صانع القرار العراقي والمسؤول في قضية سدّ مكحول (1/3)
تثير تداعيات قضية سد مكحول لغطا ونقاشا كبيرين بعدما قررت الحكومة العراقية إعادة العمل بهذا السد على نهر دجلة، شمال محافظة صلاح الدين في أوائل عام ٢٠٢١. وازداد الشد والجذب حول هذا القرار، نتيجة للأصوات المعارضة والتقارير التي أظهرت المشاكل المترتبة على إكمال السد.
تثير تداعيات قضية سد مكحول لغطاً ونقاشاً كبيرين، بعدما قررت الحكومة العراقية إعادة العمل بهذا السد على نهر دجلة، شمال محافظة صلاح الدين في أوائل عام 2021. وازداد الشد والجذب حول هذا القرار، نتيجة للأصوات المعارضة والتقارير التي أظهرت المشكلات المترتبة على إكمال السد. يبدو أخيراً أن وزارة الموارد المائية العراقية تراجعت قليلاً عن تصريحاتها حول بدء العمل، وتحولت إلى موقف جديد مفاده أنها بصدد دراسة موقع السد ومواصفاته وأثره.
وفي هذه المحاولة أريد مشاركة القراء بصورة أوسع حول سؤال مهم يشغل عدداً كبيراً من متابعي ملف المياه، ومفاده: كيف يتصرف صانع القرار والمسؤول العراقي في ملف المياه عامةً؟ وكيف تصرف خصوصاً باتخاذ قرار إعادة العمل في بناء سد مكحول؟
وقبل الشروع، لا بد من تنويه مهم، خصوصاً ونحن بصدد الخوض في مراجعة تصرفات صانع القرار، في زمان تكثر فيه المناكفات السياسية والتسقيط والتحزّب. لذلك أطلب من القارئ الكريم التَجَرّد من أي حكم مسبق على أي مسؤول سيرد اسمه هنا. وللسبب نفسه، افترض هنا حُسن النية المسبق لكل صنّاع القرار، وأنهم إن أصابوا أو أخطأوا، فهم يقصدون خيراً.
ما سيرد هنا مراجعة لعملية صناعة القرار في ملف المياه عامةً، وحول سد مكحول خاصةً، عسى أن تساهم هذه المحاولة في وقفة حقيقية، وقرار مدروس، وفي تجنب كارثة جديدة تحل بنهر دجلة وبمن ينتفع منه.
1- الدراسة الاستراتيجية لموارد المياه والأراضي في العراق(SWLRI) *
لا يخفى على أحد، أن العراق، لسنوات طويلة، عانى من "القرار المرتجل"، إذ لا يتم الارتكاز إلى رؤية مدروسة وطويلة المدى لمشكلاته المركبة والمعقدة، وهذا ينطبق خاصة على ملف المياه. لذلك حينما يشار إلى دراسة واستراتيجية لموضوع ما، يجدر بنا التوقف وإيلاء الاهتمام الكافي.
أخيراً بدأ الحديث يتزايد عن استراتيجية خاصة بالمياه وضعتها الدولة العراقية بالاستعانة بخبراء دوليين. وفي مناسبات عديدة ”تَغَنّى“ صانع القرار العراقي وعلى مستويات مختلفة بهذه الاستراتيجية، وكأنها العصا السحرية التي ستحل مشكلات المياه.
وفي غير مرة كان صانع القرار يوحي لنا بأن ما مضى من تخبط، كان مرده فقط إلى وجود نقص لتصور مدروس ومكتوب، يُمكّنه من فهم مشكلة المياه في العراق، ويهيئ له مفاصل مهمة تعينه على اتخاذ القرار المناسب. لكن هل حقاً أن ما يعوز صانع القرار هو وجود استراتيجية مكتوبة، أم أن الأمر يحتاج إلى أكثر من ذلك.
رغم أن تاريخ بداية هذه الدراسة الاستراتيجية يفترض أن يكون عام 2015، لكن الملاحظ أن التصريح بإطلاقها حدث أخيراً، وفي أكثر من مناسبة وفي أكثر من وقت، مرة بعد أخرى.
في أواخر عام 2020، أشار وزير الموارد المائية في مقابلة صحافية إلى أن الوزارة أعدّت دراسة استراتيجية للمياه في العراق لغاية عام 2035. المتحدث باسم وزارة الموارد المائية العراقية علي راضي، صرح في نيسان (أبريل) من عام 2021 الآتي: "جرى إقرار الدراسة الاستراتيجية للوزارة (2015 – 2035) التي أعدّتها شركات أجنبية مختصة، وبإشراك الكثير من الجهات القطاعية المختصة والوزارات ذات العلاقة في موضوع المياه". وفي شهر آب (أغسطس) من عام 2021، بعد أشهر من التصريح السابق، نشرت وكالة الأنباء العراقية عنواناً عريضاً نصه "الموارد المائية تطلق خطة استراتيجية تمتد لعام 2035"، تقول فيه الوكالة: "أطلقت وزارة الموارد المائية، اليوم الخميس (12-8-2021)، استراتيجيتها الخاصة بإيصال ماء الشرب إلى المدن والقرى والممتدة حتى عام 2035".
وكرر الإشارة إلى هذه الاستراتيجية وزير الموارد المائية في لقاء بث على قناة "العراقية" في تشرين الثاني (نوفمبر) 2021. وخلال اجتماع مشترك لوزراء الزراعة والمياه العرب عبر الدائرة التلفزيونية، قال: "للعراق دراسة استراتيجية لموارد المياه والتربة أعدت لغاية 2035 وتعتبر خريطة طريق لمواجهة التغيرات المناخية في ضوء شح المياه ونقص الواردات المائية وقلة الساقط المطري". والإشارات تتكرر إلى يومنا هذا، وما أوردته هو أمثلة وليس حصراً لها.
وليس واضحاً هنا متى أُقرّت هذه الاستراتيجية، هنالك عدم دقة وتفاوت في موعد الإقرار والإعلان عنها. وبحسب علمي، لم تكن هناك مناسبة محددة لتوضيح من قام بهذه الاستراتيجية، ما هي كلفتها، وما هو محتوى هذه الاستراتيجية. وترفض الوزارة مشاركة وثيقة هذه الاستراتيجية مع أحد، مختصين كانوا أم إعلاميين، وربما هذا هو أهم سبب للتخبط والغموض.
المتوافر من معلومات يؤكد في الحقيقة أن العمل الأساسي هو تحديث لوثيقة خاصة بالمياه تعود لعام 1982، وأن العراق حاول تحديث هذه الوثيقة في بداية الألفية الثالثة (تحديداً عام 2004)، ثم عاد وأنتجها بمعونة شركات دولية وخبراء عالميين عام 2014 بكلفة قد تكون وصلت إلى 33 مليون دولار.
ليس هناك من تصريح رسمي حول كل ذلك، لكن الوزير، خلال لقاء حول أزمة المياه بثته قناة "آسيا" الفضائية في حزيران (بونبو) من عام 2021، قال: "في عام 2014 أعددنا دراسة مكملة ونمتلك خريطة طريق لغاية 2035". وحين سئل هل كلفة تطبيق هذه الدراسة 33 مليون دولار، أجاب الوزير: "لا طبعاً، ما تشيرين له ربما يمثل كلفة الدراسة نفسها وليس كلفة تطبيقها".
ورغم هذا الغموض، هناك إجماع بين صناع القرار العراقي، وعلى مستويات مختلفة وفي وزارات متعددة، على أهمية هذه الاستراتيجية. وفي مقدمة المجمعين على أهمية هذه الاستراتيجية وأنها هي الوثيقة التي تحكم صناعة القرار، وزير الموارد المائية وكوادره الفنية ومستشاروه.
كذلك ساهمت وزارات أخرى في الدراسة وليس فقط وزارة الموارد المائية. وبطبيعة الحال، نفترض أن موضوع هذه الاستراتيجية وربما محتواها كان قد نوقش، وربما أُقر في اللجنة الوطنية العليا للمياه، والتي تعقد اجتماعات دورية برئاسة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي وتضم عدداً مهماً من الوزارات ذات العلاقة. والاسم الأصلي لهذه الاستراتيجية هو "الدراسة الاستراتيجية لموارد المياه والأراضي في العراق (SWLRI)". وأخيراً كانت هناك إشارات في أكثر من مناسبة إلى أن دفة الأمور ستتجه الآن باتجاه مدروس، وأن القرار سيكون "استراتيجياً" هذه المرة، مقارنة بما خلا من سنين.
والآن هل هذا ما حصل؟ تُرى على ماذا تنص هذه الوثيقة المهمة في موضوع بناء السدود الكبيرة عامة وموضوع سد مكحول خاصةً؟ كما أسلفت سابقاً، ترفض الحكومة العراقية والوزارة خاصةً مشاركة محتوى هذه الاستراتيجية، ووفقاً لمصدر خاص ومختص سألته عن الموضوع، فإن سبب التكتم يعود إلى أمرين:
الأول أن ملف المياه في العراق حساس، وطالما اعتُبر من أسرار الدولة، هذا ما اعتاد عليه صانع القرار العراقي منذ عقود وإلى يومنا هذا. أما السبب الثاني فيعود إلى أن صانع القرار العراقي لا يريد أن يكشف أوراقه، خصوصاً أمام بلدان الجوار التي يجري معها حواراً مستمراً. وبدوري أضيف سبباً ثالثاً، هو أن صانع القرار، عامةً، لا يلتزم مبدأ الشفافية وإن تغنى به أو أشار إليه. وبدلاً من أن يتم تقديم هذه الخطة الاستراتيجية، أو على الأقل خطوطها العريضة والتوجهات التي تحددها، إلى المختص والجمهور، ترك الأمر لمخيلة المواطن، ولهمّة الباحث!
ورغم التكتم الشديد، تسربت في أكثر من مناسبة نسخ من هذه الدراسة. وبحسب ما تسرب، فإن الوثيقة الأساسية تصل إلى 135 صفحة مع قائمة طويلة من المرفقات. وتحوي الوثيقة جداول ومخططات ذات أهمية كبيرة. وصاحَبَت الوثيقة بعض الدراسات الفرعية، هي الأخرى على قدرٍِ كبير من الأهمية.
من الوثائق واحدة موجهة إلى البنك الدولي تحت عنوان "العراق: تخطيط موارد المياه وتحليل الاستثمارات: كيف يمكن لإعادة التخصيص المحلي أن تساعد في تحقيق أهداف إدارة الموارد المائية الوطنية؟". وهي وثيقة مكوّنة من قسمين، الأول من 27 صفحة تحوي فُرصاً ممكنة، وتحديات تواجه العراق. والقسم الثاني مخصص لدراسة الوضع في كل محافظة من المحافظات العراقية، ويقع في 83 صفحة، ويضم مخططات وجداول غاية في الأهمية.
وخلال مؤتمر بغداد الدولي الأول للمياه الذي عقد في 13 و14 آذار (مارس) 2021، ذُكر اسم الاستراتيجية الصريح، وتم استعراض فقرات من وثيقة تخطيط الموارد التي أشرت إليها أعلاه. وكذلك تمت الإشارة إلى ضرورة العمل على تحديث هذه الاستراتيجية.
وحينما بدأ الحديث حول إعادة العمل في سد مكحول، عام 2021، من قبل وزارة الموارد، وبعلم من وزارة التخطيط، ووزارة المالية التي خصصت الأموال اللازمة (أو جزءاً منها)، تبادر إلى ذهني سؤال مهم: تُرى هل يعلم صانع القرار العراقي أن الاستراتيجية(SWLRI)، التي طالما تغنى بها وصُرفت عليها الملايين، تنص بما لا يقبل الشك، على أن العراق ليس بحاجة إلى مزيد من السدود الكبيرة، وأن ما لديه من خزانات كافٍ، وأن الأولى تحويل الأموال إلى مشاريع بديلة! وأن الوثيقة تحوي إشارات مهمة حول سد مكحول لا يمكن تجاهلها ببساطة؟
وسنتناول بشيء من التفصيل في القسم الثاني من هذا الموضوع، معلومات حول تطورات الموقف من سد مكحول وحول موقف الاستراتيجية(SWLRI) منه.
* إسماعيل داود - باحث عراقي
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم
10/25/2026 11:44:00 PM
توفي التوأمان الإكوادوريان خوسيه لويس وخوسيه أرماندو سيبايوس بعد تعرّضهما لمشكلتين قلبيتين متتاليتين.
مجتمع
10/26/2026 10:33:00 AM
كيف سيكون طقس الأيام المقبلة في لبنان؟
فن ومشاهير
10/26/2026 11:55:00 AM
شاركت النجمة نادين نسيب نجيم صوراً تكشف عن وشم جديد على ظهرها يحمل عبارات ملهمة باللغة الإنكليزية ورموزاً فلكية.
رياضة
10/22/2026 12:36:00 PM
يطلق الاتحاد اللبناني الرياضي للجامعات موسم بطولاته الجديد بخمس رياضات ويضيف منافسات جديدة لتعزيز الرياضة الجامعية في لبنان، ليرتفع عددها إلى 42 رياضة.
نبض