صورتان شبه متناقضتين... تتقاسمان المشهد الاقتصادي في مصر. الأول، تحسن في مؤشرات الاقتصاد. والثاني، تراجع مقومات مستوى المعيشة... والسؤال: هل تسقط القاهرة في فخ ارتفاع تكلفة الديون؟
في الداخل كما الخارج يتوالى الحديث عن تحسن في مؤشرات الاقتصاد المصري. صندوق النقد الدولي يؤكد تحسن تلك المؤشرات. البنك المركزي المصري يؤكد ذلك أيضاً. تأكيدات ترتكز الى معطيات محددة: تراجع معدل التضخم من 30 في المئة عام 2017 إلى أقل من 4 في المئة في الأشهر الأخيرة. عجز الموازنة قُلّص وأزدادت الصادرات بنسة 10 في المئة سنوياً، فتحسن الميزان التجاري بنحو 3 مليارات دولار سنوياً على مدى السنوات الأربع الأخيرة.
مؤشرات لا شك في أنها إيجابية، لكن دونها بعض الملاحظات بلسان الخبراء: عجز الموازنة تقلّص بفعل التقشف وتخفيض الدعم الحكومي لسلع أساسية، وهو ما يطرح السؤال عن مستوى العيش والخدمات.
الأرقام الرسمية المصرية تتحدث عما نسبته ثلث المصريين يعيشون في حالة فقر، وإن كان المتابعون للشأن المصري يعطون أرقاماً أعلى بكثير، مستندين إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين وارتفاع الأسعار.
صورتان... شبه متناقضتين إذاً؛ تحسن مؤشرات الاقتصاد في مقابل تراجع مستوى المعيشة، فما الأسباب الحقيقية خلف ذلك؟
قبل الإجابة بلسان الاقتصاديين، نمُر سريعاً على مشاهد في البال. مشاهد هدم "منازل غير مسجلة رسمياً" كما قالت السلطات. الهدم أو دفع المستحقات المالية: الخيارات محددة أمام سكانِ "عشوائيات"، أشبه بملاذات وحيدة لملايين المصريين على رغم "الخطط الحكومية لبناء مدن جديدة خاضعة لتنظيم البلديات". خيار الهدم استدعى احتجاجات أيلول (سبتمبر) الماضي، وفيها انعكاس للتذمر والإحباط من أوضاع معيشية تزداد صعوبة.
نمو سكاني... وسياسات غير وافية
مصر بلد النمو السكاني الكبير. تعداد سكانها يفوق المئة مليون نسمة. معدلات النمو السكاني مرتفعة جداً، توازيها أرقام بطالة مقلقة. ما زاد الطين بلّة هو العودة الطوعية لأكثر من مليون ونصف مليون مصري من الخليج وليبيا ممن يتقاضون أجوراً منخفضة أو متوسطة. السؤال يطرح في السياق عن السياسات الحكومية لجبه ذلك.
برأي الاقتصاديين المتابعين لمؤشرات الداخل المصري، فإن "السياسة الحكومية لا تزال برغم الوعود الحكومية الكثيرة تتجنب التركيز على تنمية الصناعات التحويلية ذات العمالة الكثيفة، وما تولّده من فرص عمل وتوفيرٍ للسلع الاستهلاكية بأسعار منافسة". عليه، فإن "النجاح في تنفيذ الوعود المتعلقة بتنفيذ واحتضان آلاف المشاريع الصغيرة والمتوسطة الإنتاجية والخدماتية في كل محافظة من محافظات مصر لا يزال ضعيفاً"، كما يقول الخبير الاقتصادي المقيم في ألمانيا الدكتور إبراهيم محمد.
مشاريع ضخمة بجدوى متدنية
مشاريع ضخمة تركّز الحكومة المصرية على إنجازها. مشاريع تستحوذ مليارات الدولارات. من يدعمها يؤمن بجدواها على المديين المتوسط والبعيد، ومن يعارضها يرى فيها بيئة خصبة للهدر والفساد. لا توافق تماماً بين هذا الرأي وذاك. وبين الرأيين من يكاد يجزم بأن عائدات المشاريع تذهب أولاً إلى "أيدي المستثمرين المحليين والدوليين والشركات المنفذة وحفنة من البيروقراطيين الحكوميين. وتظهر تجربة كل الدول أن الأرباح والتعويضات والتجاوزات التي يقوم بها هؤلاء تحد من التأثير الإيجابي للمشاريع في الاقتصاد وتجعل مساهمتها في الدورة الاقتصادية التي تطاول غالبية الناس ضعيفة"، كما يقول إبراهيم محمد.
قروض واستحقاقات...
ترتكز مشاريع الحكومة في شكل رئيس على قروض خارجية وداخلية بفوائد من بين الأعلى في العالم. من القروض ما يأتي من صندوق النقد الدولي، وآخرها قرض إضافي بقيمة 12 مليار دولار.
تسعى القاهرة، مستندة إلى التقييم الإيجابي لمؤشرات الاقتصاد، ورضا صندوق النقد الدولي والجهات المانحة عن سياساتها، إلى طلب المزيد من الاقتراض الخارجي. وفي السياق أرقام موثقة تُسجّل:
قيمة الدين الخارجي المصري لوحده راهناً تُقدّر بنحو 130 مليار دولار، أي ما يزيد على 43 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. فوائد الاقتراض الداخلي تصل إلى حدود 13 في المئة، وهي من أعلى النسب في السوق الناشئة. "أما قيمة الأقساط والفوائد السنوية المستحقة لقاء ذلك، فتصل إلى نحو 13 مليار دولار، وهناك أقساط وفوائد بمليارات أخرى للدائنين المحليين. وتشكل مستحقات الديون أكبر من طاقة الخزينة المصرية على الوفاء في الوقت الحاضر... ومما يعنيه ذلك اللجوء إلى مزيد من القروض لتمويل المستحقات (...)"، يقول الخبير الاقتصادي الدكتور إبراهيم محمد.
مصر... والحالة التركية
يومَ أسس الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لنهضة اقتصادية قبل خمس عشرة سنة، اعتمد على قروض خارجية تراكمت ووصلت إلى أكثر من 436 مليار دولار في الوقت الحالي. ومع عجز الحكومة التركية حالياً عن الوفاء بالتزاماتها وبأقساط وفوائد الدين... فإن الليرة التركية تفقد قيمتها بما يفوق الربع منذ بداية السنة الجارية. هذا، عدا عن هروب رؤوس الأموال والركود وتردي مستوى المعيشة.
وقائع يرصدها المتابعون، ويتحدثون عن ضرورة تغيير الحكومة المصرية سياساتها الاقتصادية الحالية في سبيل كسب تنمية مستدامة لفائدة الشعب المصري عامة، وتفادياً للسيناريو التركي.
فهل مثل هذا السيناريو وارد؟
"يصعب تشبيه الحالة التركية بالمصرية -برأي الباحث في الشؤون الدولية محمد العربي (القاهرة)- لأسباب عديدة". هو يقول لـ "النهار العربي" إن "أولى الأسباب خبرة مصر في التعامل الآمن مع ملف الديون منذ التسعينيات، حيث لم تسجل حالة تعثر أو عدم قدرة على سداد ديونها الخارجية. كما أن المستوى العام للديون في مصر لم يتجاوز 33% من مجمل الناتج القومي الإجمالي وهي نسبة آمنة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن الديون الأخيرة كانت ضمن برنامج أشمل للإصلاح الاقتصادي، وجزء كبير منها متجه لمشروعات بنية تحتية وإصلاحات".
"يصعب تشبيه الحالة التركية بالمصرية -برأي الباحث في الشؤون الدولية محمد العربي (القاهرة)- لأسباب عديدة". هو يقول لـ "النهار العربي" إن "أولى الأسباب خبرة مصر في التعامل الآمن مع ملف الديون منذ التسعينيات، حيث لم تسجل حالة تعثر أو عدم قدرة على سداد ديونها الخارجية. كما أن المستوى العام للديون في مصر لم يتجاوز 33% من مجمل الناتج القومي الإجمالي وهي نسبة آمنة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن الديون الأخيرة كانت ضمن برنامج أشمل للإصلاح الاقتصادي، وجزء كبير منها متجه لمشروعات بنية تحتية وإصلاحات".
يضيف العربي: "على النقيض من تركيا المتورطة في ملفات سياسة خارجية متعددة ومهلكة اقتصادياً، مما يجعلها عرضة للضغط للضغط السياسي الغربي باستخدام سلاح الديون، تتجنب مصر مثل هذا السيناريو، حيث تتعامل من الذيول السياسية للديون بحذر".
الأمن والاستقرار أولاً
في موازاة مسعاه لتوفير الظروف الفضلى لسياساته، يحذر الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي من مخططات نشر الفوضى وزعزعة الاستقرار في البلاد. يراهن السيسي في تحذيراته "على وعي المواطنين سلاحاً أقوى لمواجهة الأفكار الهدامة وحملات التشكيك في ما تقوم به الدولة"، مشيراً إلى أن "تلك الحملات مستمرة ضد مصر رغم ما تقوم به من إنجازات على المستويات كافة (...)".
الأمن والاستقرار أولاً يقول الرئيس. هما شرطان أساسيان لتحقيق التنمية الاقتصادية والاستمرار في الإصلاح. شرطان يتشابكان مع الاقتصاد... ليكوّنا معاً ركائزَ أساس، يأملُ المصري أن تحسن مستوى معيشته أولاً وأخيراً.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
11/3/2026 9:11:00 AM
كيف أصبحت الأسعار الجديدة اليوم؟
أسرار الآلهة
11/3/2026 5:26:00 AM
أسرار الآلهة
فن ومشاهير
11/2/2026 11:33:00 AM
اشتعلت أزمة إلهام شاهين ومرتضى منصور إثر تصريحاته القاسية ضدها على خلفية مهرجان الجونة السينمائي، لترد النجمة بحسم على لجان "السوشال ميديا" والمنتقدين.
فن ومشاهير
11/3/2026 10:03:00 AM
بإطلالةٍ استحضرت تراث الكرك وحملت دلالات التضامن، لفتت الملكة رانيا الأنظار في مراسم خطاب العرش بـ "المدرقة الكركية".
نبض