قد يقول قائل: وما علاقة "الجنجاويد" بلبنان؟ ماذا بين دارفور وبيروت؟ كيف هذا؟ ولماذا ذاك؟ مهلاً، ثمة رابط... أقله في هذه القصة.
..."عبد الكريم" في لبنان، ومعه كثير الذكريات وأقساها. كانوا أربعة أفراد... بقي وحيداً. الصور لا تفارقه. المأساة بقيت لصيقةً به على درب اللجوء من "جهنم" السودان، إلى "ما ليس أفضل بكثير"، بيروت، ولكنه ما زال متمسكاً بالأمل "خياراً أبدياً".
الفصل الأول: قشميط، أنجكوتي، السودان عام 2003
من سبق وسمع بالمنطقة هذه، تكوّنت لديه صورة أولى. هنا ماضي إبادة... وحاضر ألم. على مسافة قريبة من قشميط في الخريطة السودانية الشاسعة، قرى عدة: جروكو، برنقا، كيجو، مهموم وديرو. عامذاك، أحرقت القرى هذه، دُمرت على من فيها. وثّقت كاميرات العالم الإبادةَ الجماعية. كان عبد الكريم صغيراً يرعى الأغنام، حين قتلت ميليشيا "الجنجاويد" أسرته. والده، أخوه وأخته، أهل أبيه وأمه بين مئات آلاف الضحايا.... ونال هو حصته من العذاب؛ ضُرب بالسياط والعصي، ربط بالحبال وسُحل أرضاً، كما يحكي لـ "النهار العربي". "من المعسكر أتيت إلى الخرطوم. هنا عملت في السوق وكسبت بعض المال، كما أستطعت الاستحصال هذا هوية لي"، يقول.

من قشميط، إلى الخرطوم، فسوريا من طريق التهريب ولبنان. على المسار الطويل هذا استوقفه رجال الأمن أكثر من مرة، وثمة من سأله: "أنت صغير إلى أين تذهب؟"، فكان جوابه: "أذهب في زيارة". رحلة لجوء أبقت اللاجئ السوداني هذا وحيداً يواجه بما أمكن، بما تيسّر.
الفصل الثاني للقصة: لبنان ومآسيه
في بيروت عايش عبد الكريم وجهاً آخر من المأساة. عمله الشاق، تسبب له بآلام أعاقت حركته. بقي مصراً على العمل. "لا خيار لدي. العمل مع الألم... أو الموت بلا لقمة خبز". خياره العمل، والعمل المتواصل.
تضاعفت الآلام، واستدعت نقله إلى المستشفى. "في المستشفى قال لي الطبيب إنني بحاجة لعملية جراحية كبيرة. ووجه لي الملامة على تأخري في إجرائها، وعلى استمراري في العمل".
لم تنتهِ القصة هنا. من أين سيستحصل على المال؟ أقلقه السؤال في بلاد تكلفة الحياة فيها صعبة على أبنائها فكيف على اللاجئين إليها.
جمع عبد الكريم المبلغ المطلوب للعملية الجراحية من أصدقائه وأبناء بلده العاملين في لبنان. استدان المبلغ وأجرى العملية. الألم تراجع ولكن ما كان سابقاً من عمل شاق يُفترض أنه انتهى بحكم صارم من الطبيب، بقي رغم كل ما فيه من مخاطر.
ليس باستطاعة عبد الكريم رفع أوزان ثقيلة، ولا العمل لساعات طوال كما في السابق، وهو الآن أشبه بأسير في بلاد لا يستطيع مغادرتها، ووطن لا يستطيع العودة إليه ولا يريد أساساً بفعل ما عايشه فيه.
المنظمات الدولية
مهمة جديدة يسعى الشاب السوداني الآن الى إنجازها بعد قضائه نحو سبع سنوات في لبنان. يسعى الى الهجرة "إلى أي مكان فيه أمن وحياة كريمة. في لبنان المعيشة صعبة جداً جداً. أموت كل يوم مرات ومرات"، يقول.
سعى عبد الكريم بداية مع المنظمات الدولية للهجرة فرفض طلبه. "الأولوية للسوريين"، قالوا له. حاول ثانية، ومجدداً رفض طلبه، وهو اليوم يحاول ثالثة، علّه يتمكن من مغادرة لبنان. "لأجل كل ذلك، أنا أطالب المنظمات الدولية لقبول طلبي. أنا مظلوم، مظلوم كثيراً -يقول- خسرت عائلتي في الإبادة الجماعية والحريق".
يتمنى عبد الكريم أن تقدّم له الحياة أخيراً ما يستحق من حياة كريمة، بعد كل الصعاب والمآسي. هو لا يفقد الأمل. يحاول متى سنحت الفرصة أن يكتسب لغة جديدة... "لا أعرف إلى أين ستقودني الحياة، علي الاستعداد لكل الاحتمالات".
...أفقر الناس من عاش بلا أمل.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
النهار بيديا
10/26/2026 7:57:00 PM
توفي يشاي زيمرمان عن 93 عاماً، بعدما ارتبط اسمه بالاستيلاء على طائرة مدنية من مطار بيروت خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان، في واقعة انتهت باعتراضه بمقاتلتَي "إف-16" واتهامه بالنهب.
اقتصاد وأعمال
10/27/2026 9:14:00 AM
انخفاض البنزين وارتفاع المازوت والغاز... كم بلغت الأسعار؟
اسرائيليات
10/27/2026 11:20:00 AM
ماذا عن النتائج غير الرسمية التي تعلنها الأحزاب؟
نبض