أي سلطة تلك التي تنقذ نفسها عند كل مأزق بإقرار قوانين عفو؟ وكأنها تريد أن تمحو ارتكاباتها بإعفاء نفسها من جرائمها المشينة؟
مجدداً الى قانون العفو العام درّ... وكأن المرات الثلاث التي حاول فيها مجلس النواب اللبناني إقرار اقتراح قانون العفو لم تثبت، فها هو سيحاول للمرة الرابعة يوم الأربعاء المقبل، إمرار اقتراح قانون للعفو العام الشامل، بعدما حدد رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، يومي الأربعاء والخميس المقبلين، موعدين للجلسة العامة التشريعية، وأدرج على جدول أعمال الجلسة، وفي بدايتها، أي تحديداً في البند الرقم 2، اقتراح قانون العفو.
فما هي قصص قوانين العفو العام في لبنان؟ وأي "ميزة" أو بالأحرى أي أخطار يمكن أن يمررها اقتراح العفو العام إذا ما أقر يوم الأربعاء المقبل، في هذه الظروف الحساسة لا بل الحرجة؟
التوقيت الحرج
أولاً، من المعروف أن الظروف الحالية الأكثر من دقيقة، إن كان على المستوى الصحي أو السياسي أو المعيشي ـ الاقتصادي لا توفر بيئة صالحة لسريان قانون العفو العام الآن. لأنه إذا كان الظرف الصحي الطارئ الذي فرضته جائحة "كورونا" يؤدي الى العفو عن السجناء بحجة تخفيف الاكتظاظ، بعدما انتشر الفيروس داخل السجون، فأي عذر أو منطق يبرّر إخراج هؤلاء الى بيئة أوسع بدل فرض حجر صحي عليهم، لا سيما أننا في حال انتشار واسعة جداً للفيروس؟!
ثانياً، من قال إن الحل لمشكلة الاكتظاظ هي في العفو عن الجميع؟ لمَ لا يتم اللجوء الى أساليب أخرى أكثر عدالة، من مثل تسريع المحاكمات إلكترونياً، لا سيما لمن لا يبقى له الكثير من المحكومية، بدل إخراج عدد لا بأس به من السجناء دفعة واحدة، وفي ظرف جداً حساس. فلا العفو العام ولا حتى محاولة إمرار مرسوم للعفو الخاص يمكن أن يشكل الوسيلة الناجعة لمشكلة الاكتظاظ. ففي حالة العفو العام، يتساوى عدد كبير من السجناء، إذ يخرج من عقوبته عادية الى من هو أكثر خطراً على المجتمع، من مثل المتهمين بجرائم الإرهاب وغيرها.
وفي حالة العفو الخاص، يطرح أمر الاستنسابية الى الواجهة، إذ ما هي المعايير التي ستُطبّق وتُحترم في اختيار لائحة من السجناء الذين سيشملهم العفو الخاص؟
من هنا، ففي الحالتين، لا يبدو الأمر سهلاً، ولنكن أكثر دقة، لا تبدو المسألة عادلة، في حق المجتمع برمّته، ولا في حق جميع السجناء أنفسهم.
وفي السياق نفسه، يمكن سرد أكثر من خطر داهم، إذا تمكّن البرلمان اللبناني يوم الأربعاء المقبل من إقرار العفو العام.
الخطر الأول وهو الأكثر إلحاحاً: خطر التوقيت. إن لبنان يمر بأزمة غير مسبوقة، ومتشعبة.
على الصعيد السياسي ـ الوطني: كيف يمكن إمرار قانون مع هذا الكمّ من الحساسية، في ظرف لا إجماع وطني حوله ولا ظروف وطنية مهيأة، بل إننا في مرحلة تقطيع وقت و"كباش" محتدم بين كل الأفرقاء اللبنانيين.
على الصعيد الأمني: كيف يمكن إخراج سجناء، لئلا نقول إفراغ السجون، في مرحلة أمنية دقيقة، لا سيما أن السلطة اللبنانية نفسها تتباهى في محاربتها لخلايا إرهابية نائمة، وتتصدى تقريباً كل يوم لهذا الخطر، فيما الجيش اللبناني يقدم مزيداً من شهدائه للتصدي لهذا الخطر الوطني الكبير.
عادة، تأتي قوانين العفو بعد حرب ومن أجل إجراء نوع من مصالحة داخلية، في محاولة لطي صفحة الحروب. أما أن يصدر عفو عام في ظرف دقيق، فيمكن أن يزيد الإجرام نتيجة الضغوط والتأزّم.
الجريمة المتجددة
على الصعيد المعيشي: في وقت يكاد أكثر من نصف الشعب اللبناني يصل الى حدود الفقر، في ظروف معيشية صعبة تضع غالبية المجتمع اللبناني بمختلف فئاته في مواجهة خطر معيشي لا أفق له، مع الارتفاع الجنوني للدولار والتهويل برفع الدعم عن سلع أساسية يومية، يأتي البرلمان اللبناني ليدق ناقوس خطر إضافياً، إذا ما نجح في إقرار العفو العام بعد يومين. إذ كيف يمكن لهؤلاء السجناء المعفى عنهم، أن يعملوا الآن في قلب المجتمع اللبناني ويؤمّنوا لقمة عيشهم؟ أين هي فرص العمل المتاحة للبنانيين أصلاً، قبل أن نقول للسجناء الذين سيخرجون قريباً؟
هل يعي من هم في السلطة اليوم هذه الأخطار، أم أنهم يشرّعون أبواب الجريمة مجدداً لهؤلاء المعفى عنهم؟!
... وبعد، لا تتوقف الأخطار هنا، بل إن قراءة بسيطة لبنود اقتراح قانون العفو العام المدرج على جدول أعمال الجلسة، تبيّن لنا العواقب أو النتائج الوخيمة الآتية:
النتيجة الأولى: في اقتراح قانون العفو العام، فقرة عاشرة تنص على أنه "من لا يستفيد من قانون العفو، تخفض في حقه العقوبات الى الثلثين"، أي كما لو أننا نمنح عفواً مخفضاً لمن لا يستفيد من العفو العام. ومن هذه الفقرة، تحديداً، يمكن أن ينفذ عدد لا بأس به من المرتكبين، أمثال ميشال سماحة!
إذ إن هذا الخفض يشمل الجريمة مهما كانت، إن كانت أمام المحاكم العادية أو الاستثنائية، أي إن كانت تتعلق بالتزوير المالي والتهرب الضريبي والإخلال بالوظيفة، أو بجرائم الفساد والإرهاب.
النتيجة الثانية: ثمة بند متعلق بنوع الجرائم. إذ إن أهم ما يشمله الاقتراح هو الجنايات، أي ما يتعلق مثلاً بالقتل واغتصاب الأولاد وممارسة العنف، بمعنى أننا نتعامل مع أناس خطيرين على المجتمع وسبق أن ارتكبوا جنايات، ومن الممكن أن يًعفى عنهم اليوم.
والأخطر أن الاقتراح ساوى بين مروّج المخدرات والضحية، فيما كل القوانين الأخرى تميّز عادة بين الطرفين.
النتيجة الثالثة: إسقاط الدعاوى. ينص الاقتراح على أن كل دعاوى الحق العام وكل الملاحقات وبلاغات البحث والتحري، تسقط، ليس فقط ضد من هو في السجن يقضي محكوميته، إنما أيضاً ضد الفارين من وجه العدالة.
فعن أي إسقاطات واقتراحات نتحدث بعد، والمجتمع اللبناني برمّته يصبح في خطر داهم؟!
والأغرب أن اقتراح قانون العفو يأتي في لحظة تفرض عقوبات أميركية خارجية على مسؤولين لبنانيين بتهم الفساد، فتأتي السلطة اللبنانية لتعفوَ عن أركانها في أغرب توقيت وأخطره، لكون اقتراح قانون العفو يشمل أيضاً الجرائم المتصلة بالتزوير المالي والتهرب الضريبي والإخلال بالوظيفة وجرائم الفساد. وتحت كل هذه الأبواب ارتكبت، وتُرتكب، أبشع الجرائم في حق مالية الدولة اللبنانية وخزينتها المنهوبة...
باختصار، هي "مهزلة" قانون العفو العام في لبنان بتوقيته الخطر وبنوده الأخطر، والكل يتذكر كيف مرّر مجلس النواب اللبناني، قبل 15 عاماً، وتحديداً في تموز (يوليو) 2005، قانوناً للعفو عن قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع أحد أبرز السجناء السياسيين في لبنان.
يومها، أقر القانون بإجماع النواب الحاضرين في الجلسة العامة، بعد انسحاب نواب "حزب الله" وعدد من نواب الحزب السوري القومي الاجتماعي، فيما صوّت نواب حركة "أمل" الشيعية برئاسة رئيس المجلس نبيه بري الى جانب إقرار قانون العفو.
فأي خريطة سيرسمها مجلس النواب بعد يومين، لحظة عرض اقتراح قانون العفو العام على التصويت؟ لننتظر ونر... أخطر"صفعة" لتاريخ لبنان الحديث... وفي توقيت أكثر من حرج...
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض