تغيرات اجتماعية وثقافية عديدة شهدتها مصر في العقد الأخير، من بين أبرزها النظرة التقليدية الى لزواج. لم يعد الزواج هو "الميثاق الغليظ" كما درج في العرف الديني، وبين ارتفاع سقف الطموحات والأحلام، تراجع حلم الزواج في مرتبة الأهداف.
البعض يرى أن الأولية هي لتحقيق الذات، ويرفض فريق آخر قيود مؤسسة الزواج والإنجاب، ويخشى البعض التورط في علاقة قد تفشل فتصبح النتيجة خسائر مادية وعاطفية، ليصبح البديل "المساكنة"، أي العيش معاً من دون زواج، موضوع شائك ويعتبر من التابوات، ولا توجد إحصائيات دقيقة تشير إليه.
لم يكن من السهل إقناع فتاة أو شاب بالحديث بشكل علني عن التجربة خوفاً من "الفضيحة" أو "العقاب"، لذا تم تغيير الأسماء الحقيقية.
ملكية الجسد
يرى نبيل (30 عاماً) أن المساكنة كانت حلاً مناسباً لحالته، فهو غير مقتنع بالزواج، ويصف نفسه بـ"اللاإنجابي"، وعندما التقى حبيبته التي تؤمن بأفكاره، لم يكن لديها مانع من مشاركته غرفة في إحدى شقق المغتربين على أمل أن تتحسن أحوالهما وينتقلا إلى منزل خاص بهما في المستقبل.
وقال نبيل لـ"النهار العربي": "لم أخشَ مواجهة المجتمع، لدي أفكاري ومؤمن بها، وحتى لا أتعرض للمضايقات اخترت السكن مع حبيبتي في وسط القاهرة، هناك لا يتدخل أحد في خصوصياتي".
وتابع: "عشت معها أشهرا عدة لم تصادفني أي مشكلة، فهذه الحياة لم تتوافر في أي حي آخر بخلاف وسط البلد، والأحياء الملاصقة لها، وأجزاء من حي المعادي، ورغم أن حبيبتي هجرتني، لكني مؤمن بحريتها الكاملة، وحرية امتلاك كل شخص فينا لجسده، وأرفض أي ملكية أو وصاية على الجسد تحت أي مسمى. عندما أحببتها وتواصلنا بكل شعورنا كان تقارباً طبيعياً، من دون اي شروط أو حراسة أو مصادرة".
قرار ناجح
رغم فشل حالة نبيل في الاستمرار مع حبيبته إلا أن شادي (35) نجح في الزواج من حبيبته بعد أن عاشا معا 4 أعوام. يقول شادي لـ"النهار العربي": "كان الزواج قراراً ناجحاً للغاية، وحققنا الكثير من الإنجازات خلال فترة المساكنة. اخترنا العيش سوياة برغبتنا الكاملة وبناء على العطاء المتبادل الذي كان نابعاً من داخلنا، كل بحسب استطاعته ورغبته، وليس لأنه شيء مفروض باسم الزواج".
ولا يعترف شادي بالعقود الموثقة رسميّاً، ويرى أنها لا تحفظ أكثر من الحقوق المادية، لكن العلاقة الثنائية بينه وبين حبيبته (زوجته الحالية) كانت قائمة على الثقة والارتياح والرغبة في الاصطفاف والدعم المتبادل.
وعن تغير الحياة بعد الزواج يقول شادي: "للأسف تحولت الحياة بيننا تدريجيّاً إلى النموذج الاجتماعي الذي يفرض على الزوجين أفكاراً والتزامات وحسابات ليست مبنية على رغباتهما، كأننا صرنا أسيرين لرغبات الآخرين، وكأننا نعيش من أجلهم لا من أجلنا نحن".
رغبة مكبوتة
في أحد "الغروبات" النسائية دار نقاش بين السيدات حول المساكنة، وكانت المفاجأة تأييد معظم الفتيات لهذه التجربة قبل الزواج، وذلك من أجل التعرف إلى الشريك من قرب. لكنهن لا يفصحن عن هذه الرغبة علناً خشية قيم المجتمع في مصر، ولأن القانون لن يقف في صفهن في حالة تعرضن لأذى من الشريك.
تحولات فكرية
تقول وفاء (32 عاماً) إنها خاضت التجربة في مرحلة كانت تمر فيها بتحولات فكرية، إذ تخلت عن الحجاب وقررت أن تستقل بحياتها، وتعرفت إلى شاب ساندها في قرارها، ومع الوقت أصبحا حبيبين، واختارا السكن معا بعدما قاما بتزوير عقد زواج ليُسمح لهما بإيجار شقة في القاهرة من دون التعرض لمضايقات. وتابعت: "سنحتفل بعد بضعة أيام بعيد زواجنا الأول".
وفاء ترى أن التجربة أتاحت لها مشاهدة حبيبها في كل الظروف، واختبار مدى جديته وتعاونه معها ومشاركة المهام وتحمله لمسؤولية الحياة.
فكرة صحية
وفيما ترغب فتيات بأن تتاح لهن شجاعة التجربة، ترى سمية أن "المساكنة فكرة صحية، لكنها للأسف لا تصلح مع رجل شرقي، مهما كان متحرراً، ولا تصلح في المجتمع المصري، لأن الفتاة قد تدفع ثمناً فادحاً جداً سواء نجحت العلاقة أم فشلت".
وقالت سمية لـ"النهار العربي": "الكفة غير عادلة، يجب التفكير أولاً في مدى الأمان، وهذا غير متوفر، قد تتعرض الفتاة للابتزاز من الشريك إذا غيّر رأيه وعايرها بسلوكها، أو إذا قرر أحد من الجيران تحويل حياتهما إلى جحيم وإبلاغ بوليس الآداب".
المسكوت عنه
ترى الدكتورة سوسن فايد أستاذة علم النفس الاجتماعي في المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية أن "هذا الاتجاه الفكري منتشر ولكن يصعب رصده".
وتقول فايد لـ"النهار العربي": "لديّ ملاحظات شخصية، والمجتمع يرفض الاعتراف به. ما يحدث هو من المسكوت عنه، ويتم تحت السطح ولا نراه".
وأوضحت أن "الخوف من الزواج مرتبط بشكل وثيق بالخوف من المسؤولية وتحمّل مهام الحياة، مثل أعباء بناء الأسرة والصبر. الأجيال الجديدة غير مدربة على احترام قيم الأسرة، بسبب التنشئة على عدم تحمل المسؤولية".
وتشير فايد إلى أن "الأعباء الاقتصادية لها دور بارز في تفشي مثل هذه السلوكيات، بالإضافة إلى أزمة الثقة ما بين الطرفين، كل طرف يتصور أن الطرف الثاني يحد من حريته أو يربطه، فيبحثان عن التحرر خارج قيود الزواج، وهذه مشاكل نفسية اجتماعية".
وعن المعايشة أو الاقتراب بشكل سري بين طرفين توضح فايد "أنها ظاهرة بدأت بالزواج العرفي السري، وهناك أنواع عدة من الزواج، مثل زواج الأصدقاء، وجميعها أشكال للزواج غير رسمية، الهدف منها إشباع للرغبة الجنسية، من دون إقامة علاقة زوجية حقيقية، بها حقوق وواجبات وارتباط وثيق".
وترى ان "الشباب لا يريدون وضع أنفسهم في زاوية المسؤولية. إن هذه الأفكار مستوردة، وهناك أجندة خارجية تستهدف حلّ الأسرة العربية وتفكيك المجتمع من الداخل".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
نص المرسوم رقم (98) لعام 2026 على تعيين عبد الرحمن بدر الدين الأعمى أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية... جاء تعيينه خلفاً لماهر الشرع، وذلك في إطار توجهات لتعزيز مبدأ فصل العلاقات العائلية عن المسؤولية العامة.
نبض