22-06-2022 | 16:59

البُعد الوطني والعربي والعالمي في التفكير المستقبلي لقادة الإمارات

​ تمُرّ دولة الإمارات العربية المتحدة حاليًّا بلحظة تأسيسية ثانية بعد ولادتها التأسيسية الأولى في 2 كانون الاول (ديسمبر) 1971. كان الدستور حاضرًا عند اللحظة التأسيسية الأولى مُجسِّدًا رؤية الآباء المؤسسين للمستقبل؛ واليوم عند الولادة الثانية هناك وثيقة الخمسين عامًا المقبلة التي هي بمنزلة دستور إمارات القرن الحادي والعشرين.
البُعد الوطني والعربي والعالمي في التفكير المستقبلي لقادة الإمارات
Smaller Bigger
تمُرّ دولة الإمارات العربية المتحدة حاليّاً بلحظة تأسيسية ثانية بعد ولادتها التأسيسية الأولى في 2 كانون الأول (ديسمبر) 1971. كان الدستور حاضراً عند اللحظة التأسيسية الأولى مُجسِّداً رؤية الآباء المؤسسين للمستقبل؛ واليوم عند الولادة الثانية هناك وثيقة الخمسين عاماً المقبلة التي هي بمنزلة دستور إمارات القرن الحادي والعشرين. 

في هذه الوثيقة الحكومية المرِنة والطموحة ببنودها الـ10 نجد التفكير المستقبلي الإماراتي الذي يُحدّد أين ستكون الدولة عام 2030، والى أين تتجه بحلول عام 2050، وأين ستصبح عندما تحتفل بالمئوية الأولى عام 2071. لا توجد دولة على امتداد مساحة الوطن العربي تركز على الحاضر وتعطيه حقه، وتتطلع إلى المستقبل وتعطيه أكثر من حقه مثلما تفعل دولة الإمارات.

يُوجَد في الفكر والتفكير المستقبليين لقادة الإمارات ثلاثة أبعاد: الوطني، والعربي، والعالمي. ويركز البعد الوطني بوضوح شديد على بناء مواطن إماراتي قادر على حمل راية الخمسين عاماً المقبلة ومسؤوليتها؛ ففي كل مناسبة وطنية يتحدث صاحب السمو رئيس الدولة، وصاحب السمو نائبه عن المواطن المتعلّم والمتعدد المواهب وفق أفضل شروط تعليم القرن الجديد.

وأول بنود الفكر الإماراتي المستقبلي هو بند التعليم: التعليم أولاً، والتعليم ثانياً، والتعليم عاشراً. أما البند الثاني في فكر قادة اللحظة التأسيسية الثانية؛ فله علاقة ببناء اقتصاد ما بعد النفط، والدخول إلى العالم الرقمي بكل قوة وثقة. إن بناء اقتصاد تريليوني (بالدولار) هو البند الأكثر وضوحاً في وثيقة الخمسين. وقد لخَّص صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في خطابه، عام 2015، هذا الموضوع في جملة واحدة قائلاً: "إذا كان استثمارنا اليوم صحيحاً أراهن بأننا سنحتفل عند تصدير آخر برميل نفط بعد 50 سنة". 

وثالث بند في البعد الوطني المستقبلي له علاقة بمجتمع الإمارات الجديد الذي سيحافظ على موروثه وتراثه وأصالته؛ لكنه سيكون مجتمعًا مدنيّاً تعدديّاً حداثيّاً منفتحاً على العالم، يقيس أداء مؤسساته وأفراده -مواطنين ومقيمين- بأفضل المعايير والقيم الإنسانية في كل مؤشر من مؤشرات التنمية والمعرفة الحيوية؛ وستكون الإمارات قرطبة زمانها، ومطار العالم وميناءَه في القرن الحادي والعشرين.

لكنَّ فكر قادة مستقبل الإمارات يقوم على أنْ لا تدَعِ الشجرة (الوطن) تحجب عنك رؤية الغابة (الشرق الأوسط والوطن العربي)؛ فالشيخ محمد بن زايد آل نهيان، والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بقدر ما هما قائدا الإمارات؛ فهما أيضاً زعيمان عربيان طموحان يدركان مسبقاً أن الإمارات لا تعيش في فراغ، ولا تختبئ في فقاعة، ولا تستطيع أن تُحلّق وحدها؛ والبعد العربي حاضر بقوة، ومرتكز أساسي من مرتكزات فكرهما المستقبلي؛ لذلك ترى الإمارات أن من المهم النهوض بالوطن العربي تنمويّاً ومعرفيّاً، بالتنسيق مع شركاء محور الاعتدال والاستقرار، وفي المقدمة مصر والسعودية. ولا يمكن الخروج من نفَق الفوضى إلى أُفق الاستقرار من دون تحمُّل هذه المسؤولية القومية، وإن تطلب الأمر دفع ثمن القيام بدور قيادي إقليمي. 

أخيراً، إلى جانب الشجرة والغابة هناك العالم بأسره، ووضع الإمارات في قلب هذا العالم، والتفكير في مستجداته وتطوراته التي لم تعُدْ تتوقف. إن تفكير قادة الإمارات في بُعده العالمي ينصب على بند واحد ووحيد هو زيادة الوزن الاقتصادي والمالي للدولة جنباً إلى جنب مع زيادة ثقلها الدبلوماسي والسياسي العالمي. وقد اتضح ذلك كلَّ الوضوح من خلال كثافة الحضور العالمي غير المسبوق للتعزية والتهنئة؛ فقد جاءت تلك الوفود تستثمر في مصداقية الإمارات وصداقتها، وبخاصة صداقة رئيسها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الذي ينطلق من رؤية بعيدة مفادُها أن العالم يتغيَّر تدريجيّاً من نظام أميركي وغربي أحادي إلى نظام آسيوي صيني تعدُّدي؛ وعلى الإمارات الاستعداد باكراً لهذا النظام العالمي الجديد الذي يتشكَّل في رحم النظام العالمي الأحادي القديم؛ وذلك عبر شراكات استراتيجية متعددة الجوانب مع قوًى صاعدة في آسيا. 

مع الولادة التأسيسية الثانية تبدو الإمارات أكثر استعداداً لمستقبلها من الولادة الأولى، وأبرز معالم الخمسين عاماً المقبلة هو وجود قيادة تؤمن إيماناً عميقاً بأن المستقبل لا نتجه إليه بصفته قدَراً ومصيراً؛ بل نعيشه، ونشارك في صنعه، ونتجه إليه بالعلم والتقانة، وبثقة أن المستقبل سيكون أفضل من الحاضر؛ كما أن الحاضر أفضل من الماضي.
 
 
نشر في موقع مفكرو الإمارات

الأكثر قراءة

ثقافة 4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة 4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
لبنان 4/22/2026 11:34:00 PM
انقطاع الاتصال بالصحافية آمال خليل بعد غارة على الطيري، فيما نُقلت زينب فرج إلى المستشفى وتستمر عمليات البحث رغم تجدد الاستهداف.
لبنان 4/22/2026 10:39:00 PM
السفارة الأميركية في بيروت تدعو رعاياها لمغادرة لبنان فوراً، محذّرة من مخاطر أمنية متصاعدة تشمل الإرهاب والخطف والاضطرابات.