لم يكن بيان المرجع المقيم في إيران كاظم الحائري هو ما تسبب بإعلان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر اعتزال السياسة، لكن البيان ساهم على الأرجح بتعجيل خطوة الصدر بضع ساعات.
السبت الماضي، منح الصدر خصومه في الفصائل الموالية لإيران، 72 ساعة –تنتهي مساء الثلثاء- للموافقة على فكرته بإبعاد جميع القوى السياسية من المشاركة في انتخابات جديدة، بما في ذلك حزب الصدر، أو أنه سيتوقف عن التدخل في أي تطورات لاحقة.
كان هذا التهديد يعني بأنه لن يطالب أنصاره الغاضبين -مثلاً- بالتوقف أو الانسحاب، كما فعل قبل أيام حين قرروا الاعتصام قرب مجلس القضاء، الذي يتهمه صدريون وقوى وشخصيات أخرى بالتماهي مع الفصائل الإيرانية.
صباح الإثنين، أصدر الحائري بيانه غير المسبوق، الذي أعلن فيه اعتزال المرجعية، وهاجم مقتدى الصدر، ليرد الأخير بتعجيل خطوة الاعتزال التي كانت مقررة يوم الثلثاء.
الحائري والصدر
كاظم الحائري هو مرجع ديني يقيم في إيران، وفي تسعينات القرن الماضي، أوصى المرجع محمد محمد صادق الصدر(الصدر الثاني)، والد مقتدى الصدر، بأن يرجع الناس إلى الحائري في التقليد بعد وفاة الصدر، بصفته "الأعلم"، بخاصة أن أياً من أبناء الصدر لم يبلغ مرحلة الاجتهاد التي تؤهله لطرح نفسه مرجعاً للتقليد.
يوصف الحائري، بأنه أحد أكثر المراجع تشدداً وتطرفاً، كما أن آراءه من بين الأكثر ميلاً للسياسة الإيرانية، يقول في رسالته الأخيرة أن "على جميع المؤمنين إطاعة الوليّ قائد الثورة الإسلاميّة سماحة آية الله العظمى السيّد عليّ الخامنئي (دام ظلّه)، فإنّ سماحته هو الأجدر والأكفأ على قيادة الاُمّة وإدارة الصراع مع قوى الظلم والاستكبار في هذه الظروف التي تكالبت فيها قوى الكفر والشرّ ضدّ الإسلام المحمّدي الأصيل".
يتناقل منتقدوه كراساً يحوي فتاوى منسوبة للحائري باسم "دليل المجاهد" يبيح فيها قتل الجنود العراقيين واستهداف المنشآت والاستيلاء على ممتلكات الدولة أيام نظام صدام حسين.
عُرِف الحائري بفتاوى مثيرة للجدل، وغير مسبوقة لدى كبار مراجع الشيعة الذين يحرص معظمهم على الاتزان في حبك الفتاوى.
عام 2012 حرّم الحائري انتخاب العلمانيين، ثم عاد قبل انتخابات 2021، وحرّم انتخاب القوى التي تدعو لدمج الحشد الشعبي في القوات العراقية.
منذ العام 2003، كانت العلاقة بين الحائري ومقتدى الصدر، تمثل واحداً من وجوه النزاع على وراثة الصدر الثاني، فالحائري هو الوصي، لكن مقتدى هو الإبن الذي يقدم نفسه وريثاً شرعياً لا بالنسب فقط، بل بالاتجاه، بخاصة وأن الحائري ذهب بعيداً في التماهي مع السياسة الإيرانية بعكس الاتجاه الذي اختطه الصدر الثاني.
وإلى جانب الوريثين المفترضين، ثمة ورثة آخرون في ميدان التنافس، مثل المرجع محمد اليعقوبي، ومحمود الصرخي، اللذين نافسا على وراثة الصدر بصفتهما التلميذين الأقربين، لكن تأثيرهما تراجع.
وفي رسالة الحائري الأخيرة، قال إن على أبناء الصدرين عدم التصدي للقيادة ما لم يكونوا قد حازوا درجة الاجتهاد الحوزوية، وهو ما أغضب مقتدى الصدر، لأن العلاقة المتوترة بين الطرفين حافظت طيلة عقدين على قواعد اشتباك بمستوى مسيطر عليه، لكن دعوة الحائري العراقيين إلى تقليد الخامنئي، أثناء حياة المرجع علي السيستاني، كانت مستفزة للشريحة الأكبر من العراقيين الشيعة وهم مريدو حوزة النجف.
طهران تفقد السيطرة على الزمن
لا يُمكن توقع تأثيرات كبيرة بعد دعوة الحائري لتقليد الخامنئي، فمقلدو الأول في العراق نادرون –كما الثاني- ويصعب العثور على أحدهم في البلاد، لكن الفصائل الموالية لإيران التي انشق معظمها عن قوات مقتدى الصدر، لاذت بعباءة الحائري منذ سنوات وكثفت الترويج له في مناسبات عدة أثناء اشتباكها السياسي مع مقتدى الصدر، وقدمته بوصفه امتداداً للصدر الأب، يبارك مسار الفصائل ويعارض مقتدى الصدر.
من جهة أخرى، تؤكد وصية الحائري للعراقيين بتقليد الخامنئي، حقيقة وجود خطة "للولي الفقيه" من أجل السطو على حوزة النجف، واستمالة العراقيين الشيعة من بوابة العقيدة هذه المرة، وليس عبر المال والسلاح والإعلام فحسب. وانتصر الصدر في رده على الحائري ليس لنفسه فقط، بل لحوزة النجف والسيستاني.
يجادل كثيرون، ومن بينهم مقلدون سابقون للحائري، حول مدى سلامته العقلية وهو الرجل الثمانيني، الذي يصعب العثور على فيديو له يؤكد سلامته أو حتى مسؤوليته عن البيانات التي تصدر باسمه، وقد ألمح الصدر في بيانه إلى أن جهات أخرى ربما تقف خلف ما يصدر باسم المرجع المقيم في إيران.
تكشف رسالة الحائري أيضاً -بصرف النظر عن كاتبها- توجهاً إيرانياً بحرق المراحل نظراً لـ "ضيق الوقت"، فالتوقعات كانت تشير إلى أن طهران ستنتظر شغور مقعد المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني قبل البدء بمحاولة التهام قاعدته، لكن دعوة الحائري تبدو أكثر تعجلاً.
على حافة الانزلاق..
سقط حتى الآن أكثر من 10 ضحايا من الصدريين الذين كانوا يرومون الاعتصام قرب المؤسسات الحكومية، تقول الحكومة العراقية كالعادة أنها لم تأمر بإطلاق النار، ويؤكد متظاهرون صدريون أنهم شاهدوا مَن قتل زملاءهم، وتعرفوا على الجهة التي انطلقت منها أولى الرصاصات، ويشيرون صراحة إلى تورط فصائل ولائية ترتدي زي القوات النظامية.
وقضت بغداد واحدة من أكثر الليالي صخباً... فالفصائل لم تتمكن من احتكار إطلاق النار كما اعتادت، بل واجهت رداً شاهد العراقيون أثره في السماء لساعات.
يعتبر صدريون كثر أن ضحاياهم قُتلوا بفتوى إيرانية ختمها الحائري، حين كدّس قائمة اتهامات خطيرة ضد الصدر في رسالته الأخيرة، التي جاءت كما لو أنها إيذان ببدء حصاد رؤوس الصدريين على طريقة قمع تظاهرات تشرين عام 2019، لكن صدام الفصائل مع التيار الأكثر تسلحاً في العراق، قد لا يفضي بالضرورة إلى نتائج مماثلة لمجزرة تشرين ضد المتظاهرين العزل.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
لبنان
5/18/2026 12:00:00 AM
تحدثت معلومات ديبلوماسية عن أنّ لبنان تبلّغ عبر سفارته في واشنطن طرحاً يرتبط بمساعٍٍ لتحقيق وقف تام وشامل لإطلاق النار خلال 24 إلى 48 ساعة من منتصف ليل السبت - الأحد بين "حزب الله" وإسرائيل...
مجتمع
5/18/2026 8:51:00 AM
حضرت القوى الأمنية والأدلة الجنائية إلى المكان للتحقيق
مجتمع
5/18/2026 10:32:00 AM
البطريرك المزعوم جان عبود هو كاهن روم كاثوليك سابق تابع لأبرشية طرابلس، كان قد تم توقيفه من الخدمة الكهنوتية وفُرضت عليه العقوبات الكنسية.
نبض