ضاق رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك ذرعاً بعنف العسكر وتمسكهم بالسلطة، من جهة، وبانتقادات قوى الحرية والتغيير توقيعه اتفاق الشراكة مع قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح البرهان، من جهة أخرى. هذه الأسباب وغيرها حملته على تقديم استقالته بعد موجة العنف المفرطة من قوى الأمن والجيش ضد المتظاهرين في الخرطوم والأقاليم الذين استطاعوا الوصول إلى باحة القصر الجمهوري.
تطور الحوادث واستعمال العنف أجبرا حمدوك على التراجع عن تقديم استقالته، والطلب الى فريق المساعدين في ديوان رئاسة الحكومة ترتيب الملفات للمغادرة. سبق لحمدوك التلويح بالاستقالة وعدّل عن موقفه بناءً لوساطات دولية وإقليمية وضغوط محلية، طلبت إليه التريث والصبر وعدم ترك السفينة في بحر هائج من المشكلات والأزمات.
حمدوك نفد صبره. ربما لا يرى نوراً في النفق ولا استعداداً لتقديم تنازلات والتوصل إلى تسوية بين الفريقين. اجتمع أخيراً مع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح ونائب قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) لإبلاغهما نيته الاستقالة. هو متضايق من الحملات الرخيصة على التواصل الاجتماعي من شباب تحالف الحرية والتغيير، الحاضنة السياسية لحكومته التي شجعته على التفاوض مع البرهان وعقد اتفاق الشراكة، ثم أخذت تنتقده وتتهمه بالخيانة والاستسلام...
حمدوك الوحيد والمعزول يواجه المكوّن العسكري وقادة الحركات المسلحة، وبخاصة زعيم حركة "العدل والمساواة" جبريل إبراهيم، وزير المالية السابق الذي يرفض الاستقالة وينافس حمدوك على رئاسة الوزراء. وافق حمدوك بالأصل وتخلى عن مهماته الأصلية لأهمية خدمة السودان خلال الفترة الانتقالية. وخلال السنوات الثلاث حقق فعلاً إنجازات مهمة على الصعيد الاقتصادي: رفع العقوبات وتدفق القروض والمساعدات والاستثمارات. فرص تبددت بعد انقلاب 25 تشرين الأول (أكتوبر). حاول عبر اتفاق الشراكة مع البرهان إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتأليف حكومة تكنوقراط بصلاحيات واسعة تنفيذية، لا يكون للجيش أي تدخل فيها.
بعد شهرين من الانقلاب لا تبدو حلحلة في الأفق، بل مزيد من التصعيد والتأزيم والتشرذم. اتفاق الشراكة لم يغير في الواقع شيئاً، والأمور عادت الى نقطة الصفر. حكومة تكنوقراط جديدة لم تؤلف. أوضاع معيشية واقتصادية ازدادت سوءاً. تظاهرات مليونية توسعت واشتدت نقمة وتشبثاً بضرورة إنهاء حكم العسكر والتخلي عن السلطة للمدنيين. شهداء وجرحى بالعشرات والمئات من استعمال القوة والعنف. لا بوادر لانطلاق المسيرة الديموقراطية وإنتاج انتخابات عامة في 1923. السودان في عنق الزجاجة. لم يكشف البرهان عن أهداف الاتقلاب سوى البقاء في السلطة والتنكر لتداول السلطة وإعطاء الحكم للمدنيين. المجتمع الدولي والإقليمي يؤيدان الشارع ويشترطان لإعطاء القروض تسليم السلطة الى المدنيين.
الإرباك والتخبط يلفان جميع القوى السياسية. عناد العسكر وتصميمه على البقاء في الحكم، أفشلا الاتفاقات والتفاهمات السابقة مع قوى الحرية والتغيير. الثورة بفصائلها وأحزابها فشلت في توحيد صفوفها ولمّ شمل عناصرها، ما يعرقل إيجاد حلول وتسويات ويبقي الأوضاع هشة ومتفجرة. لم يعلن أي طرف عن برنامج عمل موحد. ولا خريطة طريق تستطيع انتشال البلاد من التمزق والانقسام والضياع.
مشكلة السودان أن المكوّنين الرئيسيين، العسكر والمدنيين، يتمسكان بمواقف متطرفة صعبة التحقيق. لا نيات ولا بوادر لتقديم تنازلات متبادلة للتوصل الى تسوية. شعار الثورة لا تفاوض لا شراكة ولا شرعية مع العسكر يصعب تحقيقه وفيه الكثير من الرومانسية السياسية. القوى الإقليمية التي تساند البرهان وأيدت الانقلاب عاجزة عن مساعدته بإقناع الأميركيين والأوروبيين بتأييده وعدم حجب القروض والمساعدات.
الغرب عموماً وأميركا وأوروبا خصوصاً تؤيد الشارع المنتفض، وتدين تعنت العسكر واستئثارهم بالسلطة. الانطباع العام الغربي، حكومات وصحافة وإعلاماً، هو أن الشعب السوداني شبع من الحكم العسكري حتى الثمالة، وملّ من الانقلابات على مدى عقود وعقود، ويتطلع الى الحكم المدني والممارسة الديموقراطية.
مواقف الأطراف المتخاصمة متباعدة. لا ثقة بين العسكر والشعب. الشارع يبالغ في مطالبه والعسكر متمسك بعاداته، وكأن العادات القديمة لا تموت. العسكر ينتظر تعب الناس من التظاهر والعودة الى العمل وتحصيل القوت اليومي. كل الدلائل تشير الى أن المعارضة السودانية مصممة على البقاء في الشارع أطول فترة ممكنة، حتى تحقيق مطالبها بعودة العسكر الى الثكنات، وتعيين حكومة مدنية مسؤوليتها الأولى الإعداد لانتخابات نزيهة تنتخب سلطة جديدة مدنية.
مضى شهران على الانقلاب الذي لم يستطع تحقيق شيء سوى تعقيد الأمور وإعطاء العسكر مزيداً من الوقت. البلد مشلول. الأحزاب السياسية هرمت. الشباب السوداني المنتفض الذي يشكل أغلبية السكان (44 مليون نسمة) ويمثل عصب البلاد ومستقبلها، متمسك بالتغيير والتطور الديموقراطي والحكم المدني العصري والنظيف وغير الفاسد.
معضلة السودان معقدة ومتشعبة ومزمنة. من الصعب إبعاد العسكر عن السياسة في السودان. العسكر له ماض وتراث وغير مستعد للتنازل عنه. الشعب غير موحد. قبائل وجهات ومناطق متباعدة غير متجانسة ومتنافرة ومتناحرة. الأمل أن يتوصل الفريقان العسكري والمدني الى قناعة بالتعايش والمساكنة والقبول بحلول وسطية، واجتراح صيغة توافقية تعزز من دور الجيش في حكاية الوطن والأمن، وقيام حكومة مدنية تنفذ برنامجاً إصلاحياً تنموياً يعطي السودانيين الأمل والازدهار.
السودان بلد غني. خيراته عديدة. نفط وذهب ومواد أولية متنوعة. موقع استراتيجي مهم على البحر الأحمر، تتصارع الدول الكبرى لاستحواذ قواعد عسكرية وتجارية فيه، روسيا والصين تبديان طمعاً بموقع على البحر الأحمر يكون مدخلاً الى قلب أفريقيا. الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وإسرائيل تريد إبقاء البحر الأحمر بعيداً من الصراع الدولي، وممراً آمناً لخطوط النفط والتجارة الدولية.
ظروف السودان الداخلية صعبة والخارجية معقدة. الأمل أن يبقى التفاوض مستمراً بين العسكر وقوى الحرية والتغيير، مهما كانت الصعاب والأزمات، لأن الحوار يضيق الهوة بين الطرفين ويمهد للإنقاذ. بقاء حمدوك في منصبه رئيساً للوزراء وطي صفحة الاستقالة أكثر من ضروري، لأنه شخصية مقبولة ومحترمة داخلياً وخارجياً، نظراً الى رصيده المهني والاقتصادي. إذا أصر حمدوك على الاستقالة ولم تنفع الوساطات، فسيترك غيابه فراغاً ليس من السهل إيجاد بديل له. الاستقالة ستربك الوضع وتطيل عمر المعاناة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الخليج العربي
5/29/2026 12:33:00 AM
شهد الحفل حضور عدد من كبار الشخصيات الإسلامية، وضيوف خادم الحرمين الشريفين، إضافة إلى رؤساء الوفود وممثلي مكاتب شؤون الحجاج.
لبنان
5/28/2026 5:35:00 PM
يسبق يوم العيد عشر ليال، تسمى عند الموحدين الدروز ليالي العشر، يقوم فيها المشايخ والشيخات بالتوجه نحو المجالس الدينية والمقامات وأداء الصلاة كل ليلة. وكثيرون لا يعرفون أن الموحدين الدروز يصومون خلال هذه الفترة.
فن ومشاهير
5/27/2026 4:12:00 PM
وشهدت الأشهر الماضية تداول أنباء متكرّرة عن زواجهما، إلا أنّ الإعلان الرسمي عن ارتباطهما تأجّل حتى الآن.
موضة وجمال
5/26/2026 11:06:00 AM
أتت هذه الإطلالة اللافتة للأميرة رجوة في أول مشاركة لها في احتفال عيد الاستقلال السنوي بعد ولادة الأميرة إيمان.
نبض