الطلاب الأردنيون في أوكرانيا... خسارة عامين في الوطن أم شهادة جامعية تحت النار؟
بعد عودة الطلاب إلى الأردن فوجئوا بأن الجامعات الأردنية لم تستقبلهم إلا بعد إجراء امتحانات صعبة وبلغة غير التي درسوا بها تعيدهم عامين دراسيين إلى الوراء، وهذا ما أجبرهم على العودة إلى مدن أوكرانية تحت القصف.
"شباب وصبايا اللي بأوكرانيا، حياتكم أهم من شهادة الجامعة … اذهبوا لأبعد مكان ممكن أو اخرجوا منها". هذه الرسالة وجهها أحد الطلبة على مجموعة "واتساب" تجمع أكثر من 250 طالباً وطالبة أردنيين؛ ليحذرهم من العودة إلى أوكرانيا من أجل استكمال دراستهم في جامعاتها، وذلك بعد تجدد القصف في الأيام الأخيرة على مدن أوكرانية ما أدى إلى سقوط ضحايا من بينهم طفلة من الأردن.
ومع أن الأردن كان من بين أولى الدول التي أجلت مواطنيها بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، إلا أن العملية تناقضت بين تعليمات وزارة التعليم العالي القاسية على الطلاب والتي أجبرتهم على العودة إلى أوكرانيا لاستكمال دراستهم، وبين مناشدات وزارة الخارجية إلى الأردنيين هناك أن يعودوا إلى بلادهم بأسرع وقت.
فبعد عودة الطلاب إلى الأردن فوجئوا بأن الجامعات الأردنية لم تستقبلهم إلا بعد إجراء امتحانات صعبة وبلغة غير التي درسوا بها تعيدهم عامين دراسيين إلى الوراء، وهذا ما أجبرهم على العودة إلى مدن أوكرانية تحت القصف.
يتناول "النهار العربي" في هذا التقرير حال مجموعة من الطلبة الأردنيين الذي تجاوزوا السنة الخامسة في دراسة الطب؛ في وقت ترفض الجامعات الأردنية منح شهادتها لمن لم يدرس 50 في المئة من برامجها داخل الجامعة.
بين نيران الـ"أونلاين" و"الأوفلاين"
عاد الطالب رامي إلى الأردن بداية شهر آذار (مارس) الماضي بعد أيام من اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية، وهو يتذكر ما حصل بالتاريخ الدقيق وبالساعة: "بدأت الحرب يوم الخميس 24 شباط (فبراير)، الساعة الرابعة فجراً دخل الجيش الروسي على أوكرانيا وانطلقت صافرات الإنذار وللمرة الأولى كنا نسمع أصوات الطائرات".
"تواصلنا مع الملحقية الأردنية وأخبرونا بأن نسجل أسماءنا على منصة خاصة بالطلبة الأردنيين الموجودين في أوكرانيا تشرف عليها وزارة التعليم العالي ووزارة الخارجية"، يقول رامي لـ"النهار العربي".

يصل عدد الطلبة الأردنيين الذين يدرسون في أوكرانيا إلى ما يقارب 700 طالب وطالبة ومعظمهم يدرسون الطب وطب الأسنان، وفق حديث مهند الخطيب، الناطق باسم وزارة التعليم العالي لـ"النهار العربي".
يوم 27 آذار قرر رامي المخاطرة، فاستقلّ القطار لمدة تزيد على 28 ساعة من مدينة بلطابا التي يسكن فيها، وتقع بين العاصمة كييف ومدينة خاركوف بالقرب من الحدود الروسية، وكان على تواصل مع وزارة الخارجية الأردنية التي قامت بتأمينه مع أصدقائه الأردنيين بمبلغ مالي يقدره رامي بـ20 – 30 يورو يومياً يشمل السكن، "وحجزوا لنا تذاكر عودة إلى الأردن".
وصل رامي الأردن يوم 7 آذار وعاد إلى الدراسة بعد ما يقارب شهراً من "الأونلاين"، وذلك حتى منتصف شهر حزيران (يونيو) الماضي.
يدرس رامي الطب في السنة الخامسة؛ أي أنه مقبل على فترة تدريب داخل المستشفيات، لكنه فوجئ أن الأردن لا يقبل من يدرسون الطب من بُعد وأن الجامعات الأردنية تحتاج إلى ورقة رسمية من جامعته في أوكرانيا تؤكد اجتيازه كل تلك السنوات الماضية، وهو ما كان غير ممكن في الوقت الراهن، نظراً لأن الجامعة كانت مغلقة ولصعوبة التواصل مع الطلبة بشكل مباشر.
في السياق ذاته، تقول الطالبة ريم إنها كانت فعلاً تنوي الذهاب إلى أوكرانيا من أجل إحضار تلك الورقة لكنها غيّرت رأيها بعد تجدد الضربات أخيراً على مدن عدة.
وعن هذه الورقة تقول ريم إنها مجانية تؤكد أن الطالب اجتاز سنوات دراسية معينة في تخصص الطب، لكن سعرها صار يصل إلى الألف دولار، الأمر الذي يتعدى قدرة الطلبة على الحصول عليها.
وما جعل سعرها مرتفعاً هو أن الطلاب الأجانب لا يتواصلون مع جامعتهم مباشرة في أوكرانيا، وإنما من خلال مؤسسات لهم تمثل جاليات دول مختلفة، ويتم دفع نسبة معينة لهم يحتسبها الطلاب سنوياً كجزء من تكلفة الدراسة.
"توقعنا من التعليم العالي أن ينصفنا... أضربنا أمام الوزارة واتفقنا مع الوزير على أن نرجع إلى الجامعات، وفوجئنا بأنه عندما ذهبنا للتسجيل أخبرونا بأنهم سيسجّلوننا سنة ثالثة!" تقول ريم في حديثها لـ"النهار العربي".

لماذا يعود الطلاب الأردنيون إلى أوكرانيا؟
قصة كل من رامي وريم ليست الوحيدة، فقد تواصل "النهار العربي" مع ثمانية طلاب وأهاليهم اشتكوا جميعهم من هذه الحالة. فعند عودتهم إلى الأردن وعدهم وزير التعليم العالي وجيه عويس أن يتم قبولهم في الجامعات الأردنية، وهذا ما حصل بالفعل لكن مع تأخيرهم سنتين؛ أي أن يصبحوا طلاب طب في السنة الثالثة، وهو بالنسبة إليهم غير مقبول.
"دراسة عامين جديدين في الأردن تعني خسارة عامين من حياتنا، كما أن دراسة الطب في الأردن مرتفعة التكلفة وتصل إلى حد 200 دينار للساعة الواحدة (ما يقارب 280 دولاراً) وفي المقابل تصل التكلفة في أوكرانيا إلى 100 دينار للساعة الواحدة"، يقول رامي.
لذلك، لا يزال رامي وريم يترنحان بين العودة إلى أوكرانيا أو خسارة شهادتهما والبقاء في الأردن: "يا بخاطر بروحي وبكسب شهادتي يا بخسر شهادتي وبكسب روحي" يقول رامي.
أم مجد، والدة أحد الطلاب، حرصت على أن تروي قصتها لـ"النهار العربي". وتقول إن ابنها عاد من أوكرانيا بعد القصف الذي شهدته منذ اندلاع الحرب، ولكن بسبب إصراره على إكمال دراسته وعدم خسارة سنوات إضافية من عمره سيعود إلى أوكرانيا في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، "من الصعب أن أعيش العذاب نفسه مرة أخرى، أتمنى أن تحدث معجزة تغيّر هذا الواقع ويعود إبني بسلامة".
لا تنفي أم مجد أن عودة ابنها إلى أوكرانيا ستؤثر في المنزل وسترهق من فيه: "معقول بلدهم مش قادرة توفر لهم حقوقهم بطريقة مناسبة؟"، وتضيف أن ابنها ذهب إلى أوكرانيا من طريق وزارة التعليم العالي، ومن المفترض أن تجد الوزارة لهم حلاً مناسباً.
مطلب طلاب الطب هو أن تسمح لهم الدولة الأردنية بالدراسة "أونلاين" مع جامعاتهم في أوكرانيا وأن يكون التطبيق العملي هنا في جامعات ومستشفيات الأردن، مثل ما فعلت مصر والهند والمغرب وكازاخستان، بحسب رامي الذي أكد أن إدارة الجامعة في أوكرانيا "تتساءل... لماذا يعود الطلاب الأردنيون إلى أوكرانيا؟".

بحسب الصحافة المغربية، فإن المغرب اعترف بديبلومات الطلبة المغاربة الذين يدرسون في الجامعات الأوكرانية، متجاوزاً شرطاً كان معمولاً به في السابق لمعادلة الشهادات، وهو أن يكون الطالب مقيماً في الديار الأوكرانية.
كما أن وزير التعليم العالي المغربي طلب أن تتم مراعاة وضعية الطلاب العائدين من الحرب في أوكرانيا، وتمكينهم من منح وإقرار تخفيض على مستوى الرسوم حددت نسبته 20 في المئة.
لكن القانون الأردني نص في المادة رقم 13 من تعليمات معادلة الشهادات غير الأردنية رقم 1 لسنة 2018 على أنه يشترط لمعادلة الشهادة الصادرة عن المؤسسات التعليمية التي تقدم تعليماً غير تقليدي أن لا تكون الشهادة الصادرة عن هذه المؤسسات تشمل مجموعة من التخصصات، ومن ضمنها الطب وطب الأسنان وأي تخصص يحتاج إلى مختبرات وتطبيق عملي.
"بالفعل طبيب" في بلاد ليست آمنة
على عكس رامي وريم، غامر عبدالله في حياته وعاد إلى أوكرانيا من أجل استكمال دراسته، لكنه وأثناء حديثه إلى "النهار العربي" كان محتاراً ويتساءل "لماذا لم يسمحوا لي إكمال دراستي هناك بالأردن؟ لماذا جعلوني أغامر بعمري؟". ويضيف: "لماذا عدنا في المرة الأولى إلى الأردن ثم عدنا إلى أوكرانيا مجبرين لاستكمال الدراسة؟".

ما يثير استهجان عبدالله أكثر أنه يعيش في أجواء مرعبة كما وصفها: "الحياة غالية، الكهرباء تنقطع باستمرار، لماذا أعيش هذا الرعب وبلادي آمنة؟"، بخاصة أنه تخطى مرحلة الدراسة الأكاديمية وأصبح يقال له هناك "Уже врач (اوجا فراتش)" أي "بالفعل طبيب" باللغة الروسية التي يدرس بها.
تناقض الموقف الرسمي
رداً على أسئلة "النهار العربي" تقول وزارة الخارجية الأردنية أنه تم تشكيل خلية أزمة خاصة في مركز عمليات وزارة الخارجية وشؤون المغتربين منذ بدء الأزمة، شملت إجراءات عديدة من ضمنها إيفاد عدد من الدبلوماسيين الأردنيين الى الدول المحاذية لأوكرانيا للعمل على مساعدة المواطنين وحل الأمور القنصلية لهم ولعائلاتهم.
ومن التسهيلات التي قدمت للمواطنين، تأمينهم بالإقامة في فنادق في الدول التي خرجوا من خلالها وعلى حساب الحكومة الأردنية إلى حين موعد عودتهم الى المملكة، كما تم تأمين عودتهم إلى المملكة من خلال رحلات جوية مباشرة من دول مجاورة لأوكرانيا عبر الرحلات التجارية المتوافرة وأيضاً من خلال طائرات عسكرية تم إرسالها لهذه الغاية تحديداً بالتنسيق مع قيادة سلاح الجو الملكي، وهذا ما أكده بعض الطلاب الذين تواصل معهم "النهار العربي".
تقول الخارجية إن عدد المواطنين الأردنيين وعائلاتهم الذين غادروا اوكرانيا بتسهيل من وزارة الخارجية وشؤون المغتربين بلغ 1400 شخص.

ومع أن وزارة الخارجية جددت أول أمس دعوتها للأردنيين في أوكرانيا إلى أن يخرجوا بأسرع وقت، فإن صرامة قوانين وزارة التعليم العالي وغلاء أسعار الساعات الدراسية في الأردن تحتم على الطلاب العودة أو البقاء في أوكرانيا.
أزمة اللغة
يقول الناطق باسم وزارة التعليم العالي أن عدد الطلاب الأردنيين الذين يدرسون في أوكرانيا 700 طالب وطالبة قُبل منهم 162 طالباً للدراسة في الجامعات الأردنية.
ويؤكد الخطيب لـ"النهار العربي" أن وزارة التعليم العالي ليس بقدرتها توفير امتحانات باللغة الروسية لأكثر من 100 طالب، علماً أن اللغة المعتمدة في الجامعات الأردنية لدراسة كل تخصصات الطب هي الإنكليزية.
وعن التحديات التي تواجه الطلاب للدراسة باللغة الروسية في أوكرانيا، يقول الخطيب إن الطلاب عندما قُبلوا للدراسة في النظام الأوكراني يجب أن يُقبلوا أيضاً في النظام الدراسي في الأردن الذي لا يحتوي على اللغة الروسية، "إذا الطالب كان يشتكي من صعوبة امتحان في اللغة الإنكليزية، فكيف سيتسمر في الدراسة بها؟".
وعن طبيعة الامتحان يقول الخطيب إنه ليس امتحان نجاح ورسوب وإنما هو امتحان لتحديد المستوى، مؤكداً أن معظم الطلاب في السنوات الخامسة والرابعة عادوا سنتين إلى الوراء: "الجامعة الأردنية حقها ألا تعطي شهادتها إلا لمن درس 50 في المئة من برنامجها"، يقول الخطيب.
وعن تسهيل الإجراءات يلفت إلى أن الوزارة سمحت للطلاب بالدراسة في أي جامعة غير أردنية، وتم إعفاؤهم من شرط دراسة 50 في المئة من الخطة الدراسية في الجامعة التي سيتخرجون فيها.
وتم استثناء هذا الشرط من تعليمات معادلة الشهادات غير الأردنية الواردة في المادة رقم 6 والذي ينص على أنه "يشترط لمعادلة الدرجة الجامعية الأولى للطالب الذي تخرج في المؤسسة التعليمية غير التي بدأ دراسته فيها أن يكون قد درس في المؤسسة التعليمية التي تخرج فيها ما لا يقل عن 50 في المئة من متطلبات الخطة الدراسية المطلوبة للحصول على الدرجة الجامعية".
يلفت الخطيب إلى أن تخفيض نسبة الرسوم على الطلبة العائدين من بلاد الحرب ليس من صلاحيات وزارة التعليم العالي وإنما من صلاحيات مجالس الأمناء في كل جامعة.
قد لا تساعد المواد القانونية الطلاب، وقد لا تسعفهم سنوات دراسة الطب في أوكرانيا ليكملوا دراستهم في الجامعات الأردنية، لكن سيبقى مجد ورامي وريم وعبدالله ينتظرون حلاً ينقذهم من نيران الشهادات التي سيحصلون عليها تحت القصف.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض