01-02-2023 | 08:10

هل تحاول الجزائر أن تغري الغرب بالابتعاد من موسكو؟

شكلت الزيارة الرسمية التي قام بها قائد الجيش الجزائري الجنرال السعيد شنقريحة، الأسبوع الماضي لباريس، محطة بارزة في العلاقات بين فرنسا والجزائر،
هل تحاول الجزائر أن تغري الغرب بالابتعاد من موسكو؟
Smaller Bigger
شكلت الزيارة الرسمية التي قام بها قائد الجيش الجزائري الجنرال السعيد شنقريحة، الأسبوع الماضي لباريس، محطة بارزة في العلاقات بين فرنسا والجزائر، لا سيما أنها تأتي قبل شهرين من زيارة الدولة التي يعتزم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون القيام بها لباريس. إنها محطة بارزة لأن المراقبين في باريس كانوا قد توقعوا أن تكون زيارة الرئيس تبون هي المقدمة لفتح باب الزيارات الرسمية على مستوى عال في  قيادة الجيش الذي يعرف أنه الجسم الذي يتولى السلطة الفعلية في الجزائر، وليس السلطة السياسية التي يتصدرها رئيس الجمهورية. وإذ بدت زيارة الجنرال شنقريحة لباريس بمثابة الزيارة الأهم والأكثر  حساسية وخطورة بسبب جدول أعمالها، وبالتالي أتت كمقدمة لزيارة رئيس الجمهورية. فالملفات التي حملها قائد الجيش هي الملفات التي تهم باريس أكثر من الملفات التي سيحملها رئيس الجمهورية الذي يتوقع أن يرافقه العديد من الوزراء غير العسكريين في شهر أيار (مايو) المقبل.
 
وقد أتت زيارة شنقريحة في ظل تفاهم صامت بين الجزائر وباريس على تبريد الملفات الخلافية ذات الطابع غير الملح، مثل مسألة دراسة تاريخ الاستعمار الفرنسي، أو العلاقة الملتبسة بين الدولة المستعمِرة سابقاً والمستعمرَة سابقاً، ولا سيما مع ازدياد حدّة التساجل في قضية باتت من التاريخ، وصار لزاماً على الطرفين تجاوزها وتركها للمؤرخين قبل السياسيين، أولاً لأنها باتت جزءاً من الابتزاز المتبادل بين الجزائر بقيادتها الموروثة عن جبهة التحرير الوطني المثقلة بالعقد التاريخية مثل فرنسا المثقلة بالعقد أيضاً، التي تارة توضع على نار حامية وطوراً يتم طيّها وإسكات الأصوات المتحمسة على ضفتي المتوسط. ومن هنا أتت زيارة شنقريحة لتشكل فاتحة محاولة جزائرية لاستغلال حاجة مشتركة جزائرية - فرنسية للتقارب المرحلي، وخصوصاً أن القيادة الجزائرية تضع نصب عينيها أهدافاً عدة، أولها محاولة التضييق على المغرب الذي لطالما كان متميزاً بعلاقاته مع الغرب، في وقت كانت الجزائر تحت حكم العسكر منذ عهد الرئيس الراحل هواري بومدين جزءاً من المعسكر المتحالف مع الاتحاد السوفياتي سابقاً، ثم مع روسيا. وما من شك في أن المؤسسة العسكرية صاحبة القرار الأول في السياسة الداخلية كما الخارجية نمت علاقاتها مع موسكو إلى حد بعيد، حيث تحولت الجزائر إلى أحد أكبر مشتري السلاح الروسي، بالرغم من الشكوك التي أحاطت دائماً بجودة السلاح الروسي الذي انكشف مؤخراً في حرب أوكرانيا، ومعه انكشفت المؤسسة العسكرية الروسية نفسها. 
 
في مطلق الأحوال، من الواضح أن باريس كانت مهتمة في تحيّن فرصة إحداث اختراق في علاقاتها مع الجزائر، لا سيما في ما يتعلق بإمكانية بيعها أسلحة، في وقت رفعت فيه الأخيرة ميزانيتها العسكرية إلى ما يفوق 18 مليار دولار. وهذا مبلغ كبير بالنسبة إلى دولة تقول إنها لا تسعى إلى خوض حروب! لكن باريس بدت حذرة في مكان ما لناحية بيع الأسلحة إلى الجزائر، نظراً لأن ثمة شكوكاً تعتري الوجهة النهائية لتلك الأسلحة، والتي يمكن ألا تكون الجيش الجزائري نفسه فحسب، بل أن تصل الأسلحة إلى يد جماعات مسلحة مثل "جبهة البوليساريو" الانفصالية التي تخضع للنفوذ الجزائري مباشرة، بما يمكن أن يعرّض علاقات باريس مع المغرب لاهتزازات إذا قرأت الرباط الأمر كتهديد لوحدة التراب الوطني الذي يشمل حكماً الصحراء المغربية نفسها.
 
وثمة خشية من أن تصل أسلحة فرنسية إلى أيدي جماعات مسلحة أخرى في منطقة الساحل والصحراء الكبرى، حيث تعمل الجزائر منذ أعوام عدة على محاولة وضع قدميها هناك، مستغلةً الاختراق الروسي عبر مرتزقة "فاغنر"، والحملات المنسقة الروسية والصينية في المنطقة لتأليب الرأي العام في بعض دول الساحل، مثل مالي وبوركينا فاسو ضد الدور الفرنسي الذي بات صعباً للغاية ومحاصراً أقله في المدى المنظور. ومن الملفات الحساسة التي كان يهم باريس أن تتحدث فيها مع قائد الجيش الجزائري مدى قدرة الجزائر على موازنة تحالفها مع موسكو، في مقابل علاقاتها التي تسعى الجزائر إلى تحسينها مع باريس والغرب عموماً في ضوء تراجع دور روسيا دولياً، على خلفية تعثرها الكبير في أوكرانيا. وهنا تعرف باريس أن الجزائر التي تستغل اليوم اهتزاز الأسواق العالمية نتيجة القلق بشأن إمدادات النفط والغاز إلى الدول الغربية بعد القطيعة مع روسيا، تريد أن تسرع في عملية التقارب مع الغرب عموماً من بوابة باريس وواشنطن قبل انتهاء حرب أوكرانيا وعودة الهدوء إلى أسواق الطاقة العالمية الذي سينعكس عليها مباشرة، لا سيما أن الأولى، أي فرنسا، لها مصلحة اقتصادية عاجلة، والثانية، أي أميركا، لها مصلحة استراتيجية في اختراق موطئ قدم رئيسي لروسيا في شمال أفريقيا. وبالرغم من أن التحالف بين الجزائر تحت حكم المؤسسة العسكرية الفولاذي مع موسكو ثابتة  تاريخية منذ خمسة عقود، لكنها مستعدة لتوجيه جزء من ميزانيتها العسكرية للغرب لاستغلال علاقة في مرحلة ما بعد انتهاء حرب أوكرانيا، وخصوصاً أن السلاح الروسي، وإن يكن مصدر تمويل غير مرئي لرؤوس كبيرة في الحكم، فقد أثبت ضعف جودته، وغذّى المخاوف من أن تنتهي الأعتدة والأسلحة التي اشترتها موسكو بالمليارات، بمعظمها خردة تماماً، مثل الأسلحة التي كدّسها على مدى ثلاثة عقود الزعيم الليبي السابق معمر القذافي في المخازن أو تحت الشمس الحارقة. والجزائر إذ تخشى من نظام العقوبات الأميركي أو من العقوبات المنسقة بين دول الغرب إذا لم تعمل بسرعة على الابتعاد قليلاً من روسيا، تدرك أن الغرب سيبقى يراقب ويضغط على المؤسسة العسكرية الحاكمة بخصوص أسلوبها في ممارسة السلطة والتضييق الكبير على الحريات العامة والصحافة وناشطي المجتمع المدني الذي تزايد في المرحلة الأخيرة إلى حد يصعب تجاهله. أضف إلى ذلك أن الغرب يعتبر أن المغرب هو الحليف التاريخي الأول له في شمال أفريقيا، والولايات المتحدة تؤيد السياسة المغربية المرتبطة بحل قضية الصحراء المغربية وتجاريها في ذلك معظم الدول الأوروبية، بعضها علناً وبعضها الآخر ضمناً بسبب طمعها بأموال النفط والغاز الجزائري. والسؤال إزاء هذا كله: هل يمكن لباريس أن تركن إلى دور جزائري صديق في منطقة الساحل والصحراء الكبرى وغرب أفريقيا بتوازن مع الاختراق الروسي العدائي لفرنسا؟ ثمة شكوك كبيرة لأن المسألة تحتاج إلى نمط مختلف في القيادة الجزائرية. فعلى سبيل المثال، هل ستتبادل الجزائر معلومات استخبارية مفيدة وذات صدقية تملكها أو تحصل عليها، تتعلق بمنطقة الساحل والصحراء الكبرى وأفريقيا الغربية حيث الصراع مع موسكو كبير؟ 
 
إذاً شكلت زيارة الجنرال شنقريحة لباريس مقدمة لزيارة الرئيس تبون. أما القضايا التي تتصدر نشرات الأخبار أو صفحات الجرائد فموجهة للمواطن العادي، ومعظمها بروتوكولي الطابع. 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار بيديا 10/29/2026 7:32:00 PM
عُيّن الأمير هاشم بن الحسين مستشاراً للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني اعتباراً من 29 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بعد مسيرة عسكرية وأكاديمية.
شمال إفريقيا 10/29/2026 6:41:00 PM
صفقة سلاح روسية لإثيوبيا تتزامن مع زيارة السيسي لموسكو وتثير تساؤلات في القاهرة بشأن حسابات بوتين ومصالح روسيا بين مصر والقرن الأفريقي، ومستقبل العلاقات.
اقتصاد وأعمال 10/30/2026 9:08:00 AM

انخفاض البنزين وارتفاع المازوت... كم بلغت الأسعار؟

أوروبا 10/29/2026 10:18:00 PM
من بريطانيا وفرنسا إلى ألمانيا ودول الشمال الأوروبي والولايات المتحدة والهند وأستراليا، تتعدد توصيات الاستعداد للأزمات، من تخزين الطعام والمياه لعدة أيام إلى تجهيز حقائب الطوارئ تحسباً لتعطل الخدمات الأساسية والكوارث.