06-01-2023 | 05:10

زاد القلوب والبطون... متصوّفة يبوحون بأسرار تعلقهم بـ"موالد الأولياء"

حاولنا سبر أغوار الموالد، تلك الاحتفالات الشعبية، التي تتسم بمظاهر خاصة للغاية، لعل أشهرها ما يعرف بـ"الخدمة"، وهو طقس تقديم الطعام لروّاد المولد، وغالباً ما ترافق خيام الخدمة حفلات الذكر أو الحضرة.
زاد القلوب والبطون... متصوّفة يبوحون بأسرار تعلقهم بـ"موالد الأولياء"
Smaller Bigger

في ميدان مسجد السيدة نفيسة المتسع، كانت الصورة غنية بما يكفي لابتكار مشهد سينمائي بامتياز: صغار يلهون فوق أرجوحة حديدية عملاقة، وشيخ مسن يقدم "نفحات" الشربات للمارة، وإلى جواره سيدة خمسينية تفترش الأرض، تهدي العابرين خبزاً محشواً بالجبن، وفي كل جانب، لا يكف الباعة الجائلون عن النداء، إذ يحملون أشكالاً وألواناً من الحلوى والطراطير والألعاب.

 

وقبل ساعات قليلة من نهاية عام 2022، احتشد آلاف المصريين للاحتفال بمولد السيدة نفيسة سليلة آل بيت النبوة، فهي ابنة الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، إذ يموج الميدان والمنطقة المحيطة بالبشر من كل لون، قاصدين الاحتفالات، إذ تبدأ طقوس المولد قبل نحو أسبوع من الليلة الكبيرة (الختامية).

 

زاد القلوب والبطون

في جولة لـ"النهار العربي" بمولد السيدة نفيسة، حاولنا سبر أغوار هذه الاحتفالات الشعبية، التي تتسم بمظاهر خاصة للغاية، لعل أشهرها ما يعرف بـ"الخدمة"، وهو طقس تقديم الطعام لروّاد المولد، وغالباً ما ترافق خيام الخدمة حفلات الذكر أو الحضرة.

 
يرى المتصوفة في الذكر زاداً للقلوب

 

من ميدان مسجد السيدة نفيسة، دلفنا إلى شارع الأشرف، حيث نُصب عدد من خيام الخدمة، وأمام إحداها كان صوت المديح يتسلل في صخب إلى الآذان. وفي مدخل الخيمة الكبيرة، كان ثمة رجل يدعو الناس في دأب وإصرار عجيبين لتناول الطعام في الداخل، فيقول في حماسة "تفضل، اتنفّح"، و"النفحة" مصطلح يستخدمه المتصوفة للإشارة إلى ما يجود به الناس من طعام أو مال.

 

جاء عبد الحميد الزناتي (52 عاماً) من مركز إدفو بمحافظة أسوان، قبل نحو أسبوع من الليلة الكبيرة لمولد السيدة نفيسة، ومن يوم مجيئه، وهو منهمك في عمل متواصل، ينام قليلاً، نحو ثلاث ساعات بعد صلاة الفجر، ثم يصحو ليباشر مهام الخدمة، بداية من متابعة إعداد الطعام، حتى دعوة الضيوف أمام الخيمة.

 

تردد الزناتي كثيراً قبل أن يتحدث إلينا، خوفاً من ضياع ثواب العمل، على ما يقول لـ"النهار العربي"، لكن ما إن قرر البوح حتى أفاض بعفوية في الشرح والتفصيل. يعمل الرجل جزاراً في بلدته بأسوان، لكنه اعتاد أن يهب نفسه للخدمة في الموالد، إذ يطوف أنحاء البلاد لحضور الموالد.

 

تعرف عبد الحميد الزناتي إلى الموالد في طفولته، وفي مطلع عقده الثالث عرف طريق الخدمة فيها، وفي كل مناسبة كهذه يعهد بعمله إلى أولاده حتى ينتهي المولد. ينفق الزناتي من جيبه، وإذا قدّم له أحد أهل الخير "نفحة" يجود بها على المساكين والشحاذين في طريقه.

 
جاء عبد الحميد الزناتي من مدينة إدفو بأسوان

 

يقول بتأثر: "كثير من أهل الخير يأتون إلينا، بعضهم يقدم المال، والبعض الآخر يتبرع بالطعام. أقوم بتوزيع الأموال على المساكين، ولا أعرف قدر المال الذي تعطيه يدي، هذا رزق أرسله الله إليهم".

 

وعن طبيعة عمل خيام الخدمة يوضح: "نبدأ في تقديم الطعام بداية من الساعة السادسة صباحاً، وحتى الثانية بعد منتصف الليل، وفقاً لإقبال الزوار، حيث نقدم الوجبات الثلاث: الإفطار، والغداء، والعشاء".

 

يستند الزناتي إلى تأويلات دينية في إيمانه بالتطوع بالخدمة في الموالد، فيشير إلى الحديث النبوي القائل: "من آمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه"، إذ يعتبر أن روّاد المولد ضيوفه، فضلاً عن الأثر النفسي الذي يتركه الإطعام على الفقراء، ويقول: "إطعام هؤلاء الناس يعطيهم روحاً معنوية وأملاً في الحياة، نظراً لأنهم محرومون من أمور كثيرة".

 

ثمة خيمة أخرى تقام بها الحضرة، ملاصقة لخيمة الإطعام، دعانا الزناتي لرؤيتها. بمجرد أن تقع عيناك عليها، تجد الرجال والنساء يتمايلون في حالة من الوجد تحت تأثير المديح الصوفي، الذي يشدو به أحد المدّاحين المعروفين، بينما أطباق الطعام تطوف بين الجالسين.

 

وتنتشر في مصر أكثر من 70 طريقة صوفية، يتبع عبد الحميد الزناتي من بينها الطريقة البرهامية. وعن جلسات الذكر يقول: "مثلما نطعم البطون، نعتبر أن الذكر أيضاً طعام القلوب، ولا تتوقف جلسات الذكر عند المدح فقط، لكن ثمة أسئلة دينية يطرحها المريدون على الشيخ، الذي يعتبرونه المربي الروحي لهم".

 
للنساء حضور في الحضرات وجلسات الذكر

 

تأويلات دينيّة

بحفاوة شديدة أصرّ الزناتي على أن يصحبنا في جولتنا داخل المولد، حيث عدنا إلى الميدان مجدداً، ومنه عرجنا إلى خيمة بأحد الشوارع الجانبية، يقيم فيها أحد شيوخ الصوفية، وهو عاطف العسقلاني، الذي عرّف نفسه بأنّه نائب الطريقة الأحمدية المرزوقية عن بيت العسقلاني في مصر، مشيراً إلى أنه ينحدر من أسرة يعود نسبها إلى اثنين من أعلام الصوفية، وهما أحمد بن حجر العسقلاني، وعبد القادر الجيلاني.

 

العسقلاني الذي جاء من محافظة سوهاج بدا في حواره بشوشاً ورصيناً، لم يعكر صفحة وجهه الهادئة سوى الانتقادات التي توجهها التيارات السلفية للصوفية، إذ يقول لـ"النهار العربي": "نحن لا نشد الرحال إلى الموالد، باعتبار أن الرحال لا تشد إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى، لكننا نأتي إلى الموالد للتعارف، اتباعاً للآية القرآنية: ]يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم[".

 

ويضيف العسقلاني لـ"النهار العربي": "نأتي إلى هنا محبة في آل البيت، حيث يجتمع الناس من مختلف الطبقات الاجتماعية ليتعارفوا، فينفق الأغنياء على الفقراء ويطعمونهم مصداقاً للآية القرآنية: ]ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا[".

 

ويؤصل الشيخ الصوفي لحلقات الذكر، فيقول إن تاريخها يرجع إلى عصر النبوة، مستنداً إلى رواية تراثية تقول إنّ صحابة النبي محمد كانوا يذكرون الله في الليل، ويتمايلون كميل النخيل في الريح العاتية، وإن النبي أجاز لهم هذا الفعل.

 

لم تخل أي حضرة من النساء، إذ يشاركن الرجال الذكر والتمايل، وهنا يقول العسقلاني إن "النساء مأمورات بالذكر كما الرجال تماماً". وعن انتقادات بعض المحافظين للاختلاط، يؤكد أن "من ينشغل بذكر الله، تغيب عنه شهوة الجسد".

 
الشيخ عاطف العسقلاني متحدثاً لـ"لنهار العربي"

 

الولع بالأولياء

بعدما انتهينا من لقاء العسقلاني، كان الليل قد انتصف، وبدأ المولد يفرغ من الزوار الراغبين في التسلية والترويح، ولم يبق غير المريدين من المتصوفة.

 

قصدنا إحدى خيام الحضرة، وكانت مشتعلة بالمديح والتمايل، وفي ما يبدو لم ترحب أعين البعض بوجود زائر غريب، لكن سرعان ما تغاضت الأعين، لينغمس الجمع مجدداً في التمايل على كلمات المديح.

 

وبالقرب من المدّاح، وقفت سيدة ثلاثينية بدت انفعالاتها لافتة، تشجعه بانفعال وتأثر بالغين، فيما كان زيها غريباً بعض الشيء، إذ كانت ترتدي عمامة سوداء فوق شال أخضر.

 

هذه السيدة هي نفيسة جامع، وتقول إنّها تتبع الطريقة الشاذلية تأثراً بوالدها، الذي يعدّ من الأولياء وله ضريح بإدفو في أسوان، حيث جذورها، لكنها الآن من سكان القاهرة، وهي لا تترك مولداً إلا وتكون حاضرة، كما أنها تهيم عشقاً بالحضرة وحلقات الذكر، على حد قولها.

 

وبينما كانت نفيسة تتحدث لـ"النهار العربي"، سرت قشعريرة مفاجئة في جسدها وأخبرتنا أن سيدنا الحسين حضر معها الآن. وتكمل حديثها: "لديّ علاقة خاصة بأولياء الله الصالحين، وعلى وجه الخصوص سيدنا الحسين، فعندما كنت في الخامسة عشرة من عمري، أٌصبت بداء أعجزني عن الحركة، ورغم ترددي على الأطباء إلا أن شفائي كان على "يد" سيدنا الحسين".

 
شيخ يقدم نفحات الشربات للمارة

 

تتابع: "في أحد الأيّام ذهبت بي أمي لزيارة ضريح سيدنا الحسين، بعدما يئسنا من الأطباء، وهناك غفوت لنحو خمس عشرة دقيقة، وبعدما استيقظت غادرني الداء وشفيت تماماً".

 

 ويستبد هذا الولع بنفيسة إلى حدّ أنها قررت نقل محل عملها إلى شركة الأمن المكلفة بتأمين مسجد الحسين، حتى تبقى إلى جواره طوال اليوم.

 

أمّا عن علاقتها بالمولد، فتقول إنها في خلال أسبوع المولد، تظل تطوف بين حلقات الذكر، وخيام الخدمة، وتسامر أصدقاءها حتى شروق الشمس، ثم تذهب إلى بيتها لتنام نحو ثلاث ساعات، ثم تستيقظ لتطهو الطعام وتأتي لتوزيعه على ضيوف السيدة نفيسة، التي أسماها والدها باسمها تيمناً بها.

 

ورغم ما يطرأ على المجتمع المصري من حداثة وتغيير، إلا أن الصوفية بطقوسها لا تزال مستقرة في أعماق بعيدة داخله، وتظل هذه الحالة في حاجة دائماً إلى التوثيق والبحث. وربما من ألمع الجهود الأدبية في توثيق طقوس الموالد في مصر، رواية "أيام الإنسان السبعة" للأديب الراحل عبد الحكيم قاسم، إذ تضع القارئ في القلب من هذه الحالة، التي لا تموت أو تذبل.

 

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/29/2026 12:33:00 AM
شهد الحفل حضور عدد من كبار الشخصيات الإسلامية، وضيوف خادم الحرمين الشريفين، إضافة إلى رؤساء الوفود وممثلي مكاتب شؤون الحجاج.
كتاب النهار 5/30/2026 12:05:00 PM
الدوائر المعنية في الحزب تدرس باهتمام كبير الرسالة الجنبلاطية واحتمالاتها وتعدّ لردّ قريب عليها
لبنان 5/30/2026 1:32:00 PM
أفادت معلومات لـ"النهار" بأنّ "القافلة تابعة للكتيبة الإندونيسية، وتقوم بعملية تبديل روتيني، لكنّها تسلك طريق البقاع الغربي لأسباب أمنية، بسبب التصعيد الإسرائيلي في منطقة النبطية في جنوب لبنان".
سياسة 5/29/2026 8:03:00 PM

تتسارع الوقائع الميدانية في جنوب لبنان بعد أن هدّد الجيش الإسرائيلي كامل المنطقة الواقعة جنوبي نهر الزهراني وأنذر سكانها بالإخلاء الفوري بعد فترة من تحييد مدينتي صور والنبطية