28-11-2022 | 17:58

التحقُّق من المعلومات بين مسؤوليّة الإعلاميّ ومسؤوليّة الوسيلة

التحديّات المهنيّة تضع الإعلامي في مواجهة إشكاليّات يطرحها التطوّر والتحديث الدائم لوسائط الإتصال ووسائل التواصل، ما يتطلّب من المؤسّسة الإعلاميّة وضع (شرعة عمل) يلتزم العاملون بقوانينها ومبادئها حرصاً على الصدقيّة المهنيّة والرصيد المعرفي والكرامة الشخصيّة التي تبقى معرضّة للتشويش بسبب كثرة مصادر المواد وتضاربها وفوضى المتواردات الخبريّة التي تحتاج كلّها إلى عمليّات معالجة مركّزة للتحقّق من مدى صحّتها والتدقيق بكلّ تفاصيلها ودقائقها وتوقع الإنعكاسات التي قد تتسبّب بها في مرحلة ما بعد النشر.
التحقُّق من المعلومات بين مسؤوليّة الإعلاميّ ومسؤوليّة الوسيلة
Smaller Bigger
السؤال المحوري الذي يُطرح بقوّة في زمن اختلال الوزن والاضطراب السياسي هو: مَنْ يحمي المعلومات الصحافيّة في لبنان وينقذ الجمهور من الإعلام المشوّش والمُضَلِّل للرأي العام؟
 
يتعرّض الإعلاميّون في عملهم إلى مخاطر مهنيّة تضعهم أمام مسؤوليّات ذات صلة بعملهم الميداني الذي يتوزّع بين ملاحقة الأخبار وإجراء التحقيقات وإعداد التقارير وتنفيذ التغطيات، التي تشكّل مواد أوليّة رئيسة لأي تحليل أو تعليق أو استنتاج يقدّمه الإعلامي في قراءته للحوادث وتقويمه النقدي لها، من منظور الراصد والدائم الاطلاع على ما يحيط به من حوادث يعاينها ويعيشها، وما يتواتر إليه من رزم أخبار خام ومعلومات غير مؤكّدة ولا مستندة إلى مصدر واضح ظاهر وصلب تستوجب إخضاعها إلى عمليّة ثلاثيّة:
1. التدقيق بصحّة مضمونها
2. التأكّد من مصدرها
3. التحقّق من حدوثها
 
هذه التحديّات المهنيّة تضع الإعلامي في مواجهة إشكاليّات يطرحها التطوّر والتحديث الدائم لوسائط الاتصال ووسائل التواصل، ما يتطلّب من المؤسّسة الإعلامية وضع "شرعة عمل" يلتزم العاملون بقوانينها ومبادئها، حرصاً على الصدقية المهنية والرصيد المعرفي والكرامة الشخصيّة التي تبقى معرضة للتشويش بسبب كثرة مصادر المواد وتضاربها وفوضى المتواردات الخبريّة التي تحتاج كلّها إلى عمليّات معالجة مركّزة، للتحقّق من مدى صحّتها، والتدقيق بكلّ تفاصيلها ودقائقها، وتوقع الانعكاسات التي قد تتسبّب بها في مرحلة ما بعد النشر.
 
إنّ مسؤوليّة التدقيق والتحقّق من كلّ مادة قبل نشرها هي مسؤولية ثنائيّة بين الإعلامي والوسيلة، وتتعاظم مخاطرها أكثر في عصر التطوّر اللحظوي والآتي لوسائل الإعلام، وتطرح على الإعلامي جملة تحدّيات عليه أن يتعامل معها بخفر شديد ويتجاوزها بأقل خطر ممكن، خصوصاً عندما يكون محكوماً بالسبقيّة الخبريّة، في زمن تحوّل فيه كل حامل هاتف، إلى "ناقل كلام" و"مروّج أخبار" و"ناشر شائعات"، ما أوجب على الإعلامي أن يحصّن دوره ويتمايز عن "المتطفّلين" على الوظيفة الإعلاميّة من خلال وضع قواعد عمل منهجيّة يلتزمها في أدائه، وتكون بمثابة دفتر شروط ضروري لإنتاج أي مادة ذات طابع خبري أو معرفي.
 
فعمليّة التحقّق من صحّة الخبر عن حدث ما، لا تقل أهميّة من عمليّة التدقيق بتفاصيل أي معلومة عامة أو نصيحة طبية أو خبر تاريخي أو رأي اقتصادي وغيره من فنون الكلام في الاستراتيجيّات السياسيّة والماليّة والبيئيّة والصحيّة التي كثر التركيز عليها، باعتبارها تصدر عن "خبراء استراتيجيين".
 
إنّ عمليّة إعادة النظر بكلّ ما يتواتر إلى الإعلامي من مواد، هي واجب مهنيّ يقع في صلب مبادئ "الأخلاق الإعلاميّة" التي من الواجب التقيّد بها والعمل وفق منطلقاتها الأساسيّة التي تستجيب للحقيقة دون غيرها، شرط التأكّد من صحّة المقاصد المخفيّة وظروفها للخبر أو الشائعة.
 
فعمليّة التدقيق والتحقّق تتوافق مع مبدأين أساسيين في العمل الإعلامي، أوّلهما، عدم التسرّع بنشر كلّ ما يصل وما يُسمع ويُقرأ ويُنقل؛ وثانيها، محاذرة الوقوع في "الخطأ المهني"، الذي ينعكس سلباً على الصحافي والوسيلة الجمهور. وهذه من تقنيّات وركيزيّات مهارة التحقّق والتدقيق في "السوق الحرّة للأخبار" التي يضيع فيها الجيّد والصح، وتختلط فيها المواد الجيّدة والصحيحة مع المواد الكاذبة والمغشوشة والمعلومات المشوّشة وغير الصلبة.
 
وبالتوازي مع عمليّة تحصين الأخبار والمعلومات والتأكّد من صحّتها قبل نشرها، تبرز مسؤوليّة أخرى على الإعلامي أن يتنبَّه لها، هي عدم الترويج للخطأ والتسويق للشائعة، كي لا يصبح مساهماً بالجرم المعرفي.
 
وإذا كانت مسؤوليّة الإعلامي واضحة في هذا النطاق، كونه المراسل والمخبر والمندوب الميداني للوسيلة الإعلاميّة، فإنّ المسؤوليّة تكون أكبر على المؤسّسة الإعلاميّة (صحيفة ووكالة وإذاعة وتلفزيون وموقع)، لأنّها هي التي تنشر وتبثّ وتوزّع وتروّج وتسوّق وتسهم بخلق حالات الضياع غير المقصود والتضليل المقصود.
 
لكن إلى أي مدى يُمكن للإعلامي أن يحمي أخباره ومقالاته من هيمنة الرأسماليّة على أصحاب المؤسسات الإعلاميّة التي قد تتقاضى مبالغ كبيرة في سبيل الترويج لمشروع اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي، خدمة لأجندات واستراتيجيّات خاصة، غالباً ما تصنع رأياً عاماً مشوّشاً من خلال بث شائعات ومعلومات منقوصة تحمل تأويلات عديدة، تخلق حالة ضياع في ذهن المتلقي ومحاولته رسم صورة ذهنيّة واضحة من الحوادث وتداعياتها الآنية والبعيدة المدى أيضاً؟
 
لقد دخل الإعلام اليوم خصوصاً بما وفّرته ثورة التكنولوجيا، في معادلة صراع القوّة والسيطرة على حساب مصلحة الشعوب وحقوقها، خصوصاً عندما قام أصحاب النفوذ الاقتصادي والسياسي باستعماله وتطويعه لأغراض واستراتيجيّات خاصّة، وبعدما اجتهدت الدول الكبرى في التأسيس للإمبريالية الإعلاميّة لتعزيز سلطتها على شعوب البلدان الفقيرة.
 
د.ليليان قربان عقل
دكتوراه في علوم الاعلام والاتصال
 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.