منذ توليه مقاليد الحكم، اختار العاهل المغربي الملك محمد السادس، أن تتسم خطبه الموجهة إلى الأمة في ذكرى خلافته لوالده، بالاختصار والتركيز، خلافاً للعادة التي اتبعها والده الراحل، إذ تميزت خطب عيد العرش في عهده بجرد وافٍ للإنجازات المحققة في غضون السنة المنصرمة.
وهذا الأسلوب ليس جديداً في التواصل بين الرأي العام والعاهل المغربي، إذ إن الغاية منه الوصول إلى الهدف مباشرة من دون التواء لغوي ومحسنات بلاغية، وإنما هو نهج يطبع العهد الجديد الذي يتجلى في إفصاح عاهله عن مقاصده ونهجه في مقاربة الملفات الكبرى مع مراعاة للوقت.
وفي الذكرى الـ 21 لارتقاء سدة المُلك، حاد العاهل المغربي قليلاً عن القاعدة، فجاء خطابه الأخير حافلاً بتفاصيل التدابير والقرارات غير المسبوقة التي عكست ارتياحاً لدى سماعها، مطلقة سيلاً من التعليقات المثمنة لمضمون خطاب وصف بالتاريخي، وذلك لأسباب عدة أهمها كونه مخصصاً بكامله لقضايا الداخل. ولم يشر، لا بالتلميح ولا بالتصريح إلى مواضيع السياسة الخارجية، مثل تطور ملف نزاع الصحراء المسترجعة، والوقوف عند المكاسب التي حققتها الديبلوماسية المغربية في غضون السنوات الأخيرة منذ العودة إلى الاتحاد الأفريقي.
وفي هذا السياق، لم يتطرق الملك محمد السادس إلى العلاقات الثنائية مع الجزائر، ما يشي بأن الخلاف والتوتر الفاتر مستمران بين البلدين، ولم تغيرهما بعض التصريحات "المتشائلة" التي أدلى بها الساكن الجديد بقصر "المرادية " في الجزائر.
كما لم يتطرق الملك كذلك لإلى القضايا الإقليمية الأخرى، بما فيها الفلسطينية التي لا تخلو الخطب الملكية المماثلة من إشارة، ولو إيجازاً، إليها عند الاقتضاء.
بالتالي، فإنه لا يوجد ما ينبئ بحدوث تحول فارق في مرتكزات السياسة الخارجية المغربية، لكن البلاد مهيأة، وفق مؤشرات متواترة، لانعطافة كبرى ستمس أساساً السياسة الداخلية، على غرار البلدان التي هدد وباء كورونا كيانها الاقتصادي وخلخل بنيتها الاجتماعية، بعد أن اجتاح أرجاء المعمور.
لقد حلت الجائحة الضارة، لتعجل ببقية الإصلاحات التي فكر فيها الملك محمد السادس، بعد مرور عقدين على ممارسته حكم المملكة، وهي مدة كافية للمراجعة والتقييم المتأمل، لضبط النواقص والسلبيات.
والواقع أن العاهل المغربي، استشعر اللحظة الفارقة، قبل أكثر من سنة، عندما تبلورت لديه ملامح الوثبة الجديدة التي يؤمل أن تقدم عليها بلاده.
هكذا شكّل الملك لجنة من الخبراء والكفاءات المغربية المشهود لها بالمعرفة والتجربة، وأوكل إليها مهمة تحديد نموذج تنموي جديد وصياغته للسنوات المقبلة، يطاول القطاعات المجتمعية برمتها، ويدقق في الاختيارات السابقة من خلال تقييم موضوعي لنتائجها مع استشراف للمستقبل، في ضوء التحولات العميقة والمتغيرات المسرعة في العالم.
وكان مقرراً أن ترفع اللجنة التي يترأسها وزير الداخلية الأسبق سفير المغرب الحالي بباريس شكيب بنموسى، خلاصات أعمالها إلى الملك، قبيل حلول الطلائع الأولى من فيروس كورونا.
ودق ناقوس الخطر أمام انتشار الوباء السريع في العالم، وبدا واضحاً لصاحب القرار الأول في المغرب، أن الجائحة ستؤثر، لا محالة، في الأنظمة السياسية والاقتصادية والتماسك المجتمعي.
وطلب الملك محمد السادس، من أعضاء اللجنة إعادة النظر في تقريرهم، في ضوء ما لم يرد في الحسبان، وأمهلهم مدة إضافية للمراجعة والتعديل.
ويمكن القول إن خطاب العرش الأخير، زوّد اللجنة بعناصر مستجدة، لإجراء قراءة نقدية للوثيقة التي صاغتها، وبدا واضحاً أن الملك ربما استبقها بتأكيده إيلاء العناية للبعد المجتمعي، من خلال اقتراح إصلاحات جذرية، في مجال الاقتصاد وسبل عصرنة الإنتاج، في أفق ترسيخ عدالة اجتماعية ومجالية، منصفة للمحتاجين، محفزة على دينامية تدوي دواليب الاقتصاد بنجاعة، تتقاطع مع التكاسل والبيروقراطية للانخراط في إيقاع العصر الذي لم يعد يرحم المتراخين.
لا يكفي هذا الحيز، لاستعراض القرارات التي أعلنها ملك المغرب، فهي كثيرة ومترابطة، وتصب في مصلحة أوسع الفئات المجتمعية، خصوصاً الشباب التواقين إلى العمل والاندماج في بوتقة العصر الجديد.
تنتشر قناعة بين غالبية المحللين في المغرب، تشير إلى أن المملكة استكملت عموماً بناء المؤسسات الدستورية التي تعمل بأداء متفاوت، لكن محصلتها إيجابية بالمجمل، وهي قابلة للمراجعة طبقاً للآليات الدستورية. وهذا احتمال قد تفرضه إكراهات الزمن، أجلاً أم عاجلاً.
إن التحدي الكبير الذي يواجه المغرب، وليس عاهله فقط، يتجلى في الرافعات الداعمة لأي تغيير سياسي مجتمعي، أي المنظومة الحزبية المؤهلة للتأطير السياسي للمواطنين، لحثهم على مشاركتهم في تجديد المشهد السياسي.
هنا تبدو العلّة وكأنها متوارثة حتى صارت مزمنة، ويصعب القضاء عليها واستئصال داء التواكل المستشري في مفاصلها، من دون إجراء جراحة عميقة وموجعة.
كيف ستتجاوب التنظيمات الحزبية والنقابية المغربية مع تطلعات العلاج الموصوف لها قسراً أو عن طيب خاطر؟ سؤال سيظل عالقاً إلى حين تجديد طرق لعلاجها.
احترم الملك محمد السادس روح الدستور، ووضع خريطة طريق للمستقبل، وحدد الثغرات والنقائص من دون إخفائها، وأعان اللجنة المكلفة بإعداد المخطط التنموي الجديد، وأنار لها الطريق حتى تسرع الخطى بعزيمة وثبات.
عموماً، أوضح خطاب العرش صراحة، أن الملك محمد السادس يتصدر الطليعة، كلما واجه المغرب مشكلة، حتى ولو تعلق الأمر بوضعه الصحي الشخصي، وألقى خطاب الذكرى في موعدها وهو في فترة نقاهة من الجراحة التي أجريت له أخيراً في المغرب. وبدا التعاطف الشعبي مع الملك ذروته من حلال أحاديث المواطنين، وفاضت شبكات التواصل بخالص الدعاء له.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الولايات المتحدة
5/2/2026 1:03:00 AM
أبلغ دونالد ترامب الكونغرس بأن الحرب مع إيران “انتهت”، في محاولة لاحتواء الجدل القانوني مع بلوغ مهلة الـ60 يوماً دون تفويض تشريعي
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
لبنان
5/1/2026 6:14:00 PM
أنباء أولية عن مجزرة في حبوش بعد إنذار إسرائيلي وغارات عنيفة: 10 ضحايا وعدد من الجرحى
لبنان
5/1/2026 8:38:00 PM
إسرائيل تنقل المواجهة إلى عمق لبنان… “المنطقة الصفراء” تشمل قيوداً على المدارس والتجمعات
نبض