعدون لرفع دعاوى قضائية، لتعويضهم عن سحب العائمات".
نزاع متصل
وفي ذات السياق، نشرت الكاتبة المصرية ليلى سويف، وهي أحد قاطني العائمات، عدداً من المقاطع المصورة عبر "فايسبوك"، تحدثت فيها عن الموقف القانوني للعائمات السكنية، فتقول "إن أصحاب العائمات تقدموا بطعون قضائية على قرارات الإزالة، وأخطروا بها جميع الجهات المعنية"، منوّهة بأنّ "الإزالة تكون غير قانونية في هذه الحال".
وتابعت سويف في معرض ردّها أنّ "العائمات بحالة جيدة، وليست متهالكة، على عكس ما يروجه المسؤولون في وسائل الإعلام"، و"حصلنا على تصاريح تفيد بسلامتها"، فضلاً عن أن "العائمات لا تتسبب في أي تلوث للنيل، كونها متصلة بجميع المرافق العامة بما فيها الصرف الصحي، ولا يتم إلقاء أي مخلفات أو نفايات في النهر".

وثيقة حكومية تفيد بسلامة إحدى العائمات
وفي ما يتعلق بالمديونيات، تشير الكاتبة المصرية إلى أن ثمة مبالغات في قيمة تجديد تصاريح الرسو، فبعدما كانت تدفع 3 آلاف جنيه مصري في عام 2015، قفزت القيمة إلى 45 ألف جنيه عام 2016 من دون أي إخطار مسبق، ثم ارتفعت مجدداً إلى 72 ألف جنيه عام 2018، ما اضطر السكان إلى اللجوء للقضاء.
وفي اتصال هاتفي، أكدت سويف لـ"النهار العربي" سحب عائمتها يوم الاثنين، لافتة إلى أنها تعتزم خلال الفترة المقبلة تسوية المديونيات المفروضة على العائمة، فضلاً عن المضي في اتخاذ الإجراءات القانونية.
تحركات برلمانية
البرلمان المصري دخل على خط الأزمة، عندما تقدمت أمينة سر لجنة العلاقات الخارجية أميرة صابر ببيان عاجل، تطلب فيه "إجراء تصحيح فوري للوضع، من طريق وقف قرار الإزالة، وبحث إمكانية نقل السكان لسكن بديل، والاحتفاظ بذلك الفصل من تاريخ المدينة".
ورداً على سؤال "النهار العربي" عن جدوى البيان العاجل الذي تقدمت به، بعد المضي في إزالة العائمات النيلية، قالت صابر إنها قامت بدورها البرلماني كنائبة، وتقدمت بالبيان العاجل، وهذه هي حدود وظيفتها البرلمانية، كونها لا تمتلك صلاحيات تنفيذية.
كما تقدّم النائب عبدالله أحمد عبدالله، بطلب إحاطة أيضاً لوزير الري، بشأن إزالة العائمات النيلية، وبخاصة السكنية منها، متعجباً من إزالتها بحجة التلوث، وترك العائمات التجارية والسياحية من دون إزالة!
وقال عبدالله: "إذا كان المبرر عدم وجود تراخيص، فالحكومة هي من أوقفتها عام 2020".
رغم التحركات البرلمانية، ورفض سكان العائمات قرارات الإزالة، استكملت السلطات إزالة العائمات وسحبها من المراسي يوم الاثنين، فيما ينتظر السكان معركة جديدة، تتمثل في تسوية المديونيات المتراكمة، بعد وقف التراخيص، على أمل أن يجدوا مرسى جديداً، يساعدهم في استعادة عالمهم الخاص، الذي تبدد، ولم يتبقَ منه سوى أطلال المراسي.
نبض