لم تكن علاقة شيعة العراق بإيران حسنة. على الأقل عبر السنوات التي عشتها في العراق. كان هناك حذر وريبة وشك في كل ما هو قادم من إيران كونه "عجمياً".
لم تكن تلك التسمية قائمة على أساس عنصري بقدر ما ارتبطت بشعور العراقيين بأن هناك أطماعاً إيرانية مبيتة تهدف إلى نسف الحوزة الدينية في النجف باعتبارها المرجعية الدينية العليا للشيعة في العالم. أما الناس العاديون من أصول إيرانية، فقد كانوا يعيشون في العراق في شكل طبيعي. لذلك لم يلقَ قرار تهجيرهم من قبل الحكومة العراقية نهاية سبعينات القرن الماضي قبولاً في الشارع العراقي.
واللافت أن العراقيين لم ينظروا بشيء من الاستياء إلى الأصول العرقية لرجال الدين الذين تولوا قيادة تلك المرجعية والذين كانوا في معظمهم إيرانيين. بقدر ما كان انزعاجهم يذهب في اتجاه "قم" التي كانت تخطط دائماً لأن تكون بديلاً عن النجف في الزعامة الشيعية.
كان الخوف من إيران يصدر من موقعين، الأول قومي، والثاني سياسي.
كان العراقيون ينظرون بشيء من الفكاهة الممزوجة بالخوف إلى طريقة نطق رجال الدين الفرس الكلمات العربية وكانوا يكتشفون بين ثنايا خطبهم نوعاً من الحقد على العرب. أما على المستوى السياسي، فإن التشيّع العربي لم يظهر اهتماماً بالسياسة في حين كان رجال الدين من الفرس الشيعة غارقين فيها وهو ما دعا الحكومة العراقية إلى طرد آية الله الخميني إلى الكويت.
لم يكن ذلك القرار صائباً، غير أنه انسجم مع رغبة العراقيين في أن لا يتكلم رجل الدين في السياسة. وقد يكون ذاك الإجراء قد اتخذ بناء على طلب رسمي إيراني.
ما يهم هنا أن شيعة العراق كانوا في وقت قريب حطباً لحرب أصر الخميني على أن تستمر بالرغم من صدور قرار من مجلس الأمن يدعو إلى إيقافها.
وإذا ما انتقلنا إلى عام 2003 حين غزا الأميركيون العراق، فقد كانت إيران أولى الدول المؤيدة لذلك الاحتلال. غير أنها ما كان من الممكن أن تجد لها موطئ قدم داخل العراق لولا الحملات التبشيرية التي قامت بها الأحزاب الشيعية (العراقية) وفي مقدمها "حزب الدعوة" الذي كان يقف في مقدم أحزاب المعارضة التي دخلت إلى العراق برفقة قوات الاحتلال الأميركي.
يومها حدث تحول خطير في المزاج الشعبي العراقي بتأثير مباشر من أجهزة الدعاية التي أنفقت عليها سلطة الاحتلال أموالاً هائلة. لقد حدث التفاف على الكثير من المفاهيم بحيث صار الاحتلال تحريراً، وتم اعتبار التقسيم الطائفي هو الأساس التي ارتكزت إليه الدولة العراقية منذ تأسيسها في عشرينات القرن الماضي. أما مقاومة الاحتلال الأميركي، فقد اعتبرت نوعاً من رفض طائفي لانتقال السلطة من الأقلية (السنّية) إلى الأكثرية الشيعية.
كان هناك خلط هائل للأوراق استفادت منه إيران في تنفيذ مخططها وصولاً إلى تكريس هيمنتها في ما بعد. ولقد مارس نوري المالكي وهو زعيم "حزب الدعوة" أثناء ترؤسه الحكومة العراقية ثماني سنوات دوراً مهماً في تكريس عزلة الشيعة من خلال إشاعة الخوف بين صفوفهم. ولم يكن ذلك الخوف إلا انعكاساً لسياساته التي بدأت بحرب أهلية ارتكبت الميليشيات الشيعية فيها جرائم فظيعة في حق العراقيين من أتباع المذهب السنّي لحقتها سياسة القهر والتهميش والاعتقال على الهوية.
لم يؤدِ ذلك إلى تمزيق النسيج الاجتماعي في المجتمع العراقي فحسب، بل وأيضاً إلى تعميق الرغبة في الثأر والانتقام. فبعد الخوف الذي شعر به الشيعة بعد أن رُفع الشعار المفتعل في المحافظات ذات الغالبية السنّية "قادمون يا بغداد"، فإن أبناء المكون السنّي صاروا ينظرون إلى أبناء المكون الشيعي باعتبارهم أعداء ومجرمين.
لقد وقع عبء الجرائم التي ارتكبتها الميليشيات التابعة لإيران على عاتق الشيعة وصار عليهم أن يدفعوا ثمنها. ذلك مشروع حرب أهلية لا يمكن أن تنتهي. وإذا ما كان علينا أن نتوقف أمام هذه المرحلة فلا يمكن أن يقال سوى إن الشيعة قادوا العراق إلى الحضيض بسبب قياداتهم وهم الذين كانوا ينادون بضرورة أن يكون زعيم العراق شيعياً.
ذلك ما أكدته الوقائع غير أن الحقيقة تقول غير ذلك.
لقد خُدع شيعة العراق. كان للولايات المتحدة دور عظيم في تلك الخديعة. فالأحزاب الشيعية التي تبنتها وسلمتها الحكم كانت إيرانية الولاء ولم يكن ذلك خافياً عليها. بل أن قواتها كانت على دراية بكل عمليات القتل والتعذيب والإذلال التي مارستها الميليشيات التابعة لتلك الأحزاب.
كان المقصود أن يوضع شيعة العراق في قفص الاتهام. سيكون ذلك مسوغاً لارتمائهم في أحضان إيران التي لن ترحمهم.
شيعة العراق الذين خرجوا قبل سنة في تظاهرات احتجاجية ضد الهيمنة الإيرانية يعرفون أنهم وقعوا في مصيدة الخبث الإيراني. فحين تزعم إيران أنها قائدة العالم الشيعي فإن ذلك يعني أن شيعة العراق إضافة إلى أنهم فقدوا وطنهم فإنهم فقدوا هويتهم. لقد استذكر العراقيون يومها أن إيران تكره كل ما هو عراقي. ليس الحقد الإيراني موجهاً إلى السنّة بل هو يشمل عامة العراقيين.
مشكلة شيعة العراق اليوم تكمن في أن يعلنوا براءتهم من جرائم ارتكبتها إيران من خلال ميليشياتها. وهو ما يدفع تلك الميليشيات إلى ممارسة مختلف أنواع العنف من أجل أن لا تظهر الحقيقة.
كل الاغتيالات التي تنفذها الميليشيات الإيرانية في حق الناشطين العراقيين إنما تهدف إلى إبقاء الشيعة داخل قفص الخوف وتقييد حركتهم في إطار طائفي تتحكم به إيران.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
كتاب النهار
5/5/2026 1:21:00 PM
السؤال لم يعد: هل يستطيع الحزب أن يقاتل؟ بل: هل يستطيع أن يحمي الحياة اليومية لمن دفعوا ثمن قتاله؟
لبنان
5/11/2026 5:34:00 AM
يمكن التوصل بين الرئيسين عون وبري إلى أرضيةٍ مشتركة حول البنود المرجعية، بعد إعلان رئيس الجمهورية أن هدفه "إنهاء الحرب مع إسرائيل على غرار اتفاقية الهدنة".
لبنان
5/11/2026 1:32:00 PM
بلغ مجموع طلبات المودعين الذين تقدموا للإستفادة من التعميمين الأساسيين الرقم 158 و 166 حتى تاريخ تقديم هذا البيان 610,624 طلباً...
نبض