01-11-2022 | 05:50

"وسام" الوداع

يمنح الدستور اللبناني رئيس الجمهورية مجموعة صلاحيات قانونية استنسابية، بالإضافة إلى ممارسته رئاسة السلطة التنفيذية، والتي تجعل منصبه قريبا إلى حد كبير من صلاحيات الملك المحدودة، ومن هذه الصلاحيات حق منح العفو الخاص بمرسوم، وترؤس الحفلات الرسمية ومنح أوسمة الدولة بمرسوم.
"وسام" الوداع
Smaller Bigger
يمنح الدستور اللبناني رئيس الجمهورية مجموعة صلاحيات قانونية استنسابية، بالإضافة إلى ممارسته رئاسة السلطة التنفيذية، والتي تجعل منصبه قريباً إلى حد كبير من صلاحيات الملك المحدودة، ومن هذه الصلاحيات حق منح العفو الخاص بمرسوم، وترؤس الحفلات الرسمية ومنح أوسمة الدولة بمرسوم.
 
درجت العادة أن يقوم كل رئيس في الأشهر الأخيرة من ولايته بممارسة تلك الصلاحيات، فيوزع الأوسمة إلى الأشخاص والهيئات القانونية التي ساهمت إيجاباً في خدمة لبنان والمشاريع التي نفذها الرئيس أثناء ولايته، وهذا ما قام به ميشال عون خلال الأسابيع المنصرمة خاصة، فشلح على "مريديه" وحلفائه السياسيين عدداً من الأوسمة، ولكنها بدل من أن تظهر حجم المشاريع التي نفذت في عهده، أدت إلى اعتراض شعبي وحملة سخرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
 
في الحقيقة، مشهد منح عون الأوسمة لأتباعه لم يكن مستفزاً بقدر الاستفزاز الذي ظهر بعد نشر صورة سفير نظام بشار الأسد علي عبد الكريم علي، وهو يتسلم وسام الأرز الوطني من رتبة ضابط أكبر، وذلك "لمناسبة انتهاء مهامه وتقديراً لجهوده في توطيد العلاقات بين البلدين الشقيقين". لسبب من الأسباب، تعود إلى الذاكرة صورة الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله، وهو يهدي قيادة الجيش السوري وبالتحديد العميد رستم غزالي، مسؤول المخابرات السورية، بندقية آلية قبل أيام من بدء جلائه عن لبنان عقب اغتيال الشهيد رفيق الحريري عام 2005.
 
ميشال عون الذي بدأ مسيرته السياسية كقائد للجيش ورئيس الحكومة الانتقالية سنة 1988 وبعدها كمحرر للبنان من "الاحتلال" السوري، قرر كما فعل قبله حليفه السياسي حسن نصر الله بتكريم غزالي أن يمحو سنوات نضال مجموعة شجاعة من ضباط الجيش اللبناني وجنوده الذين رفضوا الاستسلام أمام غزو الجيش السوري، ومنهم من تم إعدامهم ميدانياً، وقسم منهم تم اعتقالهم في أقبية المخابرات والسجون السورية وحقق معهم مجرمون من أمثال غازي كنعان وجامع جامع ورستم غزالة، ثم خرج شبان وشابات ناضلوا من سنة 1990 لخمس عشرة سنة أثناء الوصاية السورية على لبنان وتعرضوا للمضايقات والاعتقال والتنكيل لحين عودة "الجنرال" من منفاه الفرنسي سنة 2005.

مشهد تكريم السفير السوري يعيد إلى سنوات النضال الطلابي في الجامعة الأميركية، إلى جانب طلاب التيار الوطني الحر والمجموعات اليسارية ومنظمة الشباب التقدمي.
 
ففي إحدى المعارك الانتخابية قبل الانسحاب السوري، التقيت "عساف" الذي كان يرأس الخلية "العونية" في الجامعة، ورغم الأرقام الجيدة لحزبه في الانتخابات، فقد كان منزعجاً ومهموماً، فبادرته بالسؤال عن السبب، ليجيبني بأنه تلقى اتصالاً من جهاز أمني لبناني محسوب على المخابرات السورية طلب منه الحضور "لشرب القهوة" في الصباح، وهو شيء يدعو إلى القلق، بخاصة أن مسؤول الطلاب في "القوات اللبنانية" رمزي عيراني كان قد اختطف قبل سنة ووجد مقتولاً في صندوق سيارته في أحد شوارع العاصمة. قصة عساف لم تكن وحيدة، فرفيقه الشجاع ذو اللهجة الزغرتاوية "جوليان" كان قد خطفه مجهولون وثم اقتيد إلى "البوريفاج" ليتم تعذيبه وإطفاء السجائر في ظهره.
 
إذا اخترنا أن نسامح نظام البعث على ما ارتكبه مجرموه خلال سنوات الحرب وبعدها سنوات الوصاية، فكيف يمكن لميشال عون "كرئيس للجمهورية وحام للدستور" أن ينسى أن النظام السوري مسؤول عن تفجيري مسجد التقوى والسلام في طرابلس، ومقتل 47 وجرح أكثر من 800 لبناني.
 
إعطاء وسام للسفير السوري، بخاصة بعد تفجير مرفأ بيروت عبر أطنان من مادة نترات الأمونيوم المخزنة من "حزب الله" لمصلحة النظام السوري، هو جريمة مستمرة بحق عائلات شهداء المرفأ الذين لا يزالون غير قادرين على الراحة بسبب الآثار النفسية لذلك الكابوس الرهيب، كابوس مستمر بسبب منع عون وحلفائه العدالة من تحقيق مسارها.

المرء هو من يصنع الأوسمة من خلال مساهمته في بناء مجتمعه والعالم، وفي حال "رئيسنا" الراحل عن قصر بعبدا، فإن المنصب لم يغير من فظاظته ومن جنون العظمة لديه، بل جعل من ولايته وتاريخه السياسي وسام عار على كل شخص يجعل من العنصرية والفساد نبراسه الأخلاقي.
 
المهم أن 31 تشرين الأول (أكتوبر) هو نهاية عهد عون، وأصبح من الممكن للشعب اللبناني التطاول على عون كرئيس سابق للجمهورية، كون المادة 384 من قانون العقوبات لا تجرم التطاول على رئيس دولة سابق، فكيف بالأحرى إن كان ميشال عون.
 

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
أبلغ دونالد ترامب الكونغرس بأن الحرب مع إيران “انتهت”، في محاولة لاحتواء الجدل القانوني مع بلوغ مهلة الـ60 يوماً دون تفويض تشريعي
لبنان 5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي".