03-09-2022 | 14:28

مقبرة طه حسين تثير الغضب والتكهنات... خرائط "غوغل" تكشف ما يحدث

ما الذي يحدث بالضبط في محيط مقبرة طه حسين؟ وما مصيرها في ظل نفي رسمي لأنباء هدمها؟ ومن يحمي المقبرة من الإزالة؟
مقبرة طه حسين تثير الغضب والتكهنات... خرائط "غوغل" تكشف ما يحدث
Smaller Bigger

يوم 20 حزيران (يونيو) من عام 1953، فوجئ عميد الأدب العربي طه حسين أنه مدعو لإلقاء كلمة في مؤتمر الحضارة والسلام بمدينة فلورنسا الإيطالية، إذ كان يحضره ممثلاً لمصر. وقف الرجل الذي لم يكن قد أعدّ كلمته، وتلا على الحضور دعاء للنبي محمد.

 

جاء في الدعاء فقرة قال عنها العميد للحضور، إنها بقيت دائماً أمام ناظره، تضيء له الطريق في حياته كلها، إذ تقول: "اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أعلنت وما أسررت، أنت إلهي لا إله إلا أنت".

 

انتهت الكلمة بتصفيق واحتفاء واسع من الحضور، لكن قصّة عميد الأدب العربي مع هذا الدعاء لم تنتهِ عند هذا المحفل الدولي، فقد حرص على أن يرافقه الدعاء في مرقده الأخير، فأوصى بأن يُكتب فوق لوحة رخامية، تُعلق في مقبرته بمنطقة الإباجية، جنوب القاهرة، وهي المقبرة التي ثار حولها الجدل أخيراً، بعدما وضعت عليها علامات باللون الأحمر تنذر بإزالتها.

 

فما الذي يحدث بالضبط في محيط مقبرة طه حسين؟ وما مصيرها في ظل نفي رسمي لأنباء هدمها؟ ومن يحمي المقبرة من الإزالة؟

 

  

خرائط "غوغل"

بدأ الجدل حول هدم مقبرة طه حسين في منتصف شهر أيار (مايو) الفائت، عندما دشن أثريون ونشطاء في مجال الحفاظ على التراث حملة تستهدف منع إزالة المقبرة، بعدما وضع على واجهتها وعدد من المقابر الأخرى علامات "X" حمراء، تمهيداً لإزالتها بسبب إنشاء محور طرق جديد في المنطقة.

 

نفت السلطات حينها هذه الأنباء، ورغم النفي الرسمي، استمرت الإزالات حول مقبرة العميد، من دون المساس بها، لكن الجدل اشتعل مجدداً بعد كتابة كلمة "إزالة" على واجهة المقبرة قبل أيّام.

 

ارتبطت إزالة المقابر في هذه المنطقة، الواقعة أسفل جبل المقطم، بأعمال تطوير واسعة تجرى هناك، من بينها إقامة محور يحمل اسم الكاتب الصحافي الراحل ياسر رزق، ويربط عدداً من المحاور والطرق الرئيسية في القاهرة ويصل منطقة المقطم بوسط المدينة.

 

وفي الأول من تموز (يوليو) الماضي، تفقد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أعمال التطوير في منطقة المقطم، واستعرض المسؤولون عن مشروع محور ياسر رزق، خرائط توضح مساراته.

 

تكشف الخرائط مسار محور ياسر رزق

 

تكشف الخرائط التي نشرتها وسائل إعلام محلية أن المحور يرتبط بكوبري الدكتور صلاح الشاذلي، وطريق الأوتوستراد، وهي النقطة التي يمر عندها مسار المحور خلف مسجد ومقام السادة الوفائية، حيث تقع مقبرة طه حسين.

 

توضح خرائط "غوغل" وقوع مقبرة طه حسين في مسار أعمال إنشاء المحور
 

تحققنا من موقع مقبرة طه حسين التي لا يوجد لها موقع على خرائط "غوغل"، لكن بزيارتها أمكن تحديد موقعها، من طريق خاصية تحديد الموقع اللحظي، وتبين أن الموقع قريب من مسار المحور الذي كشفت عنه الخرائط المنشورة في وسائل الإعلام المحلية.

 

 وفي حديثه الى "النهار العربي" لم يعول الباحث في العمارة والتنمية العمرانية المهندس عمرو عصام على دقة الخرائط المنشورة، كونها لا تحمل تفاصيل دقيقة، إذ يقول: "لكي نعرف مسار المحور على وجه التحديد، لا بد من أن تتيح الجهات الرسمية خرائط مساحية تفصيلية، توضح جميع معالم المكان، وهذا أمر لا يحدث بسهولة".

 

وبعد الضجة التي أثيرت حول المقبرة، يُرجح الباحث في العمارة والتنمية العمرانية أن "يتم تفادي هدمها من طريق حلول هندسية، وهناك وقائع شبيهة، مثل أن يدور المحور حول المقبرة، أو أن يمر الكوبري (الجسر) أعلاها من دون هدمها، وربما يكون النفي تهدئة للرأي العام، وسيتم الهدم في النهاية".

 

ويردف عصام: "حتى إذا تم توفير حلول هندسية ولم تهدم المقبرة، تبقى الإشكالية الرئيسية في أن الإنشاءات القائمة، سوف تفقد الموقع خصوصيته الدينية والتاريخية، كما حدث مع قناطر ابن طولون، بعدما تم بناء كوبري (جسر) أعلاها، فأُخرجت من سياقها التاريخي على الفور، ويمكن تشبيه الأمر بشخص يعزف بيانو في ميدان رمسيس، هل هذا هو السياق المناسب؟!".

 

مقبرة طه حسين من الخارج
 

غضب ونفي

دخلت أسرة طه حسين على خط الأزمة، إذ طالبت بنقل رفاته إلى فرنسا، احتجاجاً على أعمال الإزالة، قبل أن تنشر الدكتورة مها عون، نجلة حفيدته، بياناً صحافياً، يوم الجمعة، أعلنت فيه التراجع عن الدعوة لنقل رفاته، لكنها لم تخفِ استياءها من غياب الشفافية في تعامل السلطات مع أسرة العميد، وعدم الرد على تساؤلاتهم المتكررة على مدار أشهر بشأن مصير المقبرة.

 

 

في المقابل، نفت محافظة القاهرة وجود أي نوايا لهدم المقبرة، إذ نشرت بياناً رسمياً أمس الجمعة، عبر صفحتها بموقع "فايسبوك"، تؤكد فيه عدم صحة ما يتم تداوله عبر المواقع الإخبارية والمنصّات الاجتماعية، بشأن إزالة مقبرة عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، ضمن أعمال التطوير التي تجرى بالمنطقة.

 

 

أعقب النفي الحكومي، طمس العلامات الحمراء من على واجهة مقبرة طه حسين، لكن نفي محافظة القاهرة لم يرفق معه خرائط تفصيلية تؤكد عدم مرور مسار المحور الجديد في موقع المقبرة، ولم تشرح سبب كتابة كلمة إزالة فوق المقبرة، وهدم المقابر من حولها. كل ما حدث هو صدور بيان نفي، وطمس للعلامات الحمراء.

 

من يحمي المقبرة؟

ثمة تساؤل يبرز من بين هذا الجدل، وهو ما هي الجهة المعنية بحماية مقبرة طه حسين؟ توجهنا بالسؤال إلى رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، التابع لوزارة الثقافة، المهندس محمد أبو سعدة، الذي قال لـ"النهار العربي" إن "حماية المقبرة لا تقع في إطار مسؤولية الجهاز، إذ إن اختصاص الجهاز ينصب على حماية البنايات ذات الطابع المعماري المميز".

 

ويشير أبو سعدة إلى أن "هناك مقابر لشخصيات شهيرة تخضع لحماية الجهاز، لاحتوائها على عناصر معمارية مميزة، وليس لكونها مقبرة أحد المشاهير"، لكنه يشدد في الوقت ذاته على "ضرورة عدم إزالة مقبرة طه حسين، لما يمثله من قيمة كبيرة لمصر".

 

ويوضح رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري أنّ "ثمة 3 مستويات من الحماية تخضع لها البنايات التراثية، مستوى (حماية أ)، حيث يتم الحفاظ على المبنى من الداخل والخارج، ومستوى (حماية ب)، يسمح فيه بالتعديلات الداخلية، مع الحفاظ على الواجهة الخارجية، أمَّا مستوى (الحماية ج) قد يصل إلى الهدم الكامل من الداخل مع عدم المساس بالواجهة، وهذه الحالة تتعلق بالحفاظ على النسيج العمراني، مثلما يحدث في القاهرة التاريخية والخديوية".

 

على الجانب الآخر، يقول الباحث الأثري معاذ لافي، وهو أحد النشطاء في مجال الحفاظ عن التراث: "ما يجري من أعمال إنشائية في هذه المنطقة، يعدّ تعدياً على النسيج العمراني للقاهرة التاريخية، والمسجلة على قائمة اليونسكو لمواقع التراث العالمي".

 

ويضيف لافي لـ"النهار العربي" أن "مقبرة طه حسين لها طابع معماري مميز بالطبع، يكفي وجود اللوحة الرخامية التي تحمل الدعاء الذي ألقاه في كلمته بمؤتمر فلورنسا عام 1953، وهذا الدعاء كُتب بخط الفنان حسن خالد، وهو أحد الخطاطين المعروفين وصاحب أعمال مميزة، فمن يقول إن هذا الفن وهذه القيمة، لا يجب أن يمنحا الحماية من الهدم؟!".

ويشدد لافي على أنّ المخيف في الأمر أنّ "محافظة القاهرة لا تملك سلطة على هذه الأماكن، بينما الفاعل الحقيقي على الأرض هو الشركات المنفذة للمشروع"، ويرى أنه "قد يأتي مهندس ويرسم خريطة من دون معرفة كافية بأهمية المكان، فتكون النتيجة هدم بنايات ذات قيمة كبيرة".

 

هدم مقابر تجاور مقبرة طه حسين
 

ويكشف الباحث الأثري أنّ "نتيجة لأعمال الإنشاءات في المنطقة، هُدمت مقبرة، تجاور مقبرة طه حسين، وتعود ليوسف صديق، أحد الضباط الأحرار، وواحد من أكبر المدافعين عن الديموقراطية، والمطالبين بعودة الحياة النيابية بعد ثورة 1952، والذي منح الرئيس السيسي اسمه قلادة النيل العظمى عام 2018".

 

ربما يتوقف الجدل حول هدم المقبرة في غضون أيّام، لكن روح عميد الأدب العربي قد تبقى منزعجة، بفعل ما يدور حول مرقده من هدم وتجريف، وفي ظل حالة الغموض التي تغلف الموقف الرسمي، لا يعرف أحد ما إذا كانت الجرافات ستقترب من المقبرة مجدداً، أم إنها ستسلك طريقاً آخر.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/11/2026 12:45:00 PM
قوة الدولار وارتفاع الذهب معاً "دليل على قلق عالمي".
ايران 4/12/2026 6:50:00 AM
وزير الخارجية الباكستاني يدعو الولايات المتحدة وإيران إلى مواصلة الالتزام بوقف إطلاق النار
تحقيقات 4/12/2026 9:22:00 AM
تتعامل وزارة الصحة مع هذا الملف بتكتم شديد وعدم الإفصاح عن أرقام الجثث المجهولة الهوية. فالقضية معقّدة، تتداخل فيها صلاحيات جهات عدة.