"صناديق التبرعات"... باب خلفي لتمويل الإرهاب؟
تمكنت الجماعات الأصولية تاريخياً من السيطرة على مساجد القاهرة، وتقديم نفسها كبديل لوزارة الأوقاف ومؤسسة الأزهر الشريف، من خلال اعتلاء المنابر وتأسيس الجمعيات المعنية بصناعة حملات التبرعات والصدقات وزكاة المال وزكاة الفطر، وإدارة مشاريع الطفل اليتيم والأرامل والفقراء.
غالبية هذه المشاريع أدت دوراً مزدوجاً في توطين الجماعات الأصولية التي سعت لتقديم نفسها كراعٍ اجتماعي للطبقات المهمشة، في ظل عجز وتخاذل مؤسسات الدولة عن القيام بدورها، فضلاً عن وضعهم في دائرة الاستقطاب والتجنيد الفكري والتنظيمي، إلى جانب استثمار تلك الحالة كغطاء في عملية السيطرة على كعكة الصدقات التي لم تخضع نهائياً للسلطة الرسمية.
تمكنت الجماعات الأصولية تاريخياً من السيطرة على مساجد القاهرة، وتقديم نفسها كبديل لوزارة الأوقاف ومؤسسة الأزهر الشريف، من خلال اعتلاء المنابر وتأسيس الجمعيات المعنية بصناعة حملات التبرعات والصدقات وزكاة المال وزكاة الفطر، وإدارة مشاريع الطفل اليتيم والأرامل والفقراء.
غالبية هذه المشاريع أدت دوراً مزدوجاً في توطين الجماعات الأصولية التي سعت لتقديم نفسها كراعٍ اجتماعي للطبقات المهمشة، في ظل عجز وتخاذل مؤسسات الدولة عن القيام بدورها، فضلاً عن وضعهم في دائرة الاستقطاب والتجنيد الفكري والتنظيمي، إلى جانب استثمار تلك الحالة كغطاء في عملية السيطرة على كعكة الصدقات التي لم تخضع نهائياً للسلطة الرسمية.
أصدرت الأوقاف المصرية خلال الأيام الماضية، قراراً بإزالة صناديق التبرعات من المساجد، واتخاذ مجموعة من الإجراءات تهدف إلى حوكمة عملية التبرعات، بحيث لا يُسمح لأي شخص القيام بجمع الأموال تحت أي مسمى، باستثناء ما ينظمه القانون بشأن صناديق النذور بمساجد ومقامات آل البيت.
قرارات تحصين أموال الصدقات والرقابة عليها، تأخرت سنوات طويلة من قبل المؤسسات الرسمية، نتيجة صعوبة حصرها، ومراقبة مسارات إنفاقها، كونها خاضعة للجهود الأهلية والشعبية، ومن ثم، فإن حصيلة ما لا يقل عن 40 في المئة من قيمة أموال الصدقات، كانت باباً خلفياً لتمويل الجماعات الأصولية بتنوعاتها المتعددة، في ظل وجود فجوة تم صناعتها بدقة بين المواطن والمؤسسات الدينية الرسمية متمثلة بوزارة الأوقاف والتشكيك في دورها، وعقيدة المسؤولين عنها، في إطار تدويل خطاب دعوي متطرف يعادي تلك الكيانات والقائمين عليها.
الكثير من تيارات الإسلام السياسي، ركزت جهودها في السيطرة على أموال الصدقات والتبرعات، لسهولة الهيمنة عليها، مع إعادة تدويرها في مسارات تجارية وبناء كيانات استثمارية تدر أرباحاً مستمرة تخدم مشاريعها الفكرية والتنظيمية.
استغلت تيارات الإسلام الحركي القضايا السياسية الدينية في صناعة حملات ممنهجة تهدف للسيطرة على نصيب الأسد من كعكة أموال الزكاة والصدقات بشكل مباشر، مثل القضية الفلسطينية وقضية البوسنة والهرسك وكوسوفو، والشيشان والجهاد الأفغاني، وغيرها من اللافتات التي منحت الجماعات الأصولية دعماً وحضوراً في الشارع، وتصدرها المشهد السياسي والديني والاجتماعي.
ووفقاً لما كشفه الدكتور عبد الخالق فاروق في دراسته "اقتصاديات الإخوان"، فإن مجموع حصيلة الزكاة والتبرعات التي حصلت عليها الجماعة بلغ نحو 5 مليارات جنيه عام 2012.
مسؤولية بناء المساجد وترميمها، ورعاية الأيتام والأرامل واحتواء الفقراء والمساكين، تقتصر على مؤسسات الدولة في المقام الأول، فضلاً عن المساهمة البنّاءة من منظمات المجتمع المدني، مع حوكمة مصادر تمويلها، وربط حساباتها بالبنك المركزي المصري.
الدور الروحي للمساجد يتنافى كلياً مع قيامها بجمع أموال الصدقات والتبرعات، وفتح الباب أمام المحتالين الذين يتاجرون بأزمات المهمشين والمحتاجين وغيرهم، وأمام سماسرة جمع الأموال المعنيين بتمويل أنشطة الجماعات الأصولية المتطرفة.
قرار إزالة صناديق التبرعات والصدقات وربط العملية بالمراقبة البنكية، يضمن وضع تلك الأموال في مساراتها السليمة، في ظل توسع الدولة المصرية حالياً في إطلاق برامج حماية مجتمعية مثل "حياة كريمة" وبرنامج "تكافل وكرامة"، فضلاً عن برامج الرعاية الصحية للقضاء على الأمراض المزمنة، والتي استهدفت علاج الملايين من الطبقات المتوسطة والفقيرة، وكذلك القضاء على العشوائيات ومنح ساكنيها إقامات بديلة كاملة التجهيزات.
في ظل التعاطي مع تطورات الثورة التكنولوجية الهائلة، من السهولة بمكان التبرع من طريق الهاتف الشخصي، لأكثر من مؤسسة رسمية قائمة على جمع التبرعات والصدقات تحت إشراف الدولة المصرية، مثل "بيت الزكاة والصدقات المصري"، لقطع الطريق أمام الجماعات المتطرفة في السطو على تلك الأموال تحت عشرات اللافتات والشعارات، مع ضمان وصولها ووضعها في مساراتها الصحيحة والسليمة سواء تمويل برامج الحماية المجتمعية أو بناء كيانات اقتصادية تساهم بشكل غير مباشر في دعم الطبقات الأكثر احتياجاً، أو تطوير مؤسسات الدولة سواء التعليمية أو الطبية.
عملية حوكمة أموال التبرعات من خلال المراقبة البنكية، لا بد من أن تشمل مختلف الجمعيات الخيرية والأهلية التي أطلقت يدها على مدار السنوات الماضية في السيطرة على كعكة التبرعات في المواسم الدينية، حتى تصبح الدولة مهيمنة بشكل كامل على مسارات جمع تلك الأموال وإنفاقها وضمان وصولها لمستحقيها سواء في شكل دعم عيني أو خدماتي، أو مادي.
ولا يمكن أن يتناسى الجميع حملات جمع الأموال عام 2012 التي قام بها أنصار التيارات السلفية في دعم الميليشيات المسلحة في ليبيا وسوريا والعراق، تحت غطاء الجهاد المسلح، عبر صناديق المساجد، ووكلاء وسماسرة جمع الصدقات والتبرعات، وتوظيفها في شراء الأسلحة وتجنيد المتطوعين ونقلهم إلى معسكرات القتال.
مثلما كانت أموال الصدقات والتبرعات مصدر دعم لأنشطة الجماعات الأصولية في عمق المنطقة العربية بشكل عام، كانت كذلك أهم أدوات اختراق المجتمعات الأوروبية من طريق السيطرة على صدقات وتبرعات الجاليات العربية والإسلامية، والتوسع في بناء المؤسسات والكيانات التي تعبّر عن توجهاتها وأطروحاتها الفكرية في العمق الغربي.
اعتمدت جماعة "الإخوان" منذ مرحلة ما بعد الرئيس جمال عبد الناصر، سياسة الانفتاح الغربي، فتم تأسيس المراكز والجمعيات الإغاثية والاجتماعية، التي تحوّلت الى محرك مهم في جمع أموال التبرعات والصدقات في أكثر من 72 دولة حول العالم.
وعلى سبيل المثال تأسس في أوروبا عدد من المنظمات لهذه الأهداف والتوجهات نفسها، وقامت بجمع أموال الصدقات والتبرعات، منها على سبيل المثال "مركز الثقافة الاجتماعية للمسلمين" في لوزان بسويسرا وتم تأسيسه عام 2002، و"مؤسسة التأثير الثقافي والاجتماعي" التي أنشئت عام 2010، و"اتحاد مسلمي سويسرا" وتم إنشاؤه عام 2006، فضلاً عن كل من مؤسسة "ماس" و"كير"، و"اسنا"، و"منظمة الشباب المسلم"، وهي مؤسسات رسمية تمثل جماعة "الإخوان" في الولايات المتحدة، وتعمل كلها ضمن شبكة جمع أموال التنظيم.
وتعد "منظمة الإغاثة الإسلامية" التي تأسست عام 1984 من أبرز تلك المؤسسات "الإخوانية" في عملية جمع الأموال من مختلف دول العالم، إذ يمتد نشاطها في حوالى 40 دولة حول العالم، وأوضحت الكثير من التقارير الدولية أنها من أبرز روافد تمويل الإرهاب "الإخواني" في العالم.
كانت السلطات المصرية رفضت إنشاء فرع لمنظمة "الإغاثة الإسلامية" داخل القاهرة، خلال مرحلة الرئيس الأسبق حسني مبارك، ما دفعهم لتوظيف لجنة "الإغاثة الاسلامية" بنقابة الأطباء المصرية، واتحاد الأطباء العرب الذي سيطروا عليه في توظيف تلك اللجنة كبديل لفرع المنظمة داخل القاهرة تحت لافتة دعم القضية الفلسطينية، وأشرف عليها الدكتور أحمد الملط، نائب مرشد "الإخوان" في حينه، وعبدالمنعم أبو الفتوح، وأشرف عبدالغفار، الأمين العام المساعد لنقابة الأطباء سابقاً، وأحد المتهمين في قضية غسيل أموال التنظيم الدولي لـ"الإخوان".
اختلاس التبرعات الخاصة بالقضية الفلسطينية (نموذجاً) ووضعها في خدمة المشروع "الإخواني"، وثقها كتاب "الإخوان المسلمون... أحداث صنعت التاريخ"، الصادر عن "دار الدعوة" عام 1994، لمؤلفه محمود عبدالحليم، عضو التنظيم الخاص، قائلاً: "الإخوان يحصلون على الأموال من المسلمين كافة وليس الإخوان فقط، وهو ما يعود على الجماعة بالفائدة، بخاصة أن التبرعات لا تتم بإشراف الدولة، وهو ما يصب في مصلحة الجماعة، لعدم ضمان الجهة التي تصل لها التبرعات، والتي ثبت بعد ذلك أن التبرعات لم تكن تذهب لفلسطين، ولكنها كانت تستخدم لخدمة الجماعة".
ويستكمل محمود عبدالحليم في سطور كتابه: "أحب أن أنبه القارئ إلى أن النقود التي كنا نجمعها لفلسطين من المساجد والمقاهي لم يكن القصد من جمعها إعانة إخواننا المجاهدين الفلسطينيين، فهم كانوا في غير حاجة إليها؛ لأن الأغنياء من أهل فلسطين كانوا وراء هؤلاء المجاهدين، وإنما كان جمعنا للتبرعات أسلوباً من أساليب التأثير في نفوس الناس بهذه القضية، والذي يتيح الحصول على تبرعات من جميع المسلمين وليس "الإخوان" فقط، وأضيف الآن إلى ذلك أن هذه المبالغ لم تكن تُرسل إلى المجاهدين".
كان الخلاف الأول بين حسن البنا وأحمد السكري وكيل الجماعة، الذي وثقته مقالات صحيفة "الأهرام"، وصحيفة "صوت الأمة"، في أربعينات القرن الماضي، تحت عنوان "المرشد الكذّاب"، فضح الكثير من المخالفات التي وقعت بين جدران المكون "الإخواني" السرّي، حول مصير الأموال التي تم جمعها تحت مظلة القضية الفلسطينية.
لم تغب تلك الوقائع عن مذكرات القادة المؤسسين للنظام الخاص المسلح، وعلى رأسهم علي عشماوي، الذي أشار في كتابه "التاريخ السري للإخوان المسلمين"، الصادر عام 2006 إلى "أن الإخوان كلما تسنح لهم فرصة المتاجرة بقضية المسجد الأقصى، يطالبون بفتح باب التطوع لإنقاذ الأقصى، ومعناه فتح باب التبرع لجمع المال من جديد".
*كاتب مصري، وباحث في شؤون الجماعات الأصولية
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
أوروبا
10/29/2026 10:18:00 PM
من بريطانيا وفرنسا إلى ألمانيا ودول الشمال الأوروبي والولايات المتحدة والهند وأستراليا، تتعدد توصيات الاستعداد للأزمات، من تخزين الطعام والمياه لعدة أيام إلى تجهيز حقائب الطوارئ تحسباً لتعطل الخدمات الأساسية والكوارث.
اسرائيليات
11/1/2026 8:45:00 AM
صحيفة معاريف الإسرائيلية: "من المتوقع أن تكون مدن الساحل اللبناني، وخصوصاً صور وصيدا، من أبرز أهداف الهجمات"
لبنان
10/30/2026 4:49:00 PM
أبرز 5 أخبار حتى الساعة الخامسة بتوقيت بيروت من "النهار".
مجتمع
10/31/2026 2:50:00 PM
ماذا في التفاصيل؟
نبض