28-11-2020 | 17:24

الأزهر والحاضنة الإخوانية... المخطط الشيطاني لم يتوقف

سؤالٌ ملحٌ يدور في أذهان الكثيرين حول عدم قيام الأزهر الشريف- المؤسسة الأكثر تأثيراً في العالم الإسلامي السُني- وهيئة كبار علمائه الحالية، بالتعليق رسمياً على المنهجية الفكرية والتنظيمية لجماعة الإخوان وخروجها عن الإطار الصحيح للشريعة الإسلامية، كونها تمثل إمتداداً لفكر الخوارج في التاريخ المعاصر، وذلك رغم صدور قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وتأييده رسمياً من قبل مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، باعتبارها جماعة إرهابية.
الأزهر والحاضنة الإخوانية... المخطط الشيطاني لم يتوقف
Smaller Bigger
سؤالٌ ملحٌ يدور في أذهان الكثيرين حول عدم قيام الأزهر الشريف- المؤسسة الأكثر تأثيراً في العالم الإسلامي السُني- وهيئة كبار علمائه الحالية، بالتعليق رسمياً على المنهجية الفكرية والتنظيمية لجماعة الإخوان وخروجها عن الإطار الصحيح للشريعة الإسلامية، كونها تمثل إمتداداً لفكر الخوارج في التاريخ المعاصر، وذلك رغم صدور قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وتأييده رسمياً من قبل مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، باعتبارها جماعة إرهابية.
 
في شباط (فبراير) 2019 أصدر الأزهر الشريف بياناً وصف فيه الإخوان بأنها جماعة تسير على خطى تنظيم "داعش" وغيره من الكيانات الإرهابية التي تسعى لنشر الفوضى وتحقق أجندات خفية تعبث وتهدد استقرار البلاد وأمنها، وذلك رداً على بيان الجماعة المنشور تحت عنوان "عزاء مؤجل وقصاص مستحق"، تعقيباً على إعدام عناصرها المتورطين في اغتيال النائب العام المصري، المستشار هشام بركات.
 
ربما اعتبر البعض أن بيان المؤسسة الأزهرية جاء باهتاً وغير مباشر، ولم يكن بالدرجة الكافية في الشرح والتوضيح، رغم امتلاكها الأدوات الفاعلة، في ظل تحملها الكثير من تبعات انتشار الفكر المتطرف والمتشدد في أوساط الشباب المسلم، وتزامناً مع غياب حقيقي في محاصرة البؤر الفكرية المنحرفة، والرد على أطروحاتها وضلالاتها التي تستند إلى الكثير من الآراء الفقهية التي تبنتها عناصر تخرجت في ساحات الأزهر من معاهد وجامعات.
 
تجاهل قيادات المؤسسة الأزهرية الحالية انتقاد الفكر القطبي، يطرح أمام الجميع إفتراضية تدور حول مدى إمكان نجاح التنظيم الإخواني وقواعده في اختراق تلك المؤسسة الدينية العالمية العريقة، وتطويعها لتكون منبراً يعبر ويمثل الإيدلوجيا الفكرية للجماعة ومشروعها وأهدافها، لضمان تماشي الخطاب الأزهري مع المنهجية الإخوانية، واستنساخ قوالب بشرية تتوافق مع أبجدياتهم التنظيمية السرية.
 
الحديث عن تحول الأزهر الشريف لثكنة إخوانية ليس بمحض خيال أو عبث، لكنه واقعاً حقيقياً لما لهذه المؤسسة من دور واضح وكبير في نفوس المسلمين السُنة على مستوى العالم وليس مستوى الداخل العربي أو المصري فقط.
 
منذ تأسيس الجماعة على يد حسن البنا في أذار (مارس) 1928، وضعت الأزهر الشريف نصب أعينها، وعملت على استمالة أكبر عدد من مشايخه ورموزه وطلابه، ومن ثم زخرت مختلف المذكرات الشخصية لقادة ومرجعيات الإخوان بالحديث عن أهمية الأزهر، وتأثيره كمنصة عالمية، يمكن أن تسهم في شكل فاعل في نشر أفكارهم وأدبياتهم.
 
لم تكن مشاركة أربعة من شباب جامعة الأزهر في عملية اغتيال النائب العام المصري السابق هشام بركات، في حزيران (يونيو) 2015، وانضمامهم إلى الجناح الإخواني المسلح، أمر بمحض المصادفة، لكنه يمثل امتداداً لتاريخ طويل واستراتيجية اتجهت في طريق توظيف وتجنيد ابناء المؤسسة الأزهرية لخدم مشروع الجماعة ومسيرتها تاريخياً وتنظيمياً.
 
يقول نائب مرشد الإخوان السابق، جمعة أمين، في كتابه "أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين": "ولقد كان مسلك الأستاذ البنا من الأزهر التودّد إليه، ولم يكن مسلك مداهنة، ولا مصانعة؛ بل كان مسلك من يؤمن، أولاً، بأن تبقى للأزهر هيبته، وثانياً: بأنّه لا بدّ من أن تبذل الجهود لاستصفاء رجاله، ليكونوا أهل دعوة حقيقية".
 
رأت الجماعة وقياداتها أن الطالب الأزهري مهيأ تماماً لقبول الفكرة الإخوانية والالتصاق بها، على عكس الطلاب الذين يدرسون في الهيئات الحكومية والمدنية، لكون التعليم الأزهري قائم على العلوم الدينية والشرعية، ومن ثم لا يبقى سوى توجيه البوصلة فقط تجاه أهداف التنظيم. فأسست الجماعة في هيكلها الداخلي قسماً معنياً بمتابعة طلاب المعاهد الأزهرية، ضم طلاب المراحل (الإبتدائية، والإعدادية، والثانوية)، تحت مسمى "أشبال الأزهر"، وعلى مستوى التعليم الجامعي، أسست قسماً أخر، تحت مسمى "طلاب الأزهر"، وجعلته منفصلاً عن "قسم الطلبة" داخل كيانها التنظيمي.
 
كان نشاط الإخوان داخل جامعة الأزهر أكبر بكثير من حجم نشاطهم داخل أي جامعة مدنية أخرى، لسهولة استمالة الطلاب الأزاهرة والتأثير عليهم نظراً لتعمقهم في الجانب الديني فقهياً وشرعياً، ما يؤهلهم لتبنى الخطاب الإخواني من دون معاناة، إلى جانب أن الكثير منهم "مغتربون"، ما أتاح لهم فرصة الإقامة الكاملة داخل "المدينة الجامعية"، التي تحولت إلى معسكرات للاستقطاب والتجنيد، والتأهيل ايضاً، في ظل سيطرة الإخوان على المشهد من خلال أسرة "جيل النصر المنشود"، التي تأسست عام 1993، وضمت أكثر من ألفي طالب أزهري حينها.
 
نتيجة عزوف أهالي القاهرة وبعض المدن الكبرى عن الحاق ابنائهم بالأزهر، أصبحت الغالبية العظمى من طلابه ينتمون للريف المصري والأقاليم، ومن ثم رأت الجماعة أنه يمكن تحويلهم إلى سفراء يمثلون المشروع الفكري للإخوان عقب عودتهم إلى قراهم وبلدانهم، وكانوا فعلياً أحد العوامل الرئيسية في تمركز المنهج القطبي داخل الريف المصري، الذي كان بمثابة ظهير قوي للتنظيم.
 
طلاب الأزهر من وجهة نظر الإخوان، مغنم متعدد المكاسب، فهم الأجدر على اعتلاء المنابر والسيطرة على حلقات تحفيظ القرآن ودروس العلم في المساجد والزوايا، بحكم دراستهم الشرعية، وانتمائهم للمؤسسة الأزهرية، ما يعني أنها حولت الطالب الأزهري إلى "إخواني برخصة"، يستطيع نشر أفكار وأهداف التنظيم بسهولة،دون ملاحقة أو متابعة أمنية.
 
واستمكالاً لهذا المخطط، أسست الجماعة في منتصف تسعينات القرن الماضي، كيانا تحت مسمى "لجنة الدعوة العامة والخطابة"، أسندت مسؤوليته لخريجي المؤسسة الأزهرية بهدف السيطرة والهيمنة على منابر المساجد، والزوايا، وسعت لتحويلها كبديل لوزارة الأوقاف ودار الإفتاء المصرية، لدرجة جعلتها تتحكم في منهجية الخطب ومفردات الفتاوى التي تردد داخل مئات المساجد.
 
لم تتوقف خيوط المخطط الشيطاني في السيطرة على المؤسسة الأزهرية عند هذا الحد، لكنها دفعت بعناصرها للإنضمام إلى المنظومة التعليمية داخل المعاهد الأزهرية، للإستفادة منهم في تحقيق عمليات الإستقطاب والتجنيد بين أوساط الطلاب في سن مبكرة، فضلاً عن سيطرتهم على عضوية "هيئات التدريس" داخل جامعة الأزهر وتغلغلهم داخلها.
 
كانت جامعة الأزهر المنبر الوحيد الذي أعلن الإخوان من داخل ساحته وفي شكل رسمي عن تبنيهم لمنهج العنف والتعريض باستخدام القوة المسلحة، إبان نظام الرئيس حسني مبارك، من خلال عرض شبه عسكري عام 2006، نفذه طلاب الجماعة وتم القبض عليهم في القضية رقم (963) لعام 2006، وإحالتهم إلى القضاء العسكري.
 
لكن الحقيقة التي ربما تغيب عن الكثير منا، رغم محاولات الإخوان المستميتة للهيمنة على المؤسسة الأزهرية، أن عددا من رموز الأزهر الشريف منذ أربعينات القرن الماضي، انتقدوا الإخوان منهجاً وفكراً وتنظيماً وحذروا من خطورة الجماعة ومشروعها عبر بيانات رسمية وغير رسمية صدرت من هيئاته العلمية وكبار مشايخه، وفقاً لما رصده الباحث الإسلامي الدكتور حسين القاضي في كتابه "موقف الأزهر وعلمائه من جماعة الإخوان".
 
من أمثلة ذلك، ما صدر عام 1954 ، تحت عنوان "نداء للأمة" عن هيئة كبار علماء الأزھر، واصفاً جماعة الإخوان بأنها فئة تلاعبت بهم الأهواء ويتسترون بالدين لتحقيق مطامعهم في الوصول للسلطة، وأنهم أنحرفوا فعلياً عن القرآن والسنة، وتآمروا على قتل الأبریاء، وترویع الآمنین.
 
ويعتبر الشيخ محمد مصطفى المراغي، شيخ الأزهر الشريف، (1935 - 1945)، أول من قدم طلباً رسمياً لرئيس الوزراء المصري حينها، أحمد ماهر باشا، بضرورة حل تنظيم الإخوان، بسبب انتهاجهم للعنف المسلح، فضلاً عن تأسيسهم قسماً للفتوى، داخل الجماعة ليكون مرجعية ونافذة بديلة عن الأزهر ومؤسساته.
 
ويعتبر العالم الأزهري، أحمد محمد شاكر، وكيل الأزهر الشريف، وأهم متخصصي عصره في علم الحديث، من أوائل الذين وصفوا جماعة الإخوان عام 1949 بأنهم "خوارج العصر"، قائلاً: "لعل الله يهدى بعض هؤلاء الخوارج المجرمين، فيرجعون إلى دينهم قبل أن لا يكون سبيل إلى الرجوع، وإنما الإثم والخزى على هؤلاء الخوارج القتلة مُستحلّي الدماء، وعلى من يدافع عنهم ويريد أن تتردي بلادنا عن الهوة".
 
عندما تولى الشيخ حسن مأمون، منصب شيخ الأزهر (1964 - 1969)، أصدرت المؤسسة الأزهرية حينها، تقريراً للرد على كتاب "معالم في الطريق"، للإخواني سيد قطب، وأوضح التقرير: "إن كلمة ولا حاكمية إلا لله، كلمة قالها الخوارج قديمـاً، وهي وسيلتهم إلى ما كان منهم في عهد الإمام علي، من تشقيق الجماعة الإسلامية، وتفريق الصفوف، وهي الكلمة التي قال عنها الإمام علي، إنها كلمة حق أريد بها باطل"، وأيّد الشيخ مأمون حينها اعتقال قيادات وأعضاء الإخوان، ومحاكمتهم عسكرياً.
 
كما وصفهم الشيخ جاد الحق، شيخ الأزهر (1982- 1988)، في كتاب: "بيان للناس من الأزهر الشريف"، قائلاً: "ظهرت في العشرينات من أذار (مارس) 1928 جماعة (يقصد الإخوان)، تنادي بوجوب الاستغناء عن القوانين الوضعية والعودة إلى القوانين الإسلامية بحكم أننا دولة إسلامية، معتقدة أن الحكم الإسلامي قانونا وتطبيقاً لا يعود إلا بالاستيلاء على السلطة القائمة وقتل الحكام الذين تربوا في أحضان الاستعمار، لأنهم في نظرها كفار بطريق مباشر أو غير مباشر صراحة أو ضمناً، وكان من أثر هذا الاعتقاد انحراف في السلوك أدى إلى قتل واغتيال وتخريب وفتنة راح ضحيتها أبرياء".
 
ويعتبر الدكتور على جمعة، مفتي مصر السابق، من المبادرين بالتحذير من جماعة الإخوان، ومخاطرها على المجتمعات العربية والإسلامية، خلال المرحلة الراهنة، فضلاً عن كونه من المؤسسين للمدرسة الصوفية المتشرعة التي تمثل خطاً منيعاً لوقف المد الإخواني السلفي في مختلف الدوائر الدينية والأزهرية، وتحدث بوضوح مطلق عن فكرة "الخوارج الجدد"، وتطابق أدبيات الإخوان مع منهجيتهم ورؤيتهم فكراً وعقيدة.
 
ولا يمكن ايضاً، تجاهل ما تقدمه دار الإفتاء المصرية، من تفنيد ورد شرعي ممنهج وموسع للأطر الفكرية لجماعة الإخوان وتيارات الإسلام السياسي الحركي من خلال مرصد الفتاوى التكفيرية المعني بمواجهة جماعات التكفير والعنف المسلح.
 
لكن يبقى السؤال الأهم... ما هي الأسباب التي منعت أكبر مؤسسة دينية سُنية في العالم، على مدار السنوات الماضية، أن تصدر أي بيانات رسمية حتى هذه اللحظة توضح في شكل مستفيض وموسع حقيقة هذا التنظيم الإخواني القطبي المتطرف؟.
 
*كاتب وباحث مصري في شؤون الجماعات الإرهابية
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 11/2/2026 11:33:00 AM
اشتعلت أزمة إلهام شاهين ومرتضى منصور إثر تصريحاته القاسية ضدها على خلفية مهرجان الجونة السينمائي، لترد النجمة بحسم على لجان "السوشال ميديا" والمنتقدين.
فن ومشاهير 11/3/2026 10:03:00 AM

بإطلالةٍ استحضرت تراث الكرك وحملت دلالات التضامن، لفتت الملكة رانيا الأنظار في مراسم خطاب العرش بـ "المدرقة الكركية".


موضة وجمال 11/3/2026 9:19:00 AM
تألقت الأميرة رجوة الحسين في افتتاح مجلس الأمة الأردني بإطلالة ملكية راقية، معتمدة فستاناً أزرق بنقوش الزهور من Temperley London وحقيبة Saint Laurent.