إعادة إطلاق العلاقات الأميركيّة - السّعوديّة... تعاون أمني جديد (4)
يتعيّن على الولايات المتحدة الأميركية تعزيز تعاونها الأمني مع المملكة العربية السعودية والشرق الأوسط وربما مع دول أخرى أيضاً، وتحديد أهداف أكثر طموحاً. لم يعد كافياً لواشنطن أن تستخدم هذه الأداة الحاسمة من فن الحكم الأميركي، للاستحواذ على طريقة للوصول إلى المنطقة وإنشاء قواعد عسكرية فيها وبيع الأسلحة وتطوير علاقات سياسية مع القيادات المحلية، والحفاظ على اتفاقيات السلام العربية- الإسرائيلية.
بات التعاون الأمني الأميركي اليوم يتطلب تحفيز الشركاء الإقليميين بشكل أكثر فعالية وتمكينهم من توفير أمنهم الخاص، وإذا اقتضى الأمر، المشاركة في عمليات مشتركة تقودها الولايات المتحدة سعياً وراء مصالح الأمن الجماعي. إنها مهمة صعبة بلا شك، ولكن هذا هو المستوى الجديد الذي يجب تحقيقه.
اقرأ أيضاً: إعادة إطلاق العلاقات الأميركية- السعودية... عقيدة كارتر (2)
اقرأ أيضاً: إعادة إطلاق العلاقات الأميركية - السعودية... شراكة لا وصاية (3)
لكن بالتزامن مع الدبلوماسية دائماً، لا خيار أمام السعوديين والأميركيين سوى الاستعداد معاً لحرب وغيرها من حالات الطوارئ العسكرية مع إيران، فضلاً عن الإظهار لطهران استعدادهما وقدرتهما على القتال المشترك، لا سيما لردع النزاع. وما تفشل الأصوات الانعزالية في واشنطن في تقديره هو أن فرص الحرب أو تجدد العدوان الإيراني تزداد كلما لاحظت طهران نقاط ضعف في الدفاعات السعودية وخطوط صدع في العلاقة الأمنية بين الدولتين.
تتطلب السعودية الأكثر أمناً وقوة شرطين أساسيين. أولاً، قدرة على إنتاج قوة قتالية موثوقة ومستدامة محلياً في وقت السلم. ثانياً، قدرة على الرد بفعالية، بمفردها أو كجزء من تحالف، على حالات الطوارئ العسكرية المختلفة. لكن المملكة لم تكن قادرة على القيام بأيٍّ منهما، أو على الأقل لم تستطع القيام بذلك على نحو فعال وكاف. فهي بحاجة إلى الولايات المتحدة، التي تمثل أكبر وأهم مزود لها للأمن والأسلحة. ولكن الولايات المتحدة تحتاج هي أيضاً إلى السعودية، لأنه بغض النظر عن عدد المرات التي يردد فيها الزعماء الأميركيون أن واشنطن تريد إنهاء الحروب المديدة في الشرق الأوسط، إن استمرت إيران في بناء برنامجها النووي وتهديد الأمن الإقليمي، قد تضطر الولايات المتحدة إلى خوض معركة جديدة في المنطقة. مع ذلك، ثمة اختلاف حاسم في أي حرب محتملة، وهو أن واشنطن لن ترغب في القتال بمفردها. ستحتاج إلى شركائها الإقليميين للمساهمة بطرق أكثر فعالية مقارنة بعملية "عاصفة الصحراء"، وحتى في عملية "العزم الصلب" ضد تنظيم "داعش
ومنذ "عاصفة الصحراء"، سعت واشنطن والرياض إلى تحسين التسلح السعودي، مع إيلاء اهتمام ضئيل للحوكمة الدفاعية، التي تعتبر بالغة الأهمية لإدارة الأسلحة السعودية وتوظيفها والحفاظ عليها. وركز المسؤولون الأميركيون والسعوديون على الحصول على المعدات الأميركية والتدرب عليها. والواقع أن نهج التعاون الأمني الأميركي التكتيكي والتشغيلي هذا لم يقتصر على المملكة العربية السعودية، بل هو نفسه الذي اعتمدته واشنطن في أفغانستان على مدى عشرين سنة وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط ومناطق نامية أخرى. وهذه وصفة للفشل مع شركاء لا يتمتعون بقدرات دفاعية كبيرة.
وبالتالي، تحتاج السعودية إلى اكتساب قدرة على وضع الاستراتيجيات وتنظيم المهام والتخطيط والتشغيل والدمج والإدارة والاستدامة، وكل ذلك يجب أن يحدث من "المرحلة الصفر"( أي قبل اندلاع أزمة أمنية أو شن هجوم). ويتطلب ذلك استثمارات في بناء مؤسسة دفاعية عبر مجالات متعددة، بما في ذلك العقيدة والاستراتيجية والتخطيط وإدارة الموارد وتنمية رأس المال البشري والاستحواذ والخدمات اللوجستية.
ومع أن السعودية قادرة على تطوير هذه العمليات والكفاءات بمساعدة الولايات المتحدة أو بدونها، فهي ستكون في وضع أقوى لإنشاء خطط دفاع موحدة ومفاهيم قتالية مشتركة مرة أخرى، بالشراكة مع واشنطن. وليست هذه الخطط والمفاهيم مفيدة إلى حد بعيد للسعوديين فحسب، بل أيضاً للأميركيين، وذلك من خلال إنشاء خريطة طريق للتخطيط التشغيلي اليومي مع القيادة المركزية الأميركية وإدارة الموارد التي تستند إلى القدرات المستقبلية مع وزارة الدفاع.
أنشطة السعودية المعززة لضمان أمن المملكة تتيح لقائد القيادة المركزية الأميركية فرصة لدمج القدرات العسكرية السعودية في الخطة التشغيلية (أوبلان). ويقول قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال مايكل كوريلا إن السعوديين مهتمون جداً بالخطط الاستراتيجية مع واشنطن، مضيفاً: "يسافر مخططون استراتيجيون أميركيون إلى المملكة بانتظام للعمل مع القادة العسكريين السعوديين لبناء أفكارهم من أجل وضع رؤية استراتيجية طويلة المدى". مع ذلك، إن لم تبن السعودية قوة عسكرية بالطريقة الصحيحة، وبالتالي قدرة على الردع الفعال والمساهمة في معركة محتملة، تتبدد أهمية التخطيط الاستراتيجي المشترك بين الدولتين.
لهذا السبب، يعتبر دمج "المرحلة الصفر" السعودية في خطة الطوارئ المشتركة بين الولايات المتحدة والسعودية أساسياً جداً. ومع أن القيادة المركزية الأميركية (وقيادات المناطق الجغرافية الأخرى) قد تدمج "المرحلة الصفر" في خطة للطوارئ من خلال مسرح العمليات، ولكنها ستكون "المرحلة الصفر" الخاصة بها، وخطة الطوارئ الخاصة بها، ولا مصلحة كبيرة للسعودية فيها وبالتالي ستكون مساهمتها ضئيلة في كل من العمليتين. وإذا أرادت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية "إعداد البيئة" بطريقة أفضل للتأثير على إرادة إيران وحساباتها من دون الحاجة إلى إطلاق طلقة واحدة، وهو ما تدعو إليه الثقافة الاستراتيجية الصينية منذ العصور القديمة، فعليهما القيام بذلك معاً. وهذه العملية يجب أن تذهب أبعد من الاستعداد للعمليات القتالية، لتشمل تدابير تسعى إلى تجنب النزاع.
ولا شك في أن تحقيق ذلك في غاية الصعوبة، لا سيما أن المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة لم تفعلا ذلك من قبل. وحتى منظمة "حلف شمال الأطلسي" (الناتو)، وهو التحالف الأكثر تكاملاً ونجاحاً في التاريخ، يجد صعوبة في التخطيط الدفاعي المشترك، المعروف باسم "عملية التخطيط الدفاعي لحلف الناتو". وليست الرياض وواشنطن حليفتين، وبالتالي ليست لديهما معاهدات تفرض عليهما التزامات محددة، فضلاً عن الحاجة إلى البنية التحتية والعمليات والإجراءات والموظفين والخبرة اللازمة لتنفيذ طريقة الدفاع المتكاملة هذه. لكن ذلك لا يعني أن لا مجال لتفاهم سياسي واضح ودائم يحل مكان "عقيدة كارتر" ويتضمن نهجاً منسقاً أكثر للأمن.
وكما أوضحت إدارتا الرئيسين السابقين باراك أوباما ودونالد ترامب، يكمن أحد أكبر التحديات التي يواجهها "الناتو"، في أن الكثيرين من أعضائه يفتقدون الميزانية المطلوبة وأهداف الخطط العسكرية المحددة. فلحسن الحظ، ونظراً إلى ثروتها الهائلة وإنفاقها الدفاعي الضخم، لا تعاني المملكة العربية السعودية هذه المشكلة. لذا، يكمن التحدي الذي تواجهه واشنطن في مساعدة السعوديين في تحويل هذه الميزانية إلى قوة قتالية.
نبض