أعاد المؤتمر السياسي المعرفي الدولي الأخير الذي عُقد في مدينة أربيل في إقليم كردستان العراق بشأن الإبادة الجماعية التي طالت "الأكراد الفيليين"، التذكير بمأساة هذه الجماعة الأهلية العراقية، التي تعرضت خلال عقدي السبعينات والثمانينات من القرن المنصرم إلى حملات منظمة، تضمنت سحب الجنسية العراقية من أتباعها و"طردهم" خارج العراق ومصادرة أموالهم وقتل الآلاف منهم.
المؤتمر عقد بإشراف مباشر من الرئيس الأسبق لإقليم كردستان مسعود بارزاني، وضم عشرات الشخصيات الحكومية والسياسية الكردية والوطنية العراقية، إلى جانب نخبة من المؤرخين والحقوقيين والجامعيين، وطالب بإعادة الزخم السياسي والإعلامي والحقوقي بشأن "المأساة الفيلية"، واتخاذ مجموعة من الإجراءات والتشريعات والاستراتيجيات القادرة على رد الحقوق إلى الجماعة.
الفيليون هم جزء من المجموعة العرقية الكردية، من فرع "اللور"، يتحدثون لهجات لغوية كردية عديدة، ويتدينون بالإسلام على المذهب الإثني عشري، وينتشرون على طرفي الحدود العراقية - الإيرانية، في المنطقة الوسطى من تلك الحدود، في محافظات كرمنشاه وإيلان وخوزستان الإيرانية، وما يقابلها من محافظات ميسان وبغداد ومناطق جلولاء وخانقين العراقية.

المطاردة والإبادة
أغلب الفيليين كانوا من سكان المدن الرئيسية في العراق، ويشكلون جزءاً رئيسياً من الطبقة التجارية والتعليمية والإدارية العليا في العهد الملكي. لكن، ومع وصول حزب البعث إلى سُدة الحكم في العراق عام 1968، صار الفيليّون يُتهمون بدعم الحركة التحررية القومية الكردية، بالذات عبر الدعم المالي والرعاية السياسية والإعلامية لكوادر تلك الحركة وتنظيماتها ومؤسساتها، فمورست ضدهم مجموعة من السياسات والقرارات والاستراتيجيات التي "أطاحتهم" سياسياً واقتصادياً وحتى فيزيائياً. فالفيليّون الذين كانوا في أواسط الستينات يقدّرون بنحو نصف مليون، ويشكلون قرابة 3 في المئة من سكان العراق، صاروا فقط قرابة عشرين ألفاً في ما بعد.
بدأ النظام العراقي السابق أولى حملات مناهضة الفيليين عام 1969، ورحّل أكثر من 70 ألفاً منهم إلى إيران، بدعوى أصولهم غير العراقية، وأتبع ذلك بحملات عزل وفصل منظمة للشخصيات الفيلية من مؤسسات الدولة والجامعات والأسواق التجارية والنقابات المهنية استمرت حتى عام 1973، وتوقفت نسبياً بسبب الاتفاق الذي عقدته الحكومة العراقية وقتئذ مع زعيم الحركة الكردية الملا مصطفى البارزاني.
الإبادة الجماعية حدثت عام 1980، مع بدء الحرب العراقية - الإيرانية، إذ أصدر الرئيس العراقي السابق صدام حسين المرسوم 666 الشهير، الذي سحب الجنسية من 360 ألف كردي فيلي، وصادر ممتلكاتهم، ورحّلهم إلى خارج الحدود، ففُقد أكثر من 15 ألفاً منهم أثناء تلك الحملة، سواء عبر عمليات الاغتيال المباشر أم بفقدان الأثر في أقبية السجون العراقية. وكان الرئيس العراقي يقول صراحة إن الفيليين "ليسوا عراقيين ولا يملكون ولاءً للعراق".

مطالب ووعود
الباحث والناشط الفيلي رحمان وهبي شرح في حديث مع "النهار العربي" مطالب الفيليين ورؤيتهم لما يجب أن تفعله السلطات الحكومية العراقية لاستعادة ما سمّاه "جزءاً من حقوق الكُرد الفيليين"، على سبيل رد الاعتبار على الأقل. وقال: "نعم صحيح، صدرت العديد من القرارات الحكومية بشأن الفيليين منذ عام 2003 حتى الآن، لكن مع الأسف بقيت حبراً على ورق، بدليل التمثيل السياسي والحكومي المتواضع للفيليين في جهاز الدولة العراقية، إلى جانب بقاء ممتلكاتهم ومناطقهم بتصرف الجهات المستولية عليها. ومع الموضوعين، ثمة غياب تام لمأساة الفيليين عن البرامج الإعلامية والتربوية والخطابات السياسية العراقية. لأجل ذلك، المطلوب هو تنفيذ سياسات عملية مباشرة، تضع أجندة واضحة ومبرمجة تنفذها الحكومات في كل تلك القطاعات تنفيذاً حثيثاً".
كان البرلمان العراقي قد اعترف في عام 2011 بالمذابح التي طالت الكرد الفيليين بأنها "إبادة جماعية". لكن الأمور بقيت من دون أي إجراءات عملية حتى عام 2019، حينما أقرت اللجنة المختصة بـ"إزالة الآثار السيئة عن الكرد الفيليين" مجموعة من التوصيات، مثل معالجة الآثار المترتبة على قراري مجلس قيادة الثورة المنحل "489 و617" لسنة 1981، المتعلقين بمصادرة الأراضي الزراعية في منطقتي خانقين ومندلي في محافظة ديالى، وتسوية الحقوق الفيلية فيها، ومراعاة تعيين الفيليين في الوظائف العامة، ومعالجة الدعاوى التي يقيمها الأفراد الفيليون بشأن أملاكهم وأملاك ذويهم.
لكنّ الفيليين يشتكون من تعدد القوانين والتشريعات الخاصة بالملكية وتداخل قرارات الاستيلاء وقوانين التمليك للدولة، التي صدرت طوال ثلاثة عقود، إلى جانب غياب الدعم السياسي للمطالبات القانونية الفيلية، خصوصاً في ظل الخلاف الذي يحدث دورياً بين السلطة المركزية وحكومة إقليم كردستان.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/3/2026 6:20:00 AM
"النهار" تلقي الضوء على تفاصيل المشروعات السورية الخمسة لربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا، وأهميتها والتكلفة الاستثمارية لها، والتحديات التي تواجه هذه المشروعات، والعائد الاقتصادي لهذه المشروعات سواء على الاقتصاد السوري أو على اقتصادات الخليج
النهار تتحقق
4/4/2026 11:36:00 AM
تظهر الصورة رجلاً معصوب العينين، مقيداً بكرسي يشبه قفصاً، في غرفة رفع فيها العلم الايراني.
اسرائيليات
4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية
اسرائيليات
4/3/2026 9:21:00 AM
الجيش الإسرائيلي: مخطط لإطلاق صاروخ مضاد للدروع نحو أراضي دولة إسرائيل
نبض