لا شيء أجمل من العودة إلى المنزل لتجد كائناً صغيراً في انتظارك، سعيد جداً لرؤيتك، ويفرح بعودتك، يحيطك بقدر كبير من الحب، ولا ينتظر منك شيئاً في المقابل. ربما يغنيك هذا الكائن أيضاً بحبه عن علاقات غير سوية، ويملأ يومك باللعب والمرح.
هذا بالضبط ما تفعله العديد من الفتيات المستقلات، واللاتي يعشن بمفردهن ويربين حيوانات أليفة تشبع الجانب العاطفي من حياتهن.
تبين دراسات عدة أن التفاعل مع الحيوانات يقلل من مستويات الكورتيزول (هرمون التوتر) ويخفض ضغط الدم، ووجدت دراسات أخرى أن الحيوانات يمكن أن تقلل من الشعور بالوحدة، وتزيد من مشاعر الدعم الاجتماعي، وتعزز مزاجك.
يمكن أيضاً أن تكون الحيوانات بمثابة مصدر للراحة والدعم. الكلاب جيدة للعلاج خاصة، ويتم إحضارها أحياناً إلى المستشفيات أو دور رعاية المسنين للمساعدة في تقليل توتر المرضى وقلقهم.

أقرب إحساس للأمومة
عبر مجموعة لدعم الفتيات المستقلات، وجدنا العديد من الفتيات اللاتي تحدثن عن تعلقهن بحيواناتهن الأليفة، منهن الشابة روكسانا الخياط التي قالت لـ"النهار العربي": "لدي تجارب كثيرة مع الكلاب والقطط، أربيها منذ أن كنت في بيت عائلتي، وحتى عندما عشت بعيداً من العائلة ظلت معي، فهي دائماً بالنسبة لي أقرب لإحساس الأمومة ناحيتها".
وأكدت الخياط أن وجود هذه الحيوانات في حياتها مثل الأطفال، ولديها حنان مفرط خاصة في أوقات الضيق، لما تلمسه من إحساسها بها، و"طبطبتها" عليها كأنها أهلها وأقرب أصدقائها.
تروي روكسانا أنها بكت في أحد المواقف، وكانت قطتها وحدها من يمسح دموعها بيدها الصغيرة "الفروية"، ولم تشعر بهذا الإحساس من أحد سابقاً.
أما بسنت نور الدين فهي أيضاً معتادة على تربية القطط والكلاب منذ صغرها، لذلك حينما استقلت عن العائلة شاركها في بيتها الصغير العديد من القطط، تقول بسنت عنها: "تعوّضني كثيراً، وتهوّن عليّ الكثير، ولا علاقة للأمر بغياب الشريك، لكن هناك حميمية معها، وتفاصيل مميزة كثيرة وجميلة، لدرجة أنه حتى لو أصبح هناك شريك، فلن يعوّض ما تعطيني إياه بسهولة".

تسرد بسنت الكثير عن حبها للحيوانات الأليفة، وأن بينها وبين هذه الحيوانات تفاصيل مليئة بالحب يصعب أن تجدها مع البشر، إذ تفهمها، وتتحدث معها بلغتها التي تتعدى الصوت أحياناً وتكون بلغة "المياو"، والإحساس والهمس واللمس، وتجد أن حضنها واهتمامها وخفة دمها أمور شافية ومبهجة، ولولاها لكان بحياتها خلل كبير.
بالطبع لديك صديق أو أكثر، ينشر يومياً على حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي صوراً له مع قطة أو كلب أو حيوانات أليفة أخرى، وإذا قرأت تدوينات لها فستجد عاملاً مشتركاً أنها تدعو هذه الحيوانات بـ"أبنائنا"، مثل بسنت التي قالت "قططي مثل أولادي وعشقي وروحي فيها".
لكن رغم وجود القطط فإن ذلك لا يعوّض وجود البشر، تقول نور الدين: "لا تعوّض وجود شريك، لكنها تفرق معي نفسياً وعاطفياً لأبعد مدى، ويظل الإنسان محتاجاً لأبعاد أخرى للتواصل فكرياً مثلاً، وتجاوب في الحوار وأشياء أخرى".
وتؤكد أنها تتخيل حياتها بدون ناس، لكن لا تتخيلها بدون حيوان أليف، وذلك لأن "حياة البشر معقدة".
ولفهم العلاقة المعقدة والمترابطة بين النساء والقطط، أوضحت دراسة حديثة أن الباحثين رأوا المزيد من التفاعلات بين النساء وحيواناتهن، ووجدوا أن القطط كانت أكثر ميلاً للاقتراب من النساء مقارنة بالرجال، والقيام بأشياء مثل القفز إلى أحضانهن لبدء الاتصال.

لا تنظر المحامية الشابة إلى الأمر على أنه يعوّضها عن البشر، لكنها كائنات تعطيها ونساً، وروحها خفيفة وحلوة، وتشعر أنها شريك في السكن، لكن ذلك لا يمنع أنها في بعض الأوقات تشعر بمسؤولية كبيرة على عاتقها، فهي ملتزمة بمواعيد الطعام والدواء والتطعيم وغيره.

علاج للاكتئاب
وتعتبر شيماء مجدي أن علاقتها بالقطط ساعدتها على تخطي الاكتئاب، فقد كان أول قط ربته في أعقاب إنهاء علاقة عاطفية وصفتها بالمؤذية، وكانت تعاني الاكتئاب وقتها، ولم يكن لديها رغبة في الحياة.
وبالصدفة، قرأت منشوراً بموقع "فايسبوك" لصديقة، تقول فيه إن قطتها أنجبت، وتريد أن يتبنى أحدهم القطط الصغيرة، فانتقت شيماء واحداً منها، وأعلنت رغبتها في تربيته.
تقول الفتاة إنها لم تخطط للأمر، وكانت في البداية تخاف من أن يمسها، وظلت لمدة أسبوع لا تعرف كيف تتعامل معه، حتى بادر هو للتعرف عليها، والتقرب منها، فكانت تقشعر منه في البداية وتبتعد عنه، وبعد فترة اعتادت عليه، وعلى ملمسه، ثم أصبحت في ما بعد تحبه بشدة، لدرجة قد "تهرسه" من الحب والأحضان.
وتضيف: "حينما كنت مقيمة بمفردي كان هو ونيسي، حينما كنت أبكي، كنت أجده دوماً يجلس بجانبي، وفي إحدى المرات، حينما كنت مريضة وأتألم، جرى علي وظل يلعق في أقدامي ووجهي كي أنهض، شعرت وقتها أنه يخبرني بطريقته الخاصة أنه موجود هنا".
ومن المواقف التي لا تنساها، أنه حينما يدق المنبه لإيقاظها وهي مستغرقة في النوم، كان القط يجري عليها ليوقظها. وتصفه بأنه "مالي عليّ حياتي"، وفي إحدى المرات حينما ذهبت للعمل، ظل منتظراً إياها على كرسي بجانب الباب حتى عادت.

الشّفاء من الأزمات
تقول الدكتورة نهال زين، اختصاصية الطب النفسي: "تربية الحيوانات الأليفة تخلق رابطاً بين الحيوان وصاحبه، تساعد هذه العلاقة على العلاج النفسي، وتقلل هرمونات التوتر، وتزود هرمون السعادة، وتالياً تساعد في علاج الانفصال العاطفي، أو الأزمات النفسية التي تصاحبها أعراض اكتئابية وأعراض فقد".
وتضيف الاختصاصية النفسية أن "وجود علاقة مع كائن ما، توصل للشخص رسائل أنه موجود ومسؤول عن كائن ما، والاكتئاب يجعل الشخص فاقداً للطاقة وملازماً للسرير، ولا يريد التحرك، وبوجود كائن مسؤول منه، فإن هذا يشكل عامل حماية يزوّده بطاقة تجعله مسؤولاً عنه وعن طعامه ونظافته ونزهته".
وشاركتنا اختصاصية الطب النفسي قصة عن أحد الأشخاص كان عازماً على الانتحار، وتوجه إلى سور البلكون من أجل تنفيذ ذلك، لكن جاء إليه قطه وأخذ يصدر مواءً ليطعمه، حينها تراجع عن فكرة الانتحار.
نبض