البشر... وما أدراك بالبشر! تحكمهم أفكارهم ومعتقداتهم، وتسيّرهم في النهاية أهواؤهم. فلو نظرنا في التاريخ البشري وبحثنا بعمق على فترة معينة حكم فيها إنسان العالم أجمع بـ"اختلاف أعراقه"، فإننا لن نجد إلا ما يشبه الأساطير التي لا تثبت أن العالم في يوم ما قد اجتمع على نظام عالمي موحد. تلك هي طبيعة البشر؛ مختلفون حتى بين أقرانهم.
لطالما حاول العديد من القادة فرض نظام يتقيّد به معظم شعوب الأرض المتحضرة. إلا أن تلك المساعي مهما كان مردها تبوء بالفشل. فنابليون بونابرت حاول غزو العالم لكنه سرعان ما انتكست أموره، وأراد هتلر فعل الشيء نفسه ولكنه فشل في ذلك. وحينما انتهت الحرب العالمية الثانية انقسم العالم إلى قسمين اثنين، الأول بقيادة الولايات المتحدة الأميركية الرأسمالية. والآخر بقيادة الاتحاد السوفياتي الشيوعي والاشتراكي. وقد أراد كل من الطرفين المتنازعين فرض نظامه على العالم، وحتى مع سقوط الاتحاد السوفياتي لم يتحقق ذلك رغم الهيمنة المتفردة للولايات المتحدة.
يسود منذ دخولنا الألفية الثالثة حديث لا يكاد أن ينفك عن قرب تحول العالم إلى نظام عالمي جديد يحكم البشرية من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها. لكن لا يدري أو لا يعلم المنظرون مَن أو ما العقيدة السياسية لهذا النظام الذي يفرض هيبته على البشرية؟ والأسباب بيّناها في بداية هذا الموضوع، والتي تتعلق بالطبيعة البشرية. فنحن مختلفون في الطبائع والمعتقدات. وليس من السهل أن نجتمع على كلمة واحدة، ولا نريد أن نخوض بأمثلة، فكل شيء جلي وواضح وضوح الشمس. وبعيداً من التنظير في ما يعرف بأحداث التنبؤات المعتقدية، هناك أمر قد يحدث ربما سيغير من معالم الحياة للبشر كلياً وقد يقودهم لمستقبل ربما يكون أفضل من قيادتهم أنفسهم (ونعني هنا البشر تحت حكم واحد منهم).
حينما عرض المسلسل الأجنبي "Travelers" أو "المسافرون" على قناة نتفليكس منذ فترة تضمن المسلسل المذكور فكرة ليست مستحيلة التطبيق في المستقبل القريب. تتلخص في تعرض الأرض لكارثة مروّعة تغير من مفاهيم البشرية لدرجة تجعلهم يتوحدون حول نظام عالمي موحد لكن ليس بقيادتهم (أي ليس بقيادة بشرية) بل بواسطة وعي افتراضي أي ما يسمى بذكاء اصطناعي أطلق عليه "The Director" (المدير). والسبب في ذلك يرجع إلى أن الذكاء الاصطناعي يختلف تماماً عن الوعي البشري.
فالذكاء الإصطناعي يتميز بأنه مثابر إلى ما لا نهاية، فقد يفشل مليارات المرات ولكنه بعكس البشر لا يشعر بالإحباط، بل يندفع في محاولته رقم مليار لحل معضلة معينة بالحماس نفسه الذي بدأ به في المرة الأولى، أما البشر فليس لهم طاقة على ذلك.
مثال على ذلك: يمكن للذكاء الاصطناعي مراقبة سلوك البشر في شكل دائم وعلى مدار الساعة ما قد ينقذهم في أحيان عدة من ارتكاب أخطاء قد تهدد حياتهم؛ فبمجرد أن يلتقط ذلك الذكاء الاصطناعي المتطور لسلوك غير سوي من قبل البشر، حتى يبادر من تلقاء نفسه ومن دون تردد في إصدار التحذيرات للمعنيين، بل وإذا ما سمح له التحكم بالأمور والآلات المحيطة بالبشر، فإنه سيقوم من تلقاء نفسه بعمل الإجراء الوقائي للحيلولة من دون تسببهم في إيذاء أنفسهم أو التسبب لغيرهم بالأذى بسرعة كبيرة ليست بمقدور البشر.
وبغض النظر عن الجهة المسؤولة عن صناعة أو ابتكار هذا الذكاء الاصطناعي، ليس له ملة أو معتقد ولا عواطف تؤثر فيه وإن زوّد بقدرة التعاطف أو طورها فلن تكون مثل تلك النابعة من البشر، وهو ما يمكنه إيجاد حلول لاختلاف الأجناس وعقائدهم وبالتالي وضع الحلول التي قد تلائم الأطراف المتنازعة، بعكس ما يعيشه البشر من تعقيدات تصاحب أي صراع محتدم بينهم.
ويتوقع مستقبلاً أن يتوسع نشاط الذكاء الاصطناعي ليهيمن على قطاع الصحافة والطب وحتى التمثيل والإخراج. أما في وقتنا الحالي، فقد بات الذكاء الاصطناعي قادراً على تشخيص الأمراض المستعصية أفضل بل وأكثر دقة من الأطباء البشر. فقد ابتكرت شركة IBM العملاقة ما يعرف بـ "دكتور واتسون" وهو أحد ملامح الذكاء الاصطناعي المتخصص في المجال الطبي، حيث يقوم هذا الكيان غير بالشري منذ عام 2011 بتقديم التشخيصات المرضية لمرضى السرطان في مركز Memorial Sloan Kettering Cancer Center في الولايات المتحدة وتحديداً في نيويورك بدقة عالية، كما يقوم بالتوصيات المتاحة للعلاج بعد مراجعة ملف الحالة المرضية للشخص الخاضع للفحص الطبي.
لنتخيل فقط، لو أن منظمة الصحة العالمية كان لديها مثل هذا الذكاء الاصطناعي، لكانت قد تصرفت بناء على معطياته لتفادي انتشار فيروس مثل الكورونا الذي لا نزال نعاني منه على سبيل المثال، ولكان قد مكننا من منع تحوله إلى جائحة عالمية.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
المشرق-العربي
10/23/2026 7:35:00 PM
قال الملك عبدالله الثاني: "سنضرب بيد من حديد من تطاول على بلدنا"، مشيراً إلى أن "من توهّم أنّ رصاص الغدر يشق صف الأردنيين خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا".
لبنان
10/23/2026 12:32:00 PM
هل يحق لمتهم بقضايا إرهاب تنظيم حفلات قبل أسابيع من مثوله أمام القضاء اللبناني في ملف أقل ما يقال فيه إنه من الأكثر حساسية في آخر 20 سنة في لبنان؟
لبنان
10/23/2026 12:00:00 AM
لم تكن إشادة رئيس الجمهورية جوزف عون برئيس مجلس النواب نبيه بري في الجلسة سوى مؤشر إلى تفاهم ضمني حصل على ترحيل إحالة ملف المتفجرات على المجلس العدلي.
نبض