23-02-2023 | 06:00

آن الأوان لثورة خضراء ثانية

كان أحد أكبر الإنجازات البشرية في القرن الماضي هو تحقيق زيادة هائلة في إنتاج الغذاء. من عام 1900 إلى عام 2000، كانت هناك زيادة بمقدار ستة أضعاف في المحاصيل بينما زاد عدد سكان العالم أقل من أربعة أضعاف، ما يعني أنه في المتوسط، يتوافر لدى الناس اليوم نحو 50 ٪ من الغذاء المتاح أكثر مما توافر لأجدادهم الأوائل.
آن الأوان لثورة خضراء ثانية
Smaller Bigger
كان أحد أكبر الإنجازات البشرية في القرن الماضي هو تحقيق زيادة هائلة في إنتاج الغذاء. من عام 1900 إلى عام 2000، كانت هناك زيادة بمقدار ستة أضعاف في المحاصيل، بينما زاد عدد سكان العالم أقل من أربعة أضعاف، ما يعني أنه في المتوسط، يتوافر لدى الناس اليوم نحو 50% من الغذاء المتاح أكثر مما توافر لأجدادهم الأوائل.
 
جاءت معظم الزيادة في الإنتاج من المزارعين الذين ينتجون المزيد من الغذاء من كل هكتار من الأرض. ويرجع التقدم الاستثنائي إلى الثورة الخضراء التي دعمت المدخلات الحديثة للزراعة.
 
تشير التقديرات إلى أن المهندس الزراعي نورمان بورلوغ الحائز جائزة نوبل للسلام، والذي تزعم تكثيف أساليب الزراعة الحديثة، أنقذ أكثر من مليار شخص من الجوع، ربما أكثر من أي أحد آخر في التاريخ. فضلاً عن إطعام الناس، جعلت الثورة الخضراء المجتمعات أكثر ثراءً. تبين أن زيادة 10 نقاط مئوية في حصة المساحة المزروعة بأصناف المحاصيل العالية الإنتاج في عام 2000 تتماشى مع زيادة 10-15 نقطة مئوية في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. ومع زيادة كفاءة الزراعة، يتحرر الناس من العمل الشاق ويصبحون قادرين على الانخراط في نطاق أوسع بكثير من الأنشطة الإنتاجية.
 
كانت الثورة الخضراء إنجازاً غير عادي. ومع ذلك، يحتاج العالم إلى ثورة خضراء ثانية لتوسيع نطاق الفوائد لتشمل أفقر الناس وتحد من الجوع على مستوى العالم.
 
هناك حاجة خاصة إليها اليوم لأننا نتخلف عن إطعام الكوكب. منذ عام 2016، قدم قادة العالم وعوداً إنمائية كبرى لكل دولة بحلول عام 2030، تسمى أهداف التنمية المستدامة. يركز أحد أهم الأهداف على طرق تعزيز الزراعة، من القضاء على الجوع إلى ضمان تغذية أفضل وزراعة أكثر استدامة.
 
لسوء الحظ، نحن نفشل في وعودنا، ليس فقط لأن كوفيد أخرج التقدم عن مساره. عند التعقب، يظهر أنه حتى بناءً على التقدم الذي أُحرز قبل الوباء واضطراباته، فإن وعود السياسيين بالطعام لن يتم الوفاء بها بحلول عام 2030 ولكن بعد أكثر من 80 عاماً، في أوائل القرن الثاني والعشرين.
 
والواقع أن العالم بأسره سيتأخر في الوفاء بجميع التزاماته الرئيسية. في عام 2023، وصلنا الآن إلى منتصف الشوط الأول لوعودنا الكبرى، لكننا لم نقترب من منتصف الطريق. هذا هو السبب في أننا في مركز "إجماع كوبنهاغن" الذي أسسته، نعمل مع بعض أفضل الاقتصاديين في العالم لتحديد أكثر السياسات فعالية للوقت المتبقي. وإذا لم نتمكن من فعل كل شيء، فيجب أن نركز على الحلول الأكثر ذكاءً في كل مجال، بما في ذلك الزراعة والجوع.
 
نظر باحثونا في العديد من السياسات الزراعية، مثل دعم الأسمدة وزيادة الري. جميعها تقدم فوائد متوسطة للمجتمع، ولكن لكل جنيه يتم استثماره، فإن النتائج ليست مذهلة. ومع ذلك، هناك فرصة واحدة واضحة للبشرية لنتائج يمكن مقارنتها بالثورة الخضراء الأصلية: زيادة كبيرة في الاستثمار في البحث والتنمية الزراعيين.
 
لا يزال هناك نقص كبير في الإنفاق على البحث والتنمية في مجال الزراعة للبلدان الفقيرة. من المفهوم أن الشركات الكبيرة تنفق أكثر في البلدان الغنية، حيث يمتلك المزارعون على نطاق واسع موارد غزيرة. لذلك، في عام 2015، ذهب 80% من تمويل البحث والتنمية الزراعيين العالمي إلى البلدان الغنية والبلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، بينما حصلت البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى على 20% فقط، ولم تحصل أفقر بلدان العالم على أي شيء تقريباً.
 
هذا الاستثمار غير المتكافئ استمر لأكثر من نصف قرن. إنه سبب رئيسي لعدم مساعدة الثورة الخضراء البلدان الأكثر فقراً بقدر البلدان الأكثر ثراءً. تضاعف إنتاج الحبوب في البلدان ذات الدخل المرتفع ثلاث مرات تقريباً من عام 1961 إلى عام 2018، فيما شهدت البلدان المنخفضة الدخل زيادة أقل بكثير بنسبة 50%.
 
هناك إمكانات هائلة غير مستغلة. يمكن أن يولد الاستثمار في البحث والتنمية الزراعيين فوائد هائلة لفقراء العالم.
 
يُظهر البحث الذي نشر هذا الأسبوع بواسطة إجماع كوبنهاغن أن العالم سيحتاج فقط إلى إنفاق مبلغ صغير أكثر كل عام لإنتاج فوائد كبيرة. وتقدر التكلفة الإضافية للبحث والتنمية لهذا العقد بنحو 5.5 مليارات دولار أميركي سنوياً، وهو مبلغ صغير نسبياً، أقل حتى من ذلك الذي ينفقه الأميركيون على البوظة كل عام.
 
سيؤدي هذا الاستثمار إلى إنتاج بذور أفضل ومحاصيل عالية الإنتاجية يمكنها أيضاً التكيف الأفضل مع تغيرات الطقس مثل تلك التي سنراها نتيجة تغير المناخ. إن إنشاء محاصيل أكبر وأكثر قدرة على الصمود سيفيد المزارعين، كما أن إنتاج المزيد من الغذاء سيساعد المستهلكين بأسعار أقل.
 
باستخدام نموذج اقتصادي طويل الأمد ومُستشهد به كثيراً، أضاف الباحثون الفوائد الإجمالية لكل من المزارعين والمستهلكين. وجدوا فائدة صافية إجمالية على مدى السنوات الـ35 المقبلة تزيد عن تريليوني دولار. كل دولار يُنفق يوفر 33 دولاراً من المزايا الاجتماعية، ما يجعله استثماراً مذهلاً.
 
بحلول عام 2050، سيعمل هذا التمويل الإضافي على زيادة الإنتاج الزراعي بنسبة 10%، وخفض أسعار المواد الغذائية بنسبة 16%، وزيادة دخل الفرد بنسبة 4%. سيؤدي الاستثمار إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي في البلدان النامية بمقدار 2.2 تريليون دولار بحلول عام 2030 و11.9 تريليون دولار بحلول عام 2050، بزيادة 2% و6% في دخل الفرد على التوالي. وستعمل الزراعة الأكثر كفاءة على تقليل انبعاثات المناخ العالمية بأكثر من 1%.
 
هذا الاستثمار استثنائي، لأنه لا يجعل العمال الزراعيين أكثر إنتاجية فحسب، بل يساعد المزيد من الناس على أن يكونوا منتجين ومبتكرين في القطاعات الأخرى أيضاً. يؤدي هذا الاستثمار إلى تقليل الجوع، وإلى خفض تكاليف الغذاء للجميع.
 
لا يمكننا الوفاء بجميع وعودنا لعام 2030. ولكن يجب علينا أن نقدم البحث والتنمية الزراعيين لنصف الكوكب الأفقر، لأنهما من أفضل الاستثمارات التي يمكن أن تقوم بها البشرية.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 4/14/2026 4:20:00 AM
لـ"إسهاماتهم في خدمة القضية الفلسطينية وصون الذاكرة الوطنية والثقافية"...
شمال إفريقيا 4/13/2026 12:00:00 PM
مصر تحت صدمة وفاة البلوغر بسنت سليمان بعد بث مباشر مأساوي من شرفة منزلها
لبنان 4/14/2026 4:37:00 PM
وفيق صفا: نحن غير مهتمّين بها إطلاقاً ولا تعنينا