موريتانيا والخيارات الصعبة في قضية الصحراء
توجد موريتانيا، الدولة المغاربية المترامية من حيث المساحة والمقفرة أو تكاد من السكان، في موقف لا تحسد عليه اليوم من قضية الصحراء، باعتبارها، بعد الجزائر، البلد الأكثر قرباً جغرافياً من طرفي الصراع، أي المغرب من جهة، والجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب "البوليساريو"،
توجد موريتانيا، الدولة المغاربية المترامية من حيث المساحة والمقفرة أو تكاد من السكان، في موقف لا تحسد عليه اليوم من قضية الصحراء، باعتبارها، بعد الجزائر، البلد الأكثر قرباً جغرافياً من طرفي الصراع، أي المغرب من جهة، والجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب "البوليساريو"، من جهة أخرى. ومثلما يعتبر المغرب الصحراء الغربية إقليماً مغربياً تمّ اقتطاعه من قبل الإستعمار الإسباني، فقد كان وإلى وقت غير بعيد، يعتبر أيضاً موريتانيا التي نالت استقلالها عام 1960 جزءاً من أراضيه التاريخية، حتى أن المغاربة دخلوا في خلاف حاد مع تونس باعتبارها كانت أول من اعترف باستقلال موريتانيا وسعت لضمها إلى جامعة الدول العربية. ولم تعترف الرباط بالدولة الموريتانية الناشئة إلا بصورة متأخرة وكان ذلك عام 1969.
وينتمي ما يسمى "البيضان" في موريتانيا إلى المكون العرقي نفسه لسكان الصحراء الغربية أي القبائل العربية الحسانية التي استوطنت أقصى بلاد المغرب العربي وهو ما يجعل الصحراويين يرتبطون بعلاقات خاصة مع الموريتانيين، سواء تعلق الأمر بالصحراويين القاطنين بأراضي الصحراء الغربية الخاضعة إلى سلطة المغرب أو القاطنين في الأراضي الصحراوية الخاضعة لـ"البوليساريو" وكذلك القاطنين بمخيمات الصحراويين في تندوف بالجزائر. وحتى في ما يتعلق باللباس، فإن الموريتانيين أو "بيضان" الأراضي التابعة لفرنسا، والصحراويين أو "بيضان" الأراضي الخاضعة لإسبانيا، وذلك حسب التسمية الاستعمارية، يرتدون اللباس ذاته سواء تعلق الأمر بالنساء أم بالرجال، وهو لباس مميز لتلك الناحية من المنطقة المغاربية من دون سواها، حتى أن لثامهم الأسود يختلف من حيث اللون عن لثام الطوارق ذي اللون الأزرق.
وتجدر الإشارة إلى أن موريتانيا كانت طرفاً في اتفاق مدريد الذي دعا إليه الجنرال الإسباني فرانكو عام 1975 بعد ما قرر أن ينسحب من الصحراء الغربية ويقتسمها بين المغرب وموريتانيا اللذين قبلا بذلك على أساس أن الساقية الحمراء ستؤول إلى الرباط، ويكون وادي الذهب من نصيب نواكشوط. وتسبب هذا الاتفاق في اندلاع حرب ضروس بين موريتانيا و"البوليساريو" انتهت عام 1979 بتوقيع اتفاق سلام انسحبت بموجبه موريتانيا من الصحراء الغربية وبقي النزاع منحصراً عليها بين المغرب و"البوليساريو".
وتحاول موريتانيا اليوم التوفيق بين علاقاتها الروحية العرقية التاريخية مع الصحراويين الخاضعين لـ"البوليساريو" في مخيمات تندوف في الجزائر وفي أراضي الصحراء الغربية التي يسميها "البوليساريو"، "أراضي محررة" فيما يسميها المغرب "منطقة عازلة" في الصحراء الغربية بينه وبين الجزائر، وبين علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع المغرب الذي يصدّر الخضار براً إلى نواكشوط عبر معبر الكركرات الواقع خارج الجدار الذي بناه المغاربة حول الأراضي التي يسيطرون عليها في الصحراء الغربية. ولهذا المعبر الذي يقع في المنطقة الخاضعة لـ"البوليساريو" بالصحراء الغربية أو بالمنطقة العازلة بحسب التسمية المغربية، أهمية قصوى للموريتانيين وهو ما جعلهم يضغطون على "البوليساريو" لتسمح للشاحنات المغربية بالعبور إلى الأراضي الموريتانية محملة بالخضر التي يحتاجها الموريتانيون في غذائهم ولا ينتجها بلدهم.
ولعل هذا ما يفسر الغضب الموريتاني الذي حصل من "جبهة البوليساريو" بعد أن عمدت مؤخراً إلى منع الشاحنات المغربية من عبور الكركرات باتجاه موريتانيا وهو ما اضطر حتى الجيش المغربي إلى الخروج من الجدار العازل للإشتباك مع مقاتلي "البوليساريو". فموريتانيا بلد غير منتج للغذاء باستثناء الأسماك التي يحتل في إنتاجها وتصديرها موقعاً متقدماً عالمياً، لكنه في المقابل غني بالثروات المعدنية التي تذهب أغلب أرباحها إلى الشركات الأجنبية فيما لا تنال الدولة الموريتانية مما تكتنزه أرضها سوى الفتات. ومن هذه الثروات الذهب والنحاس والحديد الذي ينتج في مناجم أزويرات وينقل إلى ميناء نواذيبو عبر ذلك القطار الشهير العجيب المترامي الذي يقطع مسافات طويلة جداً وسط الصحراء ناقلاً معه البشر والدواب وحتى الماء للمواطنين الذين تشكلت تجمعاتهم السكنية على طريقه.
وأمام هذا الوضع الاقتصادي البائس، وبما أن علاقات موريتانيا مع الجار الجنوبي السنغال سيئة منذ الحرب بين البلدين عام 1989 من أجل حدود نهر السنغال، وبما أن الأوضاع على غاية كبيرة من الصعوبة وعدم الإستقرار من جهة الشرق حيث إقليم أزواد الطارقي الذي يسعى للانفصال عن مالي، فإن موريتانيا تبقى بحاجة أكيدة إلى المغرب لتزويدها بالغذاء. وبالتالي فهي مجبرة على الحفاظ على علاقات جيدة مع الرباط من دون الإساءة إلى "البوليساريوط، وهنا مربط الفرس، حيث صعوبة المهمة مع فرقاء يتعاملون بمنطق "إن لم تكن معي فأنت ضدي".
كما أن موريتانيا في غنى اليوم عن خسارة الجزائر التي تجمعها بها علاقات متميزة وتعاون شمل مختلف المجالات، ومن ذلك ما جاء في مذكرات الرئيس الموريتاني الأسبق المختار ولد داده عن دعم الجزائر لنواكشوط في عملية تأميم مناجم الحديد عام 1974 ووضع قوات عسكرية جزائرية على أهبة الإستعداد للتدخل في حال قررت فرنسا مهاجمة موريتانيا نتيجة لذلك. كما أن الرد الجزائري الغاضب من الرئيس الموريتاني ولد داده بسبب انخراط الأخير في اتفاق مدريد مع الملك المغربي الحسن الثاني والديكتاتور الإسباني الجنرال فرانكو من أجل اقتسام الصحراء الغربية بين البلدين عام 1975 تاريخ مغادرة إسبانيا للصحراء الغربية، ما زال ماثلاً في أذهان الموريتانيين بخاصة أن عجزهم عن ضم الجزء الجنوبي للصحراء الغربية جاء بسبب دعم الجزائر العسكري لـ"البوليساريو".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
المشرق-العربي
5/31/2026 9:28:00 PM
فيديو متداول للرئيس أحمد الشرع وعقيلته في بلودان يثير تفاعلاً واسعاً
الولايات المتحدة
6/3/2026 6:16:00 AM
السجال الذي أعقب المكالمة أعاد طرح أسئلة تتعلق بمستقبل الجبهة اللبنانية، وبالعلاقة بين ترامب ونتنياهو، وبحدود استقلالية القرار الإسرائيلي.
لبنان
6/2/2026 9:09:00 PM
بين طريق الخطر وطريق العلم والمعرفة، أثارت الحادثة موجة واسعة من الجدل، ترافقت مع انتقادات طالت وزارة التربية والتعليم العالي، حيث وجّه كثر أصابع الاتهام إلى وزيرة التربية ريما كرامي على خلفية الإصرار على إجراء الامتحانات حضورياً.
لبنان
6/3/2026 7:11:00 AM
يسلط التدقيق الضوء على شركة الطيران الوطنية التي تتخذ من بيروت مقراً لها، والتي حافظت على استمرار حركة الطيران في لبنان خلال الحرب والانهيار المالي.
نبض