11-03-2022 | 08:00

التكفير والهجرة وجهاً لوجه (1)

ننفرد في مقالنا هذا بأول مراجعات فكرية حقيقية خرجت من رحم الجماعات الأصولية في الشارع المصري خلال ثمانينات القرن الماضي، وسبقت في ذلك المرجعات الفكرية للجماعة الإسلامية التي صدرت تحت عنوان "تصحيح المفاهيم" عام 2002، وكذلك المرجعيات الفكرية لتنظيمات الجهاد التي صاغها الدكتور سيد فضل تحت مسمى "ترشيد العمل الجهادي" عام 2007. خرجت أول مراجعات فكرية من داخل الجماعات المتطرفة، تحت مسمى "التكفير والهجرة وجهاً لوجه"، على يد رجب مدكور، الرجل الثاني في جماعة"التكفير والهجرة"، أو "جماعة المسلمين" التي تأسست على يدي القيادي الإخواني علي إسماعيل، في نهاية الستينات من القرن الماضي (تبرأ من أفكارها)، في ظل انتشار موجه التكفير التي بدأها سيد قطب داخل السجون المصرية، وتولى زعامتها في ما بعد، شكري مصطفى، عام 1971، ونفذت عدداً من العمليات المسلحة داخل القاهرة، لعل أبرزها اختطاف وقتل وزير الأوقاف المصري، الشيخ محمد حسين الذهبي عام 1977.
التكفير والهجرة وجهاً لوجه (1)
Smaller Bigger
ننفرد في مقالنا هذا بأول مراجعات فكرية حقيقية خرجت من رحم الجماعات الأصولية في الشارع المصري خلال ثمانينات القرن الماضي، وسبقت في ذلك المراجعات الفكرية للجماعة الإسلامية التي صدرت تحت عنوان "تصحيح المفاهيم" عام 2002، وكذلك المرجعيات الفكرية لتنظيمات الجهاد التي صاغها الدكتور سيد فضل تحت مسمى "ترشيد العمل الجهادي" عام 2007.
 
خرجت أول مراجعات فكرية من داخل الجماعات المتطرفة، تحت مسمى "التكفير والهجرة وجهاً لوجه"، على يد رجب مدكور، الرجل الثاني في جماعة "التكفير والهجرة"، أو "جماعة المسلمين" التي تأسست على يدي القيادي "الإخواني" علي إسماعيل، في نهاية الستينات من القرن الماضي (تبرأ من أفكارها)، في ظل انتشار موجه التكفير التي بدأها سيد قطب داخل السجون المصرية، وتولى زعامتها في ما بعد، شكري مصطفى، عام 1971، ونفذت عدداً من العمليات المسلحة داخل القاهرة، لعل أبرزها اختطاف وقتل وزير الأوقاف المصري، الشيخ محمد حسين الذهبي عام 1977.
 
اعتمد رجب مدكور في مراجعاته، التي لم تلقَ متسعاً من النشر، منذ صدورها في طبعة واحدة عام 1985، على نقد الأسس والثوابت الفكرية التي صاغها شكري مصطفى في مخطوط يدوي في 200 صفحة، تحت عنوان "الحجة البالغة"، ليكون مرشداً لأتباعه ومحدداً لمعالم وخصائص "جماعة المسملين" مثل، إنزال أحكام التكفير على الحاكم والمحكوم، وقاعدة التوقف والتبين، وقاعدة تعارض الفرائض، والمفاصلة المجتمعية، أو العزلة الشعورية، وقاعدة الحد الأدنى من الإسلام، وتكفير مرتكب المعصية.
 
كان رجب مدكور بمثابة المتحدث الرسمي لجماعة التكفير والهجرة، وتمت محاكمته في القضية رقم 7 لسنة 1977، أمن دولة عليا، وانشق عن التنظيم، وفنّد الكثير من المغالطات الفقهية والفكرية التي وضعها شكري مصطفى، معتمداً في مراجعاته على العديد من المناقشات الحوارية والخاصة، واللقاءات المسجلة التي جمعت بين أعضاء الجماعة وزعيمهم.
 
تناول رجب مدكور، في مراجعاته، الرد على قضية توقيف وتعطيل الحدود الشرعية كلية إذا تعطل منها حداً واحداً، والتي صاغ مفرداتها شكري مصطفى، الذي اعتبر أن التحاكم إلى شرع الله يستلزم إيجاد "جماعة المسلمين"، وأن تطبيق أية شعيرة دينية يتوقف أولاً على إيجاد هذه الجماعة، بمعنى أنه يعطل تطبيق شعائر الإسلام المختلفة بناء على عدم وجود جماعة تمثل المسلمين.
 
أوضح صاحب المراجعات، أن شكري مصطفى وجماعته، جعلوا السمع والطاعة أمراً ملزماً من خلال قاعدة الولاية الكلية لأمير "جماعة المسلمين"، وأن أمير هذه الجماعة بمثابة خليفة الله في أرضه، ومن ثم وجب الخضوع والانصياع لقرارته وتفسيراته.
لم يكتفِ شكري مصطفى وجماعته في التكفير بالمعصية، لكنهم اعتبروا أن الانتماء لجماعتهم والالتزام بضوابطها الشرعية والتنظيمية، شرطاً أساسياً في مسألة التحقق من إسلام الأخرين وإيمانهم، كما ذهبوا إلى أن فكرة التدرج في تطبيق الشريعة انتقاصاً منها، (وفقاً لما طرحته بعض الجماعات الأصولية الأخرى)، وأن تطبيقها وفرضها بقوة السلاح يمثل الطريق الصحيح والأمثل لتحققها واقعياً، في إطار المواجهة المسلحة المباشرة مع رأس الدولة.
 
ذهب شكري مصطفى وفقاً لمراجعات رجب مدكور، إلى أن آيات القرآن الكريم غير كافية، لإقامة الحجج على البشرية، ووجب إرفاقها بشروح وافية، تتسق مع فهمهم وحدهم للنصوص الدينية، حتى وإن خالفت فهم الصحابة وعلماء الأمة، وأنهم تعرضوا لسورة "المائدة" وفسروها تأويلاً وتوظيفاً بما يتلاءم مع منهجيتهم الفكرية.
 
في انتقاده لمنهج "التكفير والهجرة"، أكد رجب مدكور، أن شكري مصطفى وجماعته، ظنوا في أنفسهم أنهم أعلى منزلة ومكانة من الصحابة "رضوان الله عليهم"، وتوهموا امتلاكهم للفهم السليم والوحيد لتأويل النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، معتبرين فهم الصحابة للشريعة الإسلامية فهماً منقوصاً، ولا يحمل أي قيمة استدلالية في رؤيتهم الفكرية والتنظيمية، إذ طعنوا في إيمان الخليفة عمر بن الخطاب، قائلين عنه نصاً: "عف الله عن عمر بن الخطاب، فلم يكن حجة، ولا عمر ولا أبو عمر، ولا أم عمر".
 
يرى رجب مدكور في مراجعاته، أن جماعة "التكفير والهجرة"، في إطار تأصيلها لقضاياها الفقهية والشرعية، تعمدت الاستدلال بالآيات القرآنية، وأحاديث الرسول (صلى الله عليه وسلم)، من خلال وضعهما في غير موضعهما، وانتزاعهما من سياقهما التاريخي والتشريعي.
 
في نظر شكري مصطفى، كل من ينطق بالشهادتين، ليس مسلماً، حتى وإن شهد له الجميع بذلك، ما لم يأتمر بطاعة "خليفة المسلمين" وجماعته، وينطوي تحت لوائه، قاصراً تحقيق العقيدة على فكرة الانتماء إلى "جماعة المسلمين"، وإلا أصبح الشخص كافراً معادياً للإسلام وشريعته، بناء على أن كيانه التنظيمي يمثل جماعة المسلمين، وليس جماعة من المسلمين.
 
في إطار العداء مع الأنظمة السياسية الحاكمة، والتي صيغت في قاموس الجماعات الأصولية، وحُملت على معاني "الطاغوتية"، ووظفت في إطار الخصومة والصراع السياسي الديني، اعتبر شكري مصطفى، أن الكفر بها شرط جوهري في تحقيق العقيدة الصحيحة، في مقابل الإيمان بالله ووليه، ومن ثم الامتثال لخليفة وإمام "جماعة المسلمين".
 
تطرق رجب مدكور إلى مغالطات شكري مصطفى، مثل الخلط بين الأصول والفروع، وبين الفقه والعقيدة، ومساواته بين الإسلام كدين، وبين الفرائض والتكليفات المترتبة عليه، وإيمانه أن التفريط في إحداها ينفي الأصل بالكلية، في مخالفة صريحة لقاعدة أن الإسلام هو الأصل، والتكاليف الشرعية هي المترتبات على هذا الأصل، ومن ثم وجود الأصل يثبت بقاء صاحبه على قاعدة الإسلام.
 
في إطار تأصيل انحرافاته الفكرية، ووضعها في إطار شرعي تلبيساً وتزييفاً للنصوص الدينية وحقائقها، وضع شكري مصطفى، قاعدة "الحد الأدني للإسلام"، التي ذهب فيها إلى أن الإسلام تمثله مجموعة من الفرائض، وأن من ضيّع منها فرضاً ضيعها بالكلية، وأن أهل "الحد الأدنى" في الأصل هم "أهل النار".
 
واستكمالاً للتلاعب بالأدلة الشرعية واستدلالاتها، والإيحاء بأن المسلمين تساهلوا في أمر دينهم، وضيّعوا حدود الإسلام وفرائضه، اختلق شكري مصطفى مجموعة من الشبهات ونسبها للمسلمين، منها أن عوام المسلمين وعلماءهم حصروا الإسلام في خمس فرائض فقط، متمثلة في حديثه "بُني الإسلام على خمس"، متناقضاً ومتجاهلاً الفرق بين الفرائض المتعددة والأركان الثابتة.
 
في تفسيره لآيات المؤمنين الورادة في سورة "المؤمنون"، رأى شكري مصطفى، أن منتسبيها أقل المسلمين إسلاماً وأدناهم منزلة، إن تحققت فيهم، وأن تارك الفريضة يُعد كافراً، وأن من وقع في المعصية وقع في الكفر صراحة، لكنهم اضطروا لوضع شرط "الإصرار عليها" هروباً من اتهامهم بتبني"عقيدة الخوارج".
 
المتابع للتطورات المرحلية في تاريخ حياة شكري مصطفى، يُدرك أن حالة الشطط الفكري التي سيطرت على نمط سلوكه، تكمن في تضخم ذاتيته الشخصية والنفسية، لدرجة تخطت فكرة "الوحي الإلهي"، وتخيّله بأنه مكلف بمراجعة حياة الناس وتصويبها، بما يتراءى مع قناعاته الخاصة، بعيداً من مضامين الرسالة المحمدية الوسطية المعتدلة، في ترجمة أقرب إلى حالة الإستعلاء الإيماني وفكرة الإصطفاء البشري، التي طرحت من قبل حسن البنا، وصاغ جوانبها سيد قطب.
وللحديث بقية!
 

الأكثر قراءة

ثقافة 5/24/2026 12:00:00 AM
نادين لبكي تستعيد صورة لبنان المقاوم بالفنّ من على مسرح كانّ.
اقتصاد وأعمال 5/25/2026 7:07:00 AM
بموجب التوجه المطروح، فإن المستفيد الذي يتقاضى ألف دولار شهريا ضمن التعميم 158 سيستمر بالحصول على المبلغ نفسه لمدة سنة إضافية تبدأ اعتبارا من تموز 2026 وتمتد حتى تموز 2027
لبنان 5/25/2026 12:00:00 AM
نقلت مراسلة "النهار" في باريس عن مصادر رفيعة متابعة للملف اللبناني في العاصمة الفرنسية، أن الاتفاق الأميركي الإيراني إذا أُبرم سيكون على حساب لبنان بالنسبة إلى نزع سلاح "حزب الله"
لبنان 5/24/2026 10:17:00 PM
لم تلقَ هذه المواقف أي تبرير...