في دراسة حالة قدّمها الكاتب مارك ديفور، وهو باحث ومحاضر في كلية العلاقات الدولية في جامعة سانت أندروز عن كيفية تأثير رعاية الدولة في عملية صنع القرار لدى الجماعات الإرهابية، قام بتشخيص العلاقة التي نشأت ولا تزال مستمرة ما بين "حزب الله" وإيران.
في هذا السياق، يتحدث الكاتب عن بداية الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1982، إذ ساهمت العملية بتقديم الزخم اللازم لإنشاء حركة شيعيّة جديدة أكثر تشدداً، اسمها "حزب الله".
يقول ديفور، بحسب البحث التاريخي: "عندما أمر (نبيه) بري ميليشيا "أمل" بعدم مقاومة تقدم إسرائيل، عصى العديد من مقاتليه بشكل عفوي أوامره وانضموا إلى القوات الفلسطينية والسورية في مقاومة الجيش الإسرائيلي عند اقترابه من بيروت".
في غضون ذلك، ترك التقدم الخفيف لإسرائيل عبر جنوب لبنان المقاتلين الشيعة، والذين كانوا يعملون سابقاً لدى الجماعات الفلسطينية، عاطلين من العمل وحيدين، لكنهم على استعداد لمواصلة قتال إسرائيل مهما بلغ الأمر. ويذكر الكاتب على سبيل المثال الاختلاف في حينه ما بين القائد العسكري لحركة "أمل" حسين الموسوي ونبيه بري، إذ دعا الأول الشيعة إلى مقاومة الغزو تحت راية الإسلام.
في المراحل الأولى للغزو، كانت المقاومة الشيعيّة ضد إسرائيل تنطلق تحت رعاية عدد المجموعات الصغيرة، بدءاً بوحدات حركة "أمل" الساخطة إلى جمعيات الطلاب المسلمين.
على المقلب الآخر، كان عدد من الشيعة في جنوب لبنان ينظرون في البداية الى الإسرائيليين على أنهم المخلّصين من هيمنة الفصائل الفلسطينية، فيما تبنّت حركة "أمل"، وهي أكبر مكوّن شيعي في لبنان آنذاك، سياسة الانتظار والترقب تجاه الغزو.
يشير الكاتب في بحثه الى أنه وإدراكاً لأوجه القصور في المقاومة العفوية غير المدعومة التي تلت الغزو الإسرائيلي، سافر ثلاثة رجال دين لبنانيين كانوا يعرفون آية الله الخميني إلى طهران حيث طالبوه بالدعم الإيراني لتشكيل حركة مقاومة إسلامية.
بطبيعة الحال، استجاب الخميني ودائرته الداخلية بحماسة لهذا الطلب وبدأوا التخطيط لتزويد المقاومة الناشئة بمجموعة من أنواع الدعم المختلفة.
في البداية، وفي مقابل دعم سنوي قدره 9 ملايين برميل من النفط الإيراني، أقنعت إيران سوريا بالسماح لها باستخدام وادي البقاع المحتل في لبنان كملاذ آمن يمكن للمقاومة المناهضة لإسرائيل أن تنظم نفسها فيه.
الى ذلك، نشرت إيران 5000 عضوٍ من "الحرس الثوري" الإيراني (بعد ذلك بوقت قصير سيتم تخفيضهم إلى 1500 وبعدها الى 300) في لبنان لإنشاء معسكرات التدريب اللازمة وللبدء بإدارة تدفق المساعدات المالية التي تلت ذلك. وهكذا، تكون الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في وقت قصير، قدّمت الى "حزب الله" الملاذ والمساعدات المالية كما والدعم السياسي.
في المرحلة الثانية، عمل قادة "حزب الله" على دراسة مستفيضة لواقع الحركات الفلسطينية التي كانت تقاتل في جنوب لبنان، وخلصت الكوادر إلى أن التنظيم لا يمكنه تحمل صراع طويل الأمد إلا إذا كان بإمكانه تقديم منافع ملموسة للبيئة الشيعيّة والتخفيف من الخسائر التي قد تتكبدها خلال فترة الصراع.
وانطلاقاً من هنا، أعلن "حزب الله" التزامه كسب "قلوب وعقول" الشيعة اللبنانيين، فتبنى مجلس الشورى في الحزب شعار بناء "مجتمع المقاومة". فطوّر "حزب الله" مبادرات اجتماعية سخية - بتمويل من "مؤسسة الشهيد" في إيران - لتشجيع العائلات على دعم قرارات أبنائها الشباب بالقتال الى جانب الميليشيا العسكرية.
يضيف ديفور أن إحدى وكالات الرعاية الاجتماعية التابعة للحزب كانت تقول بصراحة: "الشهيد يمضي قدماً مرحباً بالاستشهاد معتمداً على مؤسسات المقاومة التي تعتني بابنه وعائلته من بعده". ومن الأمثلة على أنظمة الرعاية تلك التي كانت توفّر الرعاية الطبية الشاملة للمقاتلين المصابين والمدارس المهنية أو التوظيف لأفراد أسر المقاتلين الذين سقطوا في المعارك.
في الواقع، كان الهدف من مثل هذه الخدمات هو منع الأضرار الجانبية لأي ردود فعل شعبية عنيفة ناتجة من مقاومة "حزب الله"، كما كان الحال خلال الحروب السابقة للمنظمات الفلسطينية في جنوب لبنان.
تاريخياً، تجاهلت الدولة اللبنانية الشيعة نسبياً حتى قبيل الحرب الأهلية وكانوا محرومين فعلياً من عدد من الخدمات الاجتماعية الحكومية في فترة تأسيس "حزب الله". وعلى الرغم من أن حركة "أمل" كانت قد حاولت تقديم خدمات اجتماعية تحت شعار حركة المحرومين، إلا أن جهودها باءت بالفشل نتيجة سوء الإدارة والفساد المستشري داخل التنظيم.
ونتيجة لذلك، أيقن صنّاع القرار في "حزب الله" أن هناك فرصة مواتية لتحسين شرعية أداء الحزب من خلال توفير الخدمات الاجتماعية التي لا تستطيع الدولة والأحزاب السياسية الأخرى القيام بها.
ومع مرور الوقت، حققت تلك الخدمات المقدمة من الحزب الأهداف التي وضعها لها المؤسسون. وبحلول التسعينات من القرن الماضي، كان التصور القائل إن "حزب الله" وحده قادر على تقديم خدمات اجتماعية مناسبة، مكّنه من بناء قاعدة شعبية منقطعة النظير داخل المجتمع الشيعي في لبنان.
عمل "حزب الله" – وبدعم إيراني بطبيعة الحال – على تقديم 130 ألف منحة دراسية، الى جانب مساعدات مالية الى 135 ألف أسرة محتاجة. كما وسع الحزب نشاطه في عام 1988 لتحسين وجود الشيعة في الأرياف من خلال تنظيم تعاونيات زراعية، ونظّم أول خدمة لجمع القمامة عرفتها ضاحية بيروت الجنوبية منذ اندلاع الحرب الأهلية في عام 1975.
ومع توسع قدراته الإدارية، أطلق "حزب الله" عدداً من الخدمات المجتمعية لتشمل القروض الصغيرة، وتوفير المياه النظيفة في جنوب بيروت، وبناء مساكن لذوي الدخل المحدود، وإدارة نظام رعاية صحية ميسور التكلفة أيضاً.
أما على المقلب الآخر، وكجزء من استراتيجية الحرب الطويلة، فعمل صناع القرار في الحزب على سياسة اجتذاب مقاتلين شيعة مخضرمين كانوا يعملون سابقاً لدى حركة "أمل" أو الجماعات الفلسطينية من خلال تقديم رواتب تتراوح ما بين 150 و 200 دولار شهرياً.
على الرغم من أن استراتيجية الحرب الطويلة لـ "حزب الله" صممها الكوادر المؤسسون للحزب، إلا أنها كانت عملياً نتاجاً غير مباشر للمساعدة الإيرانية من اليوم الأول. في الواقع، فإن التنظيم لم يكن بمقدوره تطوير هياكل صنع القرار المركزية اللازمة لصوغ أي إستراتيجية لو لم يقدم النظام في إيران لها الدعم السياسي والملاذ الآمن في سهل البقاع. كما وأن حملة "القلوب والعقول" للتنظيم، لم تكن لتكون مؤثرة لو لم تستند الى توفير مجموعة واسعة من الخدمات الاجتماعية، المبنية على المال الإيراني السخي الطويل الأجل.
وأخيراً، فإن التركيز العسكري للتنظيم على البناء التدريجي لإمكاناته القتالية لم يكن ممكناً أيضاً من دون الخبرات العسكرية والتدريبية واللوجستية كما والأموال اللازمة التي وفرتها إيران لتوظيف مقاتلين بدوام كامل وتأسيس هيئات منظّمة ومتطورة.
يستخلص الكاتب من دراسته أن تأثير الدعم الإيراني على صنع القرار داخل "حزب الله" كان معقداً جداً وقوياً من خلال ممارسة دور الدولة الراعية على عمليات العميل. وفي هذا السياق، فقد ساهمت المساعدة الإيرانية السخية في عملية صنع القرارات داخل الحزب بشكل غير مباشر من خلال تحديد البيئة المادية التي تم فيها اتخاذ القرارات والخيارات المتاحة لقادته.
وهكذا، وعلى الرغم من أن مقاومة شيعية مسلحة كان من الممكن لها أن تظهر حتى في غياب أي دولة راعية، إلا أن هيكل صنع القرار المركزي لـ"حزب الله"، والاستراتيجية الطويلة الأمد، كانت جميعها من صنع إيران بشكل مباشر أو غير مباشر.
إن هذا التأثير في صنع القرار لدى "حزب الله" الذي فرضته إيران كانت له نتائج تصعيدية، إذ دفعت الحزب الى مهاجمة أهداف أميركية وأوروبية كان التنظيم لولا ذلك ليتجنبها. كما أن الجهود الإيرانية المباشرة، التي نُفِّذت بحنكة تكتيكية كبيرة، لتوسيع مجموعة الأهداف أسفرت عن فوائد ملموسة لإيران، لكنها أثبتت أنها غير مجدية للحزب على المدى الطويل من خلال كسبها عداوة العديد من القوى العظمى حول العالم.
اليوم، وعلى الرغم من استمرار "حزب الله" في الحفاظ على قوته العسكرية بكامل جاهزيتها، فإن دخوله المعترك السياسي أصبح التهديد الأكبر والأشد لوجود لبنان ككيان وكشعب: حزب صنعته إيران، لن يكون في أي مجلس سوى وديعتها وسيفها المسلّط.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/28/2026 10:25:00 PM
من المتوقع أن يصدر قرار التعيين عن جلسة مجلس الوزراء الخميس...
لبنان
4/29/2026 10:32:00 AM
هل ستُهاجم إسرائيل العاصمة بيروت؟
لبنان
4/29/2026 10:51:00 AM
اكتشاف مغارةٍ جديدة والكشف عن طبيعتها ومعالمها في خراج بلدة تاشع أعالي محافظة عكار
نبض