19-03-2022 | 09:03

أوكرانيا ضحيّة الصّراع الأميركي - الرّوسي... هل تبقى دولة كما هي؟

بين المفاوضات المتعثرة والمعارك الطاحنة، تستقبل روسيا متطوعين من الشرق الأوسط، وبخاصة من سوريا والعراق، بينما يتدفق متطوعون اوروبيون وأميركيون على كييف.
أوكرانيا ضحيّة الصّراع الأميركي - الرّوسي... هل تبقى دولة كما هي؟
Smaller Bigger
بين المفاوضات المتعثرة والمعارك الطاحنة، تستقبل روسيا متطوّعين من الشرق الأوسط، وبخاصة من سوريا والعراق، بينما يتدفق متطوعون أوروبيون وأميركيون على كييف. 
 
قدوم المتطوعين لا يبشر بالخير ولا بالوصول سريعاً الى وقف للنار. أوكرانيا تستعد لمعركة طاحنة في كييف. الدولة وزعت السلاح على الشعب والغرب مدّها بالسلاح والذخيرة، ويخاصة صواريخ ستينغر ضد الدبابات. 
 
حرب الأسابيع الثلاثة كشفت هشاشة الجيش الروسي حين تبينت للخبراء العسكريين علامات الترهل والوهن. افتقار في التخطيط الاستراتيجي ونقص في الإمدادات اللوجستية وبخاصة الوقود. صور الدبابات المحروقة والعربات العسكرية المعطلة وسيارات الإسعاف القديمة هي خير معبر. إنّ طلب متطوعين لمساعدة الجيش الثاني في العالم والطلب الى الاحتياط الروسي الاستعداد ومساعدات من الصين هي اعتراف ضمني بأن روح القتال عند القوات الروسية ضعفت وتراخت خلال العقود الأخيرة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. 
 
 لذلك يعتقد مراقبون أن بوتين سيصعّد ولن يقبل الخسارة أياً كان الثمن. ويتوقع أن تشهد الأيام والأسابيع المقبلة اشتداداً في المواجهات وقسوة في الاقتحامات، وبخاصة في العاصمة كييف. لا أمل في وقف قريب لإطلاق النار، ولا انفراج في المفاوضات السياسية الجارية. استمرار المعارك يعني أن الطرفين غير جاهزين بعد للجلوس الى الطاولة والتوصل الى تفاهمات تحفظ ماء وجه الطرفين. زيلينسكي بدأ تقديم تنازلات مثل تحييد أوكرانيا وعدم رغبتها في الانضمام الى الناتو. بوتين يتمهل ويؤجل لتحقيق أهدافه من الغزو التي لا يعرفها أحد غيره.
 
يستعمل بوتين سياسة الأرض المحروقة وفائض القوة والحرب على كل الجهات، من خاركيف شمالاً الى ماريوبول جنوباً. حتى الآن لم تسقط مدينة أوكرانية واحدة رغم التدمير الممنهج والمروّع للبنايات والمدارس والمستشفيات والكنائس. شدة المعارك والحصار أديا إلى هروب سكاني كبير (ثلاثة ملايين) الى خارج الحدود طلباً للنجاة. 
 
 المقاومة الأوكرانية تشتد عزماً وشجاعة لمواجهة العدوان، وربما كانت إحدى المفاجآت لبوتين، رغم التفاوت الكبير في ميزان القوة لمصلحة روسيا طبعاً... أم المعارك تنتظر كييف. وحرب الشوارع تنتظر الروس. بوتين يتحاشى خوضها مكرهاً خوفاً من الوقوع في الوحول الأوكرانية طويلاً ومواجهة حرب استنزاف لا تستطيع الجيوش النظامية الانتصار فيها عادة. 
 
حاول بوتين اختصار الحرب. دغدغ الجيش الأوكراني للقيام بانقلاب على سلطة "النازيين الجدد" كما وصف الحكم الأوكراني. ناشد كبار الضباط من أصل روسي التحرك. لم يتجاوبوا. حكومة زيلينسكي لا تزال صامدة وموحدة وإمكان تغييرها يبدو غير سهل إلا إذا أصيب الرئيس بمكروه. ربما كان هناك سوء تقدير في التخطيط لسهولة الاجتياح وتحقيق نتائج سريعة بالاستسلام. 
 
بين أزيز الطائرات وأصوات الصواريخ والتهويل الروسي بوضع القدرات النووية في حالة تأهب، والسيطرة على المفاعل النووية في تشرنوبيل وزاربوجيا، الأكبر نووياً في أوروبا، يكثر الحديث عن إمكان استعمال أسلحة مدمرة عند الروس والأوكرانيين، ما يعني تحول الحرب الى حرب عالمية ثالثة لا يريدها أحد ولا يستطيع العالم تحمّل تبعاتها. 
 
أميركا، بلسان الرئيس بايدن، تؤكد مراراً وتكراراً أنها غير مستعدة لإرسال جنود الى أوكرانيا ومحاربة الروس. تكتفي واشنطن بتزويد أوكرانيا السلاح والذخيرة والمساعدات ليقوم أبناؤها بالقتال. واشنطن ترفض إعلان حظر جوي في أجواء أوكرانيا، وترفض إرسال طائرات بولندية سوفياتية الصنع خوفاً من أن يفسر ذلك تصعيداً للحرب ضد روسيا. قمة فرساي الأخيرة للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي رفضت قبول عضوية أوكرانيا في الاتحاد في هذا الظرف لئلا تفسر تصعيداً للنزاع موجهاً ضد موسكو. رفض طلب أوكرانيا الانضمام الى الناتو أو الاتحاد الأوروبي له أسباب وجيهة، لأنه يحتم الدفاع عنها إذا تعرضت لاعتداء، وهذا ما لا يريده الغرب. 
 
أميركا حيّدت أوروبا عن الصراع، واكتفت بحصر المعركة في أوكرانيا التي أصبحت ضحية الصراع الدولي. اجتياح بوتين أوكرانيا قوى العلاقات الأميركية - الأوروبية وجدد الاتفاق حول الناتو الذي يطالب البعض بتطويره وتجديده ليكون حلفاً عسكرياً يحمي الأنظمة الديموقراطية والشعوب الحرة. بوتين راهن على شرذمة العلاقات الأميركية - الأوروبية وعدم الثقة بين ضفتي الأطلسي. أوروبا توحدت وتحركت عبر الدبلوماسيتين النشيطتين الفرنسية والألمانية لصد العدوان وإبعاد تأثيراته عن الأوروبيين، خصوصاً أن تجديد الحرب في أوكرانيا أحيا كوابيس الحرب العالمية الثانية وذكرياتها الأليمة لأجيال سمعت من الجدات عن ويلاتها، ولا تريد أن تدفع مجدداً أثمانها بتدمير بلدانها وموت الملايين من شعوبها. 
 
أميركا وأوروبا لجأتا الى العقوبات بديلاً من الحرب جرعة وراء جرعة، لإنهاك الاقتصاد الروسي وضرب حركة التجارة والتصدير، وبخاصة قطع الطريق على مبيعات النفط والغاز التي يعتمد عليها الاقتصاد الروسي. العقوبات أقفلت الأجواء الأميركية والأوروبية أمام الطيران الدولي. انسحبت شركات النفط العالمية: آكسون الأميركية وإيني الإيطالية من الاستثمارات في مشاريع النفط والغاز الروسية. أقفلت البنوك الأميركية والأوروبية أبوابها في موسكو، وتتهيأ للانتقال الى دبي ودول الخليج العربي. تعطلت معظم المعاملات التجارية والمصرفية الدولية بمنع روسيا من التعامل المالي بنظام "سويفت". قطعت أميركا شراء النفط من روسيا، لكنها تفهمت حاجة أوروبا للغاز والنفط الروسي الذي لا يزال يتدفق عبر أنابيب في أوكرانيا رغم الحرب الدائرة حتى إيجاد بدائل أخرى. 
 
الحرب على أوكرانيا هي حرب الواسطة. أسباب جيوسياسية أبعد وأعمق من تحييد أوكرانيا ونزع سلاحها وتغيير حكومتها. موسكو تريد التوصل الى اتفاق مع واشنطن على نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، يتألف من أميركا وروسيا والصين. بدلاً من القطب الواحد الذي تمثله أميركا.
 
باختصار، بوتين يريد من الغرب أن يعترف بعظمة روسيا ومساواتها مع أميركا كدولة عظمى، وهي الأكبر مساحة في أوروبا وفي العالم، والأعرق تاريخياً وحضارياً. استهتار الغرب بروسيا وازدراء بوتين شخصياً وعدم أخذه جدياً وعزله عن لعب دور قيادي على المسرح الدولي، على أثر انهيار الاتحاد السوفياتي جرحت شعور روسيا وضربت كبرياءها، وبالتالي دفعت بوتين لانتهاج سياسة متهورة وتجديد الأحلام بتشييد إمبراطورية جديدة من البلدان السلافية المجاورة لروسيا. 
 
غزو روسيا لأوكرانيا سيسبب سباق تسلح ربما هو الأكبر منذ الحرب الباردة، ما يعني أن موازنات الدول الأوروبية ستتجه نحو التصنيع الحربي واستيراد السلاح على حساب الاهتمام بالبيئة والتعليم والضمانات الاجتماعية. 
 
للمرة الأولى في تاريخ روسيا تشهد موسكو وبطرسبرغ وغيرها من المدن تظاهرات واحتجاجات ضد الحرب على أوكرانيا، البلد الأقرب جغرافياً وإثنياً ودينياً لروسيا. أوكرانيا بنظر القوميين الروس هي معقل انطلاق الإمبراطورية الروسية الغابرة، وتربطهما علاقات قربى ومصالح مشتركة أكثر من أي بلد آخر. بهذا المنطق والأسباب يعتبر بوتين دخوله دونباس واحتلاله جزيرة القرم في 2014 استعادة أراض كانت تابعة لروسيا. 
 
خطة بوتين غير المعلنة هي سلخ شرق أوكرانيا حتى نهر دانيبر عن حكومة كييف، وضم هذه الأراضي الواسعة والخصبة في دونباس والاستراتيجية في القرم لموقعها على البحر الأسود الى روسيا، وتأمين خط بري يصل الأراضي الروسية بجزيرة القرم. 
 
هذه المخاوف تثير قلق الأوكرانيين والأوروبيين والعالم الذي يبدي تعاطفاً كبيراً مع أوكرانيا، الدولة الضحية لنزق استيلاء دولة كبرى على أرض دولة أخرى أضعف منها. التطورات الميدانية وحدها ستحدد مصير أوكرانيا وبقاءها دولة موحدة أو لا.

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/29/2026 12:33:00 AM
شهد الحفل حضور عدد من كبار الشخصيات الإسلامية، وضيوف خادم الحرمين الشريفين، إضافة إلى رؤساء الوفود وممثلي مكاتب شؤون الحجاج.
لبنان 5/28/2026 5:35:00 PM
يسبق يوم العيد عشر ليال، تسمى عند الموحدين الدروز ليالي العشر، يقوم فيها المشايخ والشيخات بالتوجه نحو المجالس الدينية والمقامات وأداء الصلاة كل ليلة. وكثيرون لا يعرفون أن الموحدين الدروز يصومون خلال هذه الفترة.
فن ومشاهير 5/27/2026 4:12:00 PM
وشهدت الأشهر الماضية تداول أنباء متكرّرة عن زواجهما، إلا أنّ الإعلان الرسمي عن ارتباطهما تأجّل حتى الآن.
موضة وجمال 5/26/2026 11:06:00 AM
أتت هذه الإطلالة اللافتة للأميرة رجوة في أول مشاركة لها في احتفال عيد الاستقلال السنوي بعد ولادة الأميرة إيمان.