تونس ومالطا... الإرث الحضاري غير المُستغل
لم تستغل تونس كما يجب تأثيرها الحضاري والثقافي على بعض الأمم القريبة والبعيدة والتي يمكن من خلالها ولوج عوالم جديدة لبناء شراكات غير تقليدية تطاول كل الميادين لتتغلب الخضراء على ضعفها المتمثل في المساحة الضيقة التي أرادها الاستعماران التركي والفرنسي عند صياغة الخرائط الجديدة للمنطقة.
لم تستغل تونس كما يجب تأثيرها الحضاري والثقافي على بعض الأمم القريبة والبعيدة والتي يمكن من خلالها ولوج عوالم جديدة لبناء شراكات غير تقليدية تطاول كل الميادين لتتغلب الخضراء على ضعفها المتمثل في المساحة الضيقة التي أرادها الاستعماران التركي والفرنسي عند صياغة الخرائط الجديدة للمنطقة. فباستثناء اجتماع يتيم لرؤساء بلديات مدن قرطاج عبر العالم دعا إليه رئيس بلدية تونس العاصمة في زمن حكم الرئيس الحبيب بورقيبة، لم توجد تحركات جادة في هذا الإطار عربياً وإفريقياً ومتوسطياً وحتى عالمياً لاستغلال هذه الروابط الحضارية التي خلفها الأسلاف وتتميز باستغلالها بعض الأمم العريقة من دون سواها.
وللإشارة، فإن هناك قرابة 100 مدينة وموقع في مختلف أنحاء العالم يحملون اسم قرطاج، أهمها المدينة الأم التي أسسها الفينيقيون في تونس في القرن التاسع قبل الميلاد، والثانية التي أسسها التونسيون أنفسهم أو القرطاجيون عام 227 قبل الميلاد في إسبانيا تحت مسمى قرطاجنة أو كارتاخينا، مثلما أسسوا مدناً أخرى في تلك الربوع الإيبيرية على غرار مالاقا أو مدينة الملاك، وبرشلونة المنسوبة إلى عائلة بركة التي ينتمي إليها هنيبعل قرطاج والواقعة في منطقة الكاتالان أو القرطاجان في شبه الجزيرة الإيبيرية. أما بقية المدن التي تحمل اسم قرطاجنة في الأميركيتين والفليبين، فقد أسسها الإسبان في القرن السادس عشر حنيناً إلى مدنهم الأصلية التي أبحروا منها باتجاه العالم الرحب بعد إنهاء حكم المسلمين في الأندلس.
ويرى البعض أن التونسيين لم يستغلوا كما يجب الروابط الحضارية والثقافية التي تجمع بينهم وبين مالطا لمزيد من ترسيخ أقدامهم في الفضاء الأوروبي بخاصة أن الفاعلين في هذا التجمع الإقليمي يعيرون الكثير من الاهتمام لهذه المسائل الثقافية والحضارية. ولعل هذا ما جعل الأوروبيين يدفعون منذ بدايات التأسيس باتجاه ولوج اليونان، منبع حضارة الإغريق، إلى ناديهم ويصرون على إنقاذه حين استفحلت أزمته الاقتصادية ووصل إلى الإفلاس، وذلك مقابل إقفال حصونهم بوجه الأتراك، ورثاء بني عثمان، الذين جمعهم بالأوروبيين تاريخ دموي مرير.
والحقيقة أن ما يجمع تونس بمالطا كثير يصعب تعداده، وأهمه اللغة، فما يسميه البعض خطأ "اللهجة التونسية" هي في الأصل اللغة البونية أو البونيقية القرطاجية المشتقة من اللغة الكنعانية شأنها شأن العربية، والتي أضيفت إليها مفردات أمازيغية ثم لاحقاً مفردات لاتينية. وتتحدث مالطا إلى اليوم اللهجة التونسية أو اللغة القرطاجية التي ما زالت غالبة على شرق الجزائر والغرب الليبي أيضاً، لكنها تُكتب في مالطا بحروف لاتينية وأضيفت إليها مفردات إيطالية وإنكليزية، واحتار الكثير ممن يجهلون تاريخ المنطقة في أمر اللغة المالطية واعتبرها بعضهم عربية شامية والبعض الآخر عربية مغربية، في حين أنها والعربية مشتقتان من جذر واحد، أي الجذر الكنعاني الفينيقي في تطوره في شمال إفريقيا وفي تونس تحديداً بالنسبة إلى اللغة المالطية.
لقد كانت مالطا جزءاً من جمهورية قرطاج في عصور ما قبل ميلاد المسيح وعمّرها الفينيقيون وكذلك الأمازيغ السكان الأوائل لشمال إفريقيا كما هو حال تونس وغرب ليبيا والسواحل المتوسطية المغاربية وصولاً إلى مضيق جبل طارق. وعاد التونسيون إلى مالطا في عهود الإسلام وتحديداً عام 870 ميلادية في عصر الدولة الأغلبية التي اتخذت من مدينة القيروان التونسية عاصمة لها بعد أن استقل بنو الأغلب عن حكم العباسيين في بغداد وأسسوا دولتهم في تونس وغرب ليبيا وشرق الجزائر.
كما استقرت في العصور الحديثة جالية مالطية مهمة في تونس تحدثت لغة بلادها التي فهمها التونسيون وتفاعلوا معها رغم بعض الاختلافات الطفيفة التي نشأت مع الوقت نتيجة للمسارين المختلفين للتطور التاريخي الذي شهده البلدان. واشتغل المالطيون في مهن عديدة في تونس خلال القرنين التاسع عشر وإلى حدود أواسط القرن العشرين من بينها إعداد الوجبات الغذائية المخصصة لتزويد السفن العابرة لمضيق صقلية الذي يربط بين حوضي البحر المتوسط الشرقي والغربي والذي تشرف عليه كل من تونس وإيطاليا باعتبارهما يتوسطان المتوسط.
وازدادت أهمية مالطا، التي لا تتعدى مساحتها مساحة جزيرة جربة التونسية، مع انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي عام 2004 وباتت أول أرض تنتمي جغرافياً إلى القارة الإفريقية تنضوي في المنظومة الأوروبية. وكان من المفروض على تونس أن توظف علاقاتها المتميزة مع مالطا، الأكثر فهماً للشركاء المتوسطيين الجنوبيين، لإيصال صوتها وصوت الأفارقة الشماليين إلى المنابر الأوروبية.
فتطوير العلاقات مع مالطا واستغلال كل الموروث الحضاري والروابط التاريخية الجامعة المتحدث عنها يضمن للخضراء صوتاً أوروبياً داعماً لموقفها في الملف الليبي على سبيل المثال. كما يمكن لمالطا أن تكون داعمة لموقف تونس في ملف الهجرة السرية الذي يعتبر أكثر الملفات إثارة للمشاكل بين تونس والأوروبيين. ويمكن لمالطا أيضاً أن تقدم دعمها في مجال التمويلات التي تحصل عليها تونس من الأوروبيين سواء أكانت هبات أو قروضاً، وهي تمويلات تحتاجها تونس كثيراً إليها في هذا الظرف الدقيق والحساس والإستثنائي الذي تمر به.
ولعل زيارة الدولة التي سيؤديها رئيس جمهورية مالطا جورج فيلا إلى تونس هذه السنة ستمثل إلى جانب اجتماعات اللجنة العليا المشتركة فرصة للدفع بنسق التعاون وتدعيم الشراكة بين البلدين الجارين. كما يجب استغلال هذه الزيارة، لتقييم وتفعيل الاتفاقات الثنائية المبرمة سابقا، والنظر في سبل تدعيمها حتى تتحقق النجاعة المرجوة التي حصلت سابقاً في زيارة أداها الرئيس الراحل الباجي إلى لافاليتا عاصمة مالطا وكان من نتائجها جلب المزيد من الإستثمارات والإتفاق على النهوض بالتبادل الثقافي والسياحي لما لهذين المجالين من أهمية في العلاقة بين البلدين.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
سياسة
5/26/2026 12:00:00 AM
لعل المفارقة التي ارتسمت أمس، وسط التصعيد اللاهب الذي عرفه الجنوب وشمال إسرائيل، تمثلت في أن تداعيات الاتفاق المحتمل الذي لم يولد بعد بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران
فن ومشاهير
5/21/2026 8:31:00 AM
اتّسمت الحلقة الثانية من مرحلة المواجهات بأجواء حماسية، مع استمرار النجوم المدرّبين رامي صبري وداليا مبارك والشامي في اختيار الأصوات المتأهلة إلى المرحلة المقبلة.
فن ومشاهير
5/24/2026 1:31:00 PM
نشر المستشار تركي آل الشيخ مقطع فيديو ظهر فيه النجمان وهما يضحكان ويوجّهان التحية إلى الكاميرا.
فن ومشاهير
5/25/2026 9:09:00 PM
مشهد عكس الشغف اللبناني بالحياة والفن والموسيقى، والتقاطع الثقافي بين لبنان وإيطاليا.
نبض