26-01-2022 | 12:54

الحريري ... "درب الشهيد"

يسألني صديقي اللبناني، ماذا يعني إعلان الرئيس سعد الحريري اعتزال العمل السياسي؟ يتساءل زميلي السعودي: هل لنا دور في ذلك، هل يمكننا منعه، هل من مصلحتنا استمراره، وهل شاورنا في الأمر قبل اتخاذ قراره؟ تسأل الأخت اليمنية والأخ الجزائري: كيف سينعكس هذا على أحوال السنّة، وهل ستتفرق كلمتهم، ويضعف موقفهم، ويفشل مرشحهم في الانتخابات النيابية المقبلة؟ ويقلق آخرون، عرباً وعجما، على صحة لبنان وسلامة أهله وبقاء - ما تبقى - من هيكل الديموقراطية وتوافق الطائفية والمبادئ الدستورية، بغياب رمز لبناني كبير.
الحريري ... "درب الشهيد"
Smaller Bigger
يسألني صديقي اللبناني، ماذا يعني إعلان الرئيس سعد الحريري اعتزال العمل السياسي؟ يتساءل زميلي السعودي: هل لنا دور في ذلك، هل يمكننا منعه، هل من مصلحتنا استمراره، وهل شاورنا في الأمر قبل اتخاذ قراره؟
تسأل الأخت اليمنية والأخ الجزائري: كيف سينعكس هذا على أحوال السنّة، وهل ستتفرق كلمتهم، ويضعف موقفهم، ويفشل مرشحهم في الانتخابات النيابية المقبلة؟ ويقلق آخرون، عرباً وعجماً، على صحة لبنان وسلامة أهله وبقاء - ما تبقى - من هيكل الديموقراطية وتوافق الطائفية والمبادئ الدستورية، بغياب رمز لبناني كبير.
 
كوابيس لبنان
لم يُسهم تبرير الرئيس سعد الحريري في قراره "غير المفاجئ" بالابتعاد من الحياة السياسية، ونصيحته لأسرته بالتنحي. فقد عدّد كل أسباب القلق الرئيسية عند كل لبناني ومحب للبنان، بدءاً بالهيمنة الإيرانية من خلال "حزب الله"، وانتهاء بها. أما الأسباب الأخرى، فهي عرض للمرض ذاته، من تدهور الاقتصاد، وانقسام الشعب، وتقاتل النخب، والتهافت على "وسخ الدنيا" على حساب الوطن، والسيادة والشرف.
 
كل هذه الأسباب تغذي أخطر الكوابيس بشأن مستقبل هذا البلد الجميل. فبالكاد خرج لبنان متماسكاً، بعد حرب أهلية طويلة، دموية، مريرة، فرّقت بين الأخ وأخيه، والأب وبنيه، والأسرة التي تؤويه. ووزعت ولاءات "ملوك الطوائف" بين الخصوم والأصدقاء. ودمرت البنية التحتية التنموية، والنفسية، والمجتمعية.
 
مشروع الحريري
ثم جاء المهندس الدولي، "المقاول" الكبير، رفيق الحريري، يحمل على كتفيه مشروع إعادة البناء والتعمير، مدعوماً من السعودية ودول الخليج وفرنسا والولايات المتحدة. وهو مقبول من كل الأطياف كرجل فوق الشبهات الحزبية والطائفية والذممية. يداه لم تتلوثا بالدماء. وتاريخه لم تشوهه الصراعات، وأهدافه لم تكن من قبل ولا من بعد رهينة لغير مصلحة بلاده.
 
من خلال الحريري الأب تدفقت مليارات الدولارات الخليجية والدولية الى مشاريع الإعمار، فاستعادت بيروت وصيدا وطرابلس خفقها وتوهجها. وعاد المبتعثون على حساب مؤسسة الحريري للتنمية البشرية المستدامة من كل الطوائف ليساهموا في قيادة المرحلة الجديدة. وساهمت المشاريع الصحية والتعليمية والإنسانية التي قدمها في تحسين بيئة العمل والإقامة، فعاد كثير من المغتربين ليساهموا في ورشة العمل الكبرى، ويستثمروا في كل الأنشطة المالية والتجارية والاجتماعية والثقافية.
 
قوى الظلام
عمّ السلام، فارتعب أعداء السلام. كيف ستحكم إيران وعملاؤها في سوريا ولبنان بلداً لا يخاف؟ ليس لدى قوى الظلام ما يقدمونه في جنة مخضرة، مشرقة، آمنة. بضاعتهم الدم والرصاص، وثقافتهم الموت والدمار، وحاضرهم ماضٍ، ومستقبلهم غيبيات. ماذا يفعل "زعران" بشار، وإرهابيو خامئني لكسب أصوات من عادوا الى الحياة؟ وكيف سيحكمون بلداً يتفق الناس فيه على العمل والانتاج، السعادة والتفاؤل؟
 
كان لا بد من التخلص من رمز الوحدة والتآلف والإنجاز، فأجبروه على الاستقالة. وعندما أعلن رغبته في الترشح من جديد، قرروا اغتياله. حذره الأصدقاء. حذره السفير السعودي السابق في لبنان الدكتور عبدالعزيز خوجه شخصياً، ونصحه بعدم الترشح هذه المرة، وأخذ إجازة طويلة في فرنسا، حتى يتم تسوية الوضع، وتحييد الخطر. رفض بإصرار وهو يردد: الوطن ليس شقة مفروشة، تسكنها عندما يروق لك، وتغادرها عندما تسوء الأمور. سأبقى، وسأخذ كل احتياطاتي، ولن يجرؤوا على التعدي، فالتداعيات ستكون أكبر مما يحتملون.
 
ما بعد الحريري
لم تفد كل الاحتياطات، ولم توفق كل الحسابات، وقام الحزب واستخبارات قوة الاحتلال السورية ومن خلفهم طهران في 14 آذار (مارس) 2005 بالتخلص من العقبة الكؤود أمام مشاريعهم، الشهيد رفيق الحريري. ثار الشعب وغضبت السعودية والعالم، وقالها الملك عبدالله رحمه الله لبشار الأسد الذي استدعاه، في مطار الرياض: حذرتك من المساس به ولم تلتزم. عد الى دمشق واستعد للخروج من لبنان، لقد تجاوزت كل الخطوط الحمراء. وهكذا كان!
 
ما بعد الحريري لم يعد كما كان قبله. هذا ما راهن عليه المجرمون. استأسد "القمصان السود" فاحتلوا بيروت والجبل في السابع من أيار (مايو) 2008. وأعلنوا بعدها أن القرار لهم، والسيادة في يد ملالي إيران، ولن تقوم حكومة من دونهم، أو خارجة عن سيطرتهم.
 
عندما أُكل الثور الأبيض
عقدوا حلفهم مع صاحب "العهد القوي" العائد من ملجئه في فرنسا كما عاد الخميني، ربما على الطائرة نفسها، بعد أن حسب الغرب أنه يمكن لهم التحالف مع الشيطان. 
 
حذرت السعودية الحريري الابن في 2017، كما حذرت أباه من قبل، فاستقال. ثم جاء إيمانويل ماكرون فرنسا بنفسه ليقنعه بمواصلة الحلف "غير المقدس"، فعاد عن استقالته.
 
أسباب سعد ... كوابيس لبنان
واليوم، يعلن الرئيس سعد الحريري ابتعادة كلياً، ونهائياً من العمل السياسي، للأسباب نفسها التي سبق تحذيره من مآلاتها. ويتساءل الناس، لماذا الآن؟ هل ساءت الأحوال لهذه الدرجة؟ هل بلغنا حافة اليأس من النجاة؟ هل نسلم ونستسلم لميليشيات إيران؟ أم يثور الشعب وتشتعل الحرب؟ هل خاف الحريري الابن من الاغتيال؟ هل هدده الحزب إذا عاد؟  هل لفشله في كسب ثقة السعودية والخليج دور؟
 
وأخيراً، هل هو جاد هذه المرة، أم أنها مناورة جديدة لكسب التعاطف وإظهار الأهمية، وتبيان أن من دونه سينهار البناء، وتضعف الطائفة، فتخرج كلها، شعباً وقيادةً، مطالبة بعودته، وملتزمة الالتفاف حوله، بلا منافسة ولا مناكفة، ويعود الدعم من الحريصين على لبنان؟
 
خيارات لبنان
كل هذه أسئلة مشروعة، وكلها تحمل شيئاً من الحقيقة. وفي تقديري أن مجموع هذه الأسباب يرسم الصورة الكاملة. وتبقى هناك أسباب أخرى لم يحن الأوان لكشفها، ولكنها لا تغير كثيراً من الصورة. على شعب لبنان أن يتوحد ضد محتليه، كما فعل في 2005 بثورة الأرز. وعلى سنّة لبنان تجاوز خلافاتهم، وولاءاتهم، والبحث عن زعامة توافقيه قوية. وعلى كل الأحرار المشاركة في الانتخابات المقبلة، والتصويت لمن يستحق، وليس لمن يرفع راية الحزب والطائفة، ويلتزم بدفع "المستحق".
 
دقت ساعة اليقظة، وعلى "ملوك الطوائف" إنهاء حالة الانبطاح والتزلف للمحور والتقرب من التيار. فعملاء إيران لا يشاركون وجبتهم، ولا يوزعون بقاياها. وليس أمام الزعامات اللبنانية إلا التماسك والالتفاف والعودة الى الجذور، الاستقلال، السيادة، والعروبة.
 
زمن اللعب على الحبال انتهى.  فإما درب الشهيد رفيق الحريري، وإما الموت بلا شهادة.
 
@kbatarfi

الأكثر قراءة

ثقافة 4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة 4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
لبنان 4/22/2026 10:26:00 PM
ما حصل مع آمال خليل قبل الاستهداف: تسلسل يكشف "جريمة موصوفة" بحق صحافيين في الطيري
لبنان 4/22/2026 10:39:00 PM
السفارة الأميركية في بيروت تدعو رعاياها لمغادرة لبنان فوراً، محذّرة من مخاطر أمنية متصاعدة تشمل الإرهاب والخطف والاضطرابات.