16-10-2022 | 08:16

رحيل امرأة أجادت الصمت!

ماذا اكتب لك يا أم تجسدت والحياة عناء وصمت كأنه الأزل…
رحيل امرأة أجادت الصمت!
Smaller Bigger
 
 
ماذا أكتب لك يا أمّ جسدت والحياة عناء وصمت كأنه الأزل… 
 
عندما دخلت باب دارك للمرة الأولى كان النوم قد داهم جسدك المثقل بعناء العادة والتعود على ايقاع الليل والنهار، ولم يستطع الانتظار لاستقبال عروس غاليك وحبيبك. فسقطت تحت وقعه. وعندما أيقظوك  ورأيت في عينيك شتاتاً، تمنيت لو تركوك لملاك نومك… 
 
وكم من يوم استيقظت بعدها على خبر تراجعك الجسدي، والخوف والترقب ربما من رحيل جسدك. منذ ما يقارب العشرين عاماً، وربما اكثر وهكذا انت.  تداعبين الرحيل ثم تتمسكين بالحضور الدنيوي وتغالبين الموت وتصرعينه وتعودين لنا يدو، أمنا جميعاً لنلتم حولك. كل مرة كنت تفاجئيننا بعودتك البهية للحياة. وكأن روحك تأبى الرحيل عن فلذة أكبادها.
 
اعتقدنا … ويا لغفلتنا أن روحك تنتظر روح ابنتك الكبرى التي أعياها المرض. لكن عندما غادرت فاطمة هذه الدنيا، بقيت..وبقيت معنا.. وجهك يشع نوراً كلما أطللنا عليه. وصلت مشارف المئة عام وأكثر وجسدك الطري حاضر ومستسلم رغم انه فارق الكثير من قدراته بعدما فارق النظر والحركة… وكنت دوما في سريرك ضوءاً نستشعره ويستشعرنا كلما لامسنا محياه. 
 
وحدها ابنتك الصغرى، الطبيبة التي كرست حياتها لرعايتك، ادمنت مجالستك كأنها اتخذتك توأمها الروحي. جاءت كورونا، وقيل عن عامها الأول 2020 انها ستحصد اكبر عدد من كبار السن. وبقيت متحدية بأنفاس الحياة. لم نكن لنصدق كيف حملتك ابنتك الطبيبة بسيارة الإسعاف إلى المستوصف للمرة الأولى والثانية لأخذ تطعيم فايزر. ولم تعاني أية اعراض جانبية. كنت النموذج والقصة التي نرددها تشجيعا لكل متردد يخاف التطعيم. وحتى عندما تمكن من جسدك فيروس كورونا الذي حملته اليك احدى الممرضات، وعانيت الكثير واضطرت ابنتك وحارس صحتك الأمين لمتابعتك في المستشفى حيث كاد نفسك يغيب كليا. 
 
لكنك بقدرة قادر عدت لنبض الحياة مجدداً. زرناك مراراً. وبين سفر وآخر كنا دوما نعود اليك، ونتشبع بنور وجهك وحضورك المتألق بالحياة والاحساس بمن حولك من محبين. وعندما ودعناك قبل السفر الأخير لأميركا كنا نأمل لقيا وجهك الصبوح ككل مرة. 
 
يدو.. (الجدة) هو الاسم الأجمل الذي يمكن لكل أم أن تحمله بعد اسم "أمي" وهذا ما حملته. كنا جميعاً، أبناء وأحفاداً وأقارب نراك يدو…الخالدة. عبرت العام الثالث بعد المئة، وبقيت روح شاهدة على الكون، وكورونا والتحولات… 
 
كنا نعتقد ان روحك سترفض التحوّل من "بيت يدو" في الممزر إلى منزلك الجديد في الخوانيج… لكنك غالبت كل توقع. وعشت في البيت الجديد، زينته بنورك، وأضأتِ المكان والحي وفريج الخوانيج.
 
واليوم وبدون توقع، يصلنا الخبر الصباحي ليوم الخميس 13|10| 2022  ، اللحظة التي سقطت علينا كحد سيف فاصل. صحيح ان جسدك كان متعباً، لكنك كنت تصحين دوماً وتطردين شبح الغياب عن النَفَس الذي أدمنتيه وأدمنك. هذا الصباح صحوت، وانتظرت الاغتسال والطهر الجسدي وقبل إطعامك الصباحي قررت العبور مع النفس الأخير بين يدي من لم تفارقك. غادرت الجسد المعمر لغير عودة. زفرةٌ واحدة آمنة وسالمة، مطمئنة ومطمئنّة كانت تلك التي عبرت عبرها. لحظة واحدة، حادة وقاطعة هي اللحظة للعبور من حضور الدنيا لحضور الخلود الاعظم وصمته الأكبر. وسط صمت عرفته بعمق ربما منذ التاسعة من عمرك حين غادرت منزل والديك في الطرف الآخر من الخليج العربي ولم تعودي.
 
هذا الصمت الذي حملته حوالي المئة عام داخل الأحشاء، غادرته الآن.. لصمت الخلود الأعظم. 
 
هذا الصمت الذي علمك وعلمته الإسلام لمشيئة الخالق. سجدت وتماهيت وسجادة الصلاة. كنت العبد الصادق الأمين. لا بل منحت ابنك الرمز العميق لإسمه. 
 
يدو، كنت اكثر نساء العالم اللواتي عرفتهن صمتاً... وها هو غيابك يدوي في قلوبنا حشرجة هادرة، ويضيء كضياء المحب لمحبوب غاب في وجه وحضر في كافة الوجوه. 
 
وداعاً لأم تبنيتها وأنا أمارس امومتي، ومرحبا بروح أم أضاءت حياتها معانٍ لأمومة لا زِلتُ استشف واستكشف معانيها الكونية…
 
وداعا يا أمي التي لم تلدني.
 
 
 

الأكثر قراءة

مجتمع 5/15/2026 11:54:00 AM
فيديو يظهر إشكالاً في الناعمة يتطور لتضارب ودهس، مما يؤدي لمقتل امرأة وإصابة آخرين.
فن ومشاهير 5/3/2026 11:16:00 AM
حصدت إيميليا إعجاباً واسعاً، وتحوّلت رقصتها إلى موجة يقلّدها الجمهور وصنّاع المحتوى.