12-04-2021 | 08:50

بورقيبة في ذكرى وفاته بين التّقدير الدّولي ونكران الجميل محلياً

يعيش التونسيون هذه الأيام في أجواء الذكرى الحادية والعشرين لرحيل زعيمهم وباني أمتهم الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة الذي "ملأ في عصره الدنيا وشغل الناس"سواء في الداخل التونسي أم بعيدا عن الديار. فقد كان بورقيبة يحظى بالإحترام والتقدير أينما حل عربيا وإفريقيا ودوليا ويتجلى ذلك في حفاوة الإستقبالات التي كان يحظى بها هنا وهناك.
بورقيبة في ذكرى وفاته بين التّقدير الدّولي ونكران الجميل محلياً
Smaller Bigger
يعيش التونسيون هذه الأيام في أجواء الذكرى الحادية والعشرين لرحيل زعيمهم وباني أمّتهم الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة الذي "ملأ في عصره الدنيا وشغل الناس"، سواء في الداخل التونسي أم بعيداً عن الديار. فقد كان بورقيبة يحظى بالاحترام والتقدير أينما حل، عربياً وأفريقياً ودولياً، ويتجلى ذلك في حفاوة الاستقبالات التي كان يحظى بها هنا وهناك.
 
ولعل تلك الصور التاريخية لزيارته الرسمية الأولى للولايات المتحدة الأميركية بصفته رئيساً للجمهورية التونسية، والاستقبال الجماهيري الكبير الذي حظي به، تؤكد أن الرجل لم يكن زائراً عادياً لبلد العم سام ورئيساً ككل رؤساء بلدان العالم الثالث الذين زاروا واشنطن، بل هو زعيم حركة تحرر وواضع أسس لبناء أمة. فلم يكن مألوفاً أن يحظى رئيس من العالم الثالث بكل تلك الحفاوة حتى وإن تعلق الأمر بملوك دول هامة تدعم الاقتصاد الأميركي مالياً.
 
لم يكن أمراً مألوفاً أن يتحوّل رؤساء أميركا إلى المطار لاستقبال ضيوفهم العرب حيث تقام مراسم الاستقبال عادة في البيت الأبيض، وحيث يكون الرئيس بانتظار ضيفه. لكن بورقيبة تميز عن باقي نظرائه العرب فاستقبله الرئيس الأميركي الراحل جون كينيدي على مدرج الطائرة، مؤكداً الأهمية التي كان يحظى بها "المجاهد الأكبر"، كما يلقب في تونس، والذي قال عنه الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول في مذكراته إن حجمه السياسي يفوق حجم دولته بكثير.
 
وبرز التقدير الكبير لبورقيبة الذي ذاع صيته كواحد من أهم مؤسسي منظمة الوحدة الأفريقية ومجموعة بلدان عدم الانحياز في زيارة الرئيس الأميركي إيزنهاور تونس في 17 كانون الأول (ديسمبر) 1959، والتي عبّر فيها سيد البيت الأبيض عن تقديم كل أشكال الدعم التي تطلبها تونس في عملية بناء الدولة الحديثة الاستقلال. فكان رد بورقيبة بما مفاده أنه يريد تطوير التعليم والصحة ولا يرغب في نيل الخردة من الأسلحة الأميركية التي تجاوزها الزمن، والتي تقتنيها دول عربية وتنفق عليها الغالي والنفيس، لينتهي بها المطاف وقد أكلها الصدأ في مخازن وزارات الدفاع.
 
ولم ينقطع بورقيبة عن لقاء الرؤساء الأميركيين، فالتقى أيضاً، إلى جانب إيزنهاور وكينيدي، كلاً من نيكسون وجونسون ورونالد ريغان سنة 1985. وكان يحظى بمعاملة خاصة كزعيم لإحدى حركات التحرر لا يقل أهمية عن غاندي ونيلسون مانديلا وآخرين من أحرار هذا العالم. 
 
وبرغم هذه الحفاوة الأميركية، لم يتردّد "المجاهد الأكبر" في تهديد واشنطن بقطع العلاقات الدبلوماسية إذا ما استعملت حق النقض الفيتو ضد أي قرار يدين الصهاينة في مجلس الأمن، وذلك بعد العدوان الصهيوني على مدينة حمام الشط التونسية سنة 1985 بسبب إيواء تونس منظمة التحرير الفلسطينية. ولأول مرة  امتنعت واشنطن عن استعمال الفيتو وأدينت إسرائيل أمام العالم بأسره.
 
يقول وزير الخارجية التونسي إبان حادثة حمام الشط، الباجي قائد السبسي، الذي كان في نيويورك، في كتابه "الحبيب بورقيبة المهم والأهم"، واصفاً غضب بورقيبة من تصريحات الرئيس الأميركي ريغان التي اعتبر فيها القصف الإسرائيلي لحمام الشط دفاعاً عن النفس: "تلقيت مكالمة من الرئيس بورقيبة أعلن فيها منذ البداية وحتى قبل الاستماع إلى أنه سوف يقطع العلاقات مع الولايات المتحدة". ويضيف قائد السبسي قائلاً: "حاولت أن أثنيه بالقول: إن من قدم لك هذه المشورة كائناً من يكون يريد تشويه صورتك، يجب الامتناع عن تدمير أربعين عاماً من دبلوماسية بورقيبية متناسقة وفعالة حتى لو استخدمت الولايات المتحدة الفيتو هذه المرة". ويضيف قائد السبسي: "مع هذا أعاد بورقيبة القول: سوف أقطع العلاقات إذا استخدمت الولايات المتحدة الفيتو ضدنا".
 
في مقابل هذا التقدير الخارجي، يلقى الزعيم بورقيبة محلياً الكثير من الجحود من "غير المخلصين" و"ناكري الجميل" الذين يكيلون له التّهم جزافاً من دون بحث أو تمحيص، وبجهل مطبق بتاريخ الحركة الوطنية التونسية، ويتّهمه بعضهم بالعمالة للغرب لمجرد أنه استمع إلى كبير سن يخبره عن شائعة، أو مغرض يلفّق الأكاذيب، أو موقع إلكتروني صدئ قريب من هذا التنظيم أو ذاك برع في تلفيق الأكاذيب والتحريض على بورقيبة لدى الجماهير. ولعل أفضل الردود التي يمكن أن يجابه بها من يتهمون بورقيبة بالعمالة من جماهير حركة النهضة الإخوانية على وجه الخصوص، هي أن "العميل" لا يخوض المعارك العسكرية والدبلوماسية لطرد المحتلين من أرضه، على غرار معارك الثورة المسلحة لسنة 1952 ومعركة رمادة ومعركة الجلاء ببنزرت ومعركة العلامة 233 وغيرها. 
 
كما أن العميل لا يرسل كتيبة عسكرية لقتال الإسرائيليين تساند الجيش المصري سنة 1973 وتشتبك كتيبته مع الصهاينة في أحد المواقع، ولا يؤمّم الأراضي الزراعية التي كانت بيد المستوطنين الفرنسيين، ويوقّع على القانون المتعلق باسترجاع هذه الأراضي، أي "قانون 12 مايو" 1964 على المنضدة ذاتها التي وقّع عليها ملك تونس محمد الصادق باي معاهدة باردو المهينة سنة 1881 والتي احتلت بمقتضاها فرنسا البلاد التونسية، في خطوة رمزية لا تخطر إلا على بال المخلصين لأوطانهم. 
 
لقد رحلت فرنسا تاركة البلاد التونسية وقد فاقت نسبة الأمية فيها الثمانين في المئة أو يزيد، بعدما انتهجت سياسة تمنع انتشار المدارس في مختلف جهات البلاد، وأجبرت المراهقين والشباب في البلاد المغاربية على الانقطاع المبكر عن التعليم للانخراط في الجيش الفرنسي للقتال في الصفوف الأمامية خلال الحربين العالميتين وفي حرب الهند الصينية وغيرها. لذلك راهنت دولة الاستقلال بقيادة الزعيم الحبيب بورقيبة على التعليم، ونجحت في رهانها إلى حد بعيد بعدما أنفقت عليه ثلث ميزانيتها عوض ضخّها في التسلح وفي تشييد المباني العملاقة والفخمة.
 
إن من غير المستبعد أن يكون بورقيبة قد قدّم تنازلات لفرنسا في ظل عدم التكافؤ في موازين القوى بين البلدين، وذلك للتسريع باستقلال البلاد والانطلاق في عملية الترميم وإعادة البناء في أسرع الآجال، نظراً الى أهمية عامل الزمن في بلد حرم من حقه في الصحراء الكبرى الأفريقية الغنية بالثروات، وقد فعلت ذلك معظم البلدان العربية والأفريقية، لكن هذه التنازلات، التي لا تتعدى بيع الفوسفات أو الملح للفرنسيين بسعر تفاضلي، أو تدريس لغة المستعمر لغة ثانية في المدارس التونسية وغيرها، لا ترقى إلى درجة التشكيك في وطنية الزعيم بورقيبة والمطالبة بإعادة كتابة التاريخ على هذا الأساس.
 
فهناك من الدول من قدم تنازلات لمستعمره السابق، يرى البعض أنها فاقت ما قدمه التونسيون، ومن ذلك السماح لهذا المستعمر بالقيام بتجارب نووية على أرضه كإحدى ورقات المقايضة لتسريع العملية التفاوضية. وبرغم ذلك لم نسمع صوتاً مشككاً في هذا الاستقلال أو في الزعماء الوطنيين من شعوب هذه الدول، وذلك احتراماً لأرواح الشهداء والأبطال الذين سقطوا دفاعاً عن الحرية والكرامة.
 
*كاتب تونسي ورئيس المركز المغاربي للبحوث والدراسات والتوثيق