حين طبق "إخوان" تونس عدالة المنتصر
من أبجديات القانون الجزائي التي يدركها من لا يزال يتحسس أولى خطواته في دراسة القانون من طلبة كليات الحقوق، أن لا جريمة من دون نص قانوني سابق الوضع، وأنه إذا جرَم المُشرع فعلاً ما، فلا يجب أن يكون لهذا التجريم مفعولاً رجعيا، أي لا يحاكم ولا يعاقب من ارتكب هذا الفعل قبل صدور القانون الجديد. ولا يعتقد المرء أن هذه الأمور خافية على رجال القانون في الأحزاب التي صاغت قانون العدالة الانتقالية في المجلس التأسيسي التونسي السابق على غرار حزبي حركة النهضة الإسلامية وحزب المؤتمر المنحل وتوابعهما، وهم كثر، ومنهم "حقوقيون" صموا آذاننا خلال فترة حكم زين العابدين بن علي دفاعاً عن حقوق الإنسان والحريات، فإذا بهم ينقلبون على أعقابهم بعد رحيله.
من أبجديات القانون الجزائي التي يدركها من لا يزال يتحسس أولى خطواته في دراسة القانون من طلبة كليات الحقوق، أن لا جريمة من دون نص قانوني سابق الوضع، وأنه إذا جرَم المُشرع فعلاً ما، فلا يجب أن يكون لهذا التجريم مفعولاً رجعياً، أي لا يحاكم ولا يعاقب من ارتكب هذا الفعل قبل صدور القانون الجديد. ولا يعتقد المرء أن هذه الأمور خافية على رجال القانون في الأحزاب التي صاغت قانون العدالة الانتقالية في المجلس التأسيسي التونسي السابق على غرار حزبي "حركة النهضة" الإسلامية وحزب "المؤتمر" المنحل وتوابعهما، وهم كثر، ومنهم "حقوقيون" صموا آذاننا خلال فترة حكم زين العابدين بن علي دفاعاً عن حقوق الإنسان والحريات، فإذا بهم ينقلبون على أعقابهم بعد رحيله.
كما أن القانون، وهذا أيضاً يدركه المبتدئون في دراسته، ليس علماً صحيحاً ولكنه علم المصطلحات الصحيحة. فلا يمكن لمُشرعه أن يجرّم فعلاً ما، من دون أن يحدد مفهومه بدقة، ومن خلال هذا المفهوم يفكك الشرّاح والمتخصصون أركان الجريمة التي من دون قيام أحدها أو بعضها أو جميعها، لا يمكن تكييف الفعل الذي يقوم على أساسه التتبع على أنه الجريمة التي قصدها المشرّع في نص الإحالة. وتُجنب هذه الدقة المطلوبة في عمل المُشرّع الجزائي التوسع في التفسير والتأويل وتجعل القاضي مقيداً تقيداً صارماً بالنص لا يجنح لا إلى إجتهاد ولا إلى قياس، حتى أن الشك في قيام أحد الأركان من عدمه يؤوّل لصالح المتهم.
لكن يبدو، أن هذه الأمور كانت "خافية"، أو أراد لها من عُهد لهم بملف العدالة الإنتقالية أن تختفي، ويتعلق الأمر بمن أعدّ نص القانون، ومن ناقشه في رحاب قبة باردو ومنح صوته إيجاباً على تمريره، وهو (أي القانون) المهزلة التي تضاف إلى مهازل أخرى مشابهة ميّزت فترة حكم "حركة النهضة". ولا يلام في هذا المجال "مُشرعو المصادفة" ممن لا صلة لهم لا من قريب أو بعيد بالقانون ورجاله، وإنما من كان من المفروض في ذلك الوقت، أي منذ قرابة العشرية، أنهم خريجو كليات حقوق انكبوا على إعداده ومرروه إلى مجلس تأسيسي فيه عدد معتبر من المحامين وأساتذة القانون وحتى عدول التنفيذ وغيرهم.
فـ"تزوير الانتخابات" الذي أدرج في قانون العدالة الإنتقالية والذي أراد من خلاله "إخوان" تونس في ذلك الوقت استهداف الباجي قائد السبسي وعصر بروزه السياسي أي فترة حكم الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، لم تكن تجرمه القوانين السارية المفعول خلال تلك الفترة التي حددها "الإخوان" في عدالتهم الانتقالية العرجاء لمحاسبة من تعتبرهم مذنبين. فلا توجد جريمة في المجلة الجزائية ولا في النصوص القانونية التونسية منذ عام 1955 وإلى تاريخ 14 كانون الثاني (يناير) 2011 تسمى تزوير الانتخابات. ولم توجد هذه الجريمة قبل هذه التواريخ ولا بعدها، وبالتالي، فإن محاسبة شخص ما على أساس هذه "الجريمة" هو انتهاك صارخ ومفضوح لحقوق الإنسان، ولو تم في ذلك الوقت لجعل البلاد عرضة لانتقادات المنظمات الحقوقية الوطنية والإقليمية والدولية.
كما أن مُشرّع هذا القانون، العدالة الإنتقامية التونسية - وعلى فرض أن هذه العدالة هي مسألة استثنائية لا صلة لها بقواعد القانون الجزائي - كان عليه في ذلك الوقت أن يقوم بتوضيح مفهوم "تزوير الانتخابات". ما المقصود تحديداً بهذا المصطلح، باعتبار أن القانون وكما أسلفنا هو علم المصطلحات الصحيحة التي يجب أن تُحدد سلفاً وبدقة؟ فإذا اعتبرنا جدلاً ووفقاً لما جاء في الموسوعة الحرة أن "التزوير هو تدخل غير قانوني في عملية الانتخابات لتجيير أصوات لمصلحة مرشح ما أو لسلبها من مرشح آخر من خلال آليات عديدة على غرار تسجيل الناخبين بطريقة غير قانونية أو الترهيب أثناء التصويت أو فرز الأصوات بطريقة غير صحيحة بإضافة أصوات لطرف ما والتخفيض من عدد الأصوات لمنافسه"، فإن عديد الأفعال التي أقدمت على ارتكابها "حركة النهضة" وحلفاؤها خلال فترة حكمهم تدخل في هذا الإطار.
فالحصول على المال الأجنبي للإنفاق على الحزب وتمويل حملاته الانتخابية هو تزوير، واستغلال المقدس، وهو الدين الذي هو ملك لجميع التونسيين، لكسب أصوات الناخبين يصبح بهذا المعنى تزويراً. كما أن تزويج ضعاف الحال وختان أبنائهم وشراء أضاحي العيد لهم خلال الحملات الانتخابية وانقطاع هذه العادة لاحقاً هو أيضاً تزوير. كما أن ترهيب بعض الأحزاب المعارضة ومنعها من عقد لقاءاتها بأنصارها و"مُريديها" والاعتداء على اجتماعاتها، وإغلاق بعض المناطق بوجه هذا الحزب أو ذاك منعاً له من كسب المزيد من الأنصار من خلال ما كان يسمى "عصابات" يسمى "حماية الثورة" هو أيضاً تزوير. واستغلال أموال الدولة لإصدار الكتب سواء أكانت سوداء، أو حمراء أو صفراء للدعاية الانتخابية المبكرة مثلما فعل المرزوقي، هو تزوير ما في ذلك شك، ويصيب المنافسة الشريفة بين كل الأحزاب في مقتل.
فإما أن يُحاسب الكل من دون استثناء في تونس ويُفتح الأرشيف ويقف الجميع على قدم المساواة أمام القضاة وطبقاً لقواعد قانونية عادلة، وإما فلا. فقد ملّ التونسيون عدالة المنتصر التي ميزت تاريخهم القديم والحديث على حد سواء. لقد قامت "حركة النهضة" بمحاسبة رموز نظام زين العابدين بن علي، على أساس هذا القانون الجائر للعدالة الانتقامية وهو ما ترك البلاد أسيرة لهذه الحلقة المفرغة من الانتقام والانتقام المضاد. فمثلما حمل أبناء وأحفاد من تم اضطهادهم خلال عهود سابقة أحقاد آبائهم وجاهروا بها في ما مضى ويجاهرون بها اليوم، سواء أكانوا أبناء يوسفيين تصارعوا مع الزعيم بورقيبة ونظامه أو أبناء يساريين أو غيرهم، فإن كثيراً ممن ظلموا وتمت محاسبتهم على أساس قانون عدالة النهضة الانتقالية - الذي تم تمريره في غفلة من الجميع في خضم الحوار الوطني، والذي كان بحاجة إلى عديد من المراجعات ومنها الفترة المعنية بالمحاسبة والجرائم وتركيبة اللجنة المشرفة - سيخلفون نسلاً يسعى لتحيّن الفرصة لتصفية الحساب مع ظلّام الأمس ممن اضطهدوا آباءهم. ولن نخرج من هذه الحلقة المفرغة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
مجتمع
5/15/2026 11:54:00 AM
فيديو يظهر إشكالاً في الناعمة يتطور لتضارب ودهس، مما يؤدي لمقتل امرأة وإصابة آخرين.
نبض