28-03-2021 | 08:00

الترامبية بين النظرية والواقعية

خسر دونالد ترامب الإنتخابات الأميركية عام 2020، في حين أنه حصل على أكثر من 70 مليون صوت محققًا بذلك ثاني أكبر حصيلة للأصوات الإنتخابية في التاريخ الأميركي، وهو ما يزيد عن 47% من الأصوات على المستوى الوطني.
الترامبية بين النظرية والواقعية
Smaller Bigger
خسر دونالد ترامب الانتخابات الأميركية عام 2020، في حين أنه حصل على أكثر من 70 مليون صوت محققاً بذلك ثاني أكبر حصيلة للأصوات الانتخابية في التاريخ الأميركي، وهو ما يزيد على 47 في المئة من الأصوات على المستوى الوطني. ويبدو أنه فاز بأربع وعشرين ولاية من بينها الولايتان المفضلتان لديه، فلوريدا وتكساس.
 
النسبة المرتفعة في الأصوات الانتخابية التي حصل عليها ترامب، تشير إلى أنّ الرجل استطاع خلال فترة ولايته محاكاة عقل الناخب الأميركي، وليس فقط صوته الانتخابي. فكما أنّ النتيجة التي حصل عليها تعتبر تاريخيةً في الانتخابات الأميركية، كذلك سرعة الإقناع عبر حشد جماهير مؤيّدة له وليس للحزب الجمهوري، تعتبر تاريخيةً أيضاً، لا سيما أنّ لترامب أعداءً في الداخل الأميركي يفوق عددهم أعداء الخارج. 
 
يسأل المتابع، هل نحن فعلاً أمام ولادة مذهب فكري جديد، سيُعرف بالمذهب الترامبي، وسيكون مزيجاً من البراغماتية المنغلقة على المصلحة الأميركية العليا، والمرتكزة الى عنصرية الرجل الأبيض تجاه الأعراق والشعوب الأخرى؟ أم أنّ الذهنية البزنسية لترامب، كونه من أنجح رجال الأعمال، ستدفع به لاستثمار تأييد عدد كبير من الأميركيين له وتشكيل حزب ينبثق بأغلبيته من الجمهوريين، ويضمّ كلاً من اليمين واليسار المتطرف إلى صفوفه، ويكون ترامب في هذه الحالة قد تاجر بمؤيديه بهدف تحقيق ربحٍ سياسيٍّ ليس أكثر؟  
 
يتمتّع ترامب بشعبية غير عادية على مساحات شاسعة من بلاده، وربما أوصل الآلاف من أنصاره إلى مرحلة الشعور بأنه سيكون المنقذ للدور الأميركي في العالم، إضافة إلى أنه حاكى النزعة العنصرية للأميركي الأبيض، وكان جورج فلويد ذو البشرة السوداء، ضحية تلك العنصرية، فعامل المهاجرين بطريقة لا إنسانية، من خلال انتزاع الأطفال من أحضان عائلاتهم؛ هذا ما دفع بالرئيس جو بايدن إلى توقيع مراسيم قضت بلمّ شمل عائلات المهاجرين. كما وأغلق حدود أميركا بوجه الكثير من الدول، لا سيما الشرق الأوسطية، ما دفع ببايدن أيضاً إلى إعادة فتح القنوات القانونية للهجرة وتسهيل التجنيس.
 
ظنّ الأخصام من الديموقراطيين والبعض من الجمهوريين أنّ خسارة ترامب، تعني القضاء على طموح الرجل بولاية ثانية لكرسي الرئاسة. فبالنسبة إليهم، من ترك البيت الأبيض مرغماً سوف لن يعود إليه، ولن يبقى له دور في الحياة السياسية في أميركا، بل جلّ ما يستطيع فعله هو لعب الغولف في أحد ملاعبه، أو قضاء بقية حياته في فندق من فنادقه.
 
صحيح أنّ الخسارة كانت بمثابة صدمة موجعة لترامب وفريقه الانتخابي، ولكن هذا لا يعني إقصاءه من الحياة السياسية. فشخصية ترامب ليست مطواعية، بل مثيرة للاستغراب كما أنّ عالم المال الذي أتى منه، والسياسات التي اعتمدها لتفكيك الحكومة الأميركية الحديثة التي نشأت في القرن العشرين التقدمي، وهو المؤمن بمقولة الرئيس السابق رونالد ريغان: "الحكومة ليست الحل لمشكلاتنا، بل هي المشكلة"، وسعيه لتخفيض الضرائب على الأغنياء وإلغاء الضوابط التشريعية على التمويل والتجارة، دفعت بالكثيرين لتأييده، كزعيم الأغلبية في الحزب الجمهوري ميتش مكونيل، وغيره.
 
يعرف الرئيس السابق دونالد ترامب اقتناص الفرص كي يبرز حضوره، أو حتى كي يظهر ضعف الخصم. لقد وصف ترامب، الخميس 18-3-2021، المهاجرين الوافدين من الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة الأميركية بأنهم وصمة عار وسيدمرون البلد إذا لم يتم فعل شيء حيال ذلك. وفي مقابلة مع قناة "فوكس نيوز" قال ترامب: "انظروا، إنهم يأتون من دول أجنبية، أرى أنهم يأتون من اليمن، ومن الشرق الأوسط. إنهم يأتون من كل مكان، إنهم يسمحون لهم بالدخول"، واصفاً ذلك بأنه وصمة عار. 
 
تصريحه هذا، سنسمع ونرى مثله في الأيام المقبلة، لأنه يهدف إلى تعزيز النزعة الأميركية التفوقية على سائر الشعوب، لا سيما الشرق الأوسطية، بهدف إثبات الوجود، وتسجيل المواقف للمرحلة المقبلة. هذا ما يحفّز شعور العدائية عند المتطرفين الأميركيين، ما يجعلهم ينظمون الصفوف للإنضمام إلى التنظيم السياسي الذي قد يطمح ترامب لتأسيسه. فالترامبية ليست جديدة في أطروحاتها، ولكنّ ترامب استطاع استنهاضها في وقت كانت الأمركة تتفاعل مع العولمة، وتنتشر كثقافة ونمط حياة أكثر منها كفكر تأثيري في الرأي العام. لذا، فخطاب الرئيس ترامب المركّز، يحاكي اللاوعي الجماعي الأميركي، الموجود منذ ولادة أميركا، والمبني على أنّ الأميركي الأصيل مدعو لإعادة بناء النمط العقلاني للبشرية؛ فأميركا عليها أن تعود تلك "المدينة المضيئة القابعة على أعلى التل"، كما كان يقول الرئيس السابق رونالد ريغان.
 
ليس صحيحاً أنّ الترامبية ستكون فلسفة أميركا للقرن القادم، كما ولن يتمكن الرئيس ترامب من تشكيل حزب كما يراهن البعض. لقد استطاع ترامب في إدارته للولايات المتحدة جذب من يستهوون سياسة كسر التقاليد والانعتاق نحو التحرر الكامل، حتى التفلت من الديموقراطية المقيدة ذاتها، كما فعل أنصاره باعتدائهم على الكونغرس. مزج ترامب بطريقة واعية أو عبثية بين الأجندة الريغانية المعادية للحكومة وأعاد شحنها، ولكن من دون أيديولوجية معينة، بل عبر رغبة في تدمير المؤسسات، ونشر الفوضى.  
 
ولكن تبقى مصلحة الأمن القومي الأميركي فوق كل الأطروحات، والشخصيات، لا سيما أنّ أميركا مطوّقة اليوم بمشاكل داخلية، خصوصاً انتشار وباء كورونا وحصده آلاف الأرواح يومياً. كما وإنّ خطر تقييد دورها عالمياً بات قاب قوسين، مع صعود الصين وروسيا كقطبين يملآن الفراغ الدولي الذي تركته سياسة ترامب العبثية. لذا، جلّ ما يستطيع ترامب فعله، هو اقتناص الفرص علّ ذلك يساعده في تسجيل الحضور السياسي للانتخابات القادمة، عام 2024.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 4/14/2026 4:20:00 AM
لـ"إسهاماتهم في خدمة القضية الفلسطينية وصون الذاكرة الوطنية والثقافية"...
شمال إفريقيا 4/13/2026 12:00:00 PM
مصر تحت صدمة وفاة البلوغر بسنت سليمان بعد بث مباشر مأساوي من شرفة منزلها
كتاب النهار 4/14/2026 2:23:00 PM
اتفاق السلام مع إسرائيل ليس مطروحاً الآن قبل تحقيق مجموعة من الشروط اللبنانية التي سيطرحها الوفد المفاوض